الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

 

 

"الترانسفير" الفلسطيني؟!

 

بقلم: محمد السمّاك/كاتب سياسي لبناني

صحيفة العرب اللندنية 11/5/2003

بعد أن يستتب الأمر للقوات الأمريكية في العراق (هل استتب الأمر فعلاً) فإن الهدف التالي للتحرك الأمريكي باتجاه إعادة تركيب الشرق الأوسط، هو الضفة الغربية وغزة. والمدخل المقرر لهذا التحرك هو: خريطة الطريق. ويبدو أن الإشكال الذي رافق الولادة العسيرة لأول حكومة فلسطينية برئاسة أبو مازن، مردّه إلى تباين المواقف داخل السلطة الفلسطينية نفسها من مشروع "خريطة الطريق" المقترح ومن التعديلات التي أدخلها عليها شارون ووافق عليها الرئيس الأمريكي جورج بوش.

فمقابل وقف بناء مزيد من المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية، مطلوب من الفلسطينيين:

أولاً: الموافقة على الجدار الفاصل الذي أقامته "إسرائيل" باعتباره خط حدود رسمية؛ وذلك رغم أن هذا الجدار ضم إلى "إسرائيل" ثلث الضفة الغربية، وعزل القدس نهائياً عن عمقها العربي.

ثانياً: الموافقة على الالتزام بالتخلّي عن حق العودة إلى فلسطين، وهو الحق الذي نصّ عليه قرار الأمم المتحدة 192. وكذلك الموافقة على الإعلان عن هذا التخلّي رسمياً.

معنى هذين الأمرين توطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وسوريا والأردن وفي بقية الدول العربية - والأجنبية - التي هُجّروا إليها، كما أنه يعني خنق الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة، ومن ثم حملهم على الهجرة وهو ما يُعرف في مفردات شارون وفريق عمله بـ"الترانسفير".

إن تدمير المنازل، وجرف المزارع، ونسف المصانع الذي تقوم به القوات الإسرائيلية بصورة منتظمة ومتواصلة من شأنه أن يقطع سبل العيش أمام الفلسطينيين وأن يرفع من معدلات البطالة، وبالتالي من معدلات الفقر إلى مستويات لا تحتمل.

كما أن وقف المعونات العربية التي كانت تقدم إليهم، بحجة أنها تخدم الإرهاب (؟) يزيد من تفاقم الأزمة المعيشية والاجتماعية، الأمر الذي يسهّل عملية "الترانسفير".

تتكامل هذه الضغوط المباشرة التي تمارسها "إسرائيل" داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة مع ضغوط السياسة الدينية التي تتعرض لها الإدارة الأمريكية داخل الولايات المتحدة نفسها من قبل اللوبي الصهيوني بجناحيه اليهودي والإنجيلي المسيحاني. فقد كان موضوع المؤتمر السنوي الذي تنظمه في واشنطن مؤسسة "التحالف المسيحي"، "إسرائيل والعرب". أما القضية الأولى التي طُرحت أمام المؤتمرين فهي - الترانسفير - أي توطين الفلسطينيين خارج "إسرائيل"

ولأن هذا التحالف الذي يتزعمه القس بات روبرتسون يمثّل اليمين الديني الأصولي الأكثر تطرفاً في الولايات المتحدة. فقد أتّخذ شعاراً له هذا العام ما ورد في الجزء 33 من التوراة حيث ينسب الله قوله لموسى إنه "أعطى بنى إسرائيل حق وراثة أرض كنعان". وحيث ينسب إليه قوله أيضاً: "عليك بطرد كل سكان هذه الأرض... وإذا لم تخرجهم جميعاً أمامك، فإن الذين يبقون منهم سيكونون كالقش في عيونكم وكالأشواك في خواصركم وإنهم سوف ينغّصون عليكم صفو حياتكم في الأرض التي تعيشون فيها".

وكما في كل عام فإن الكلمة الرئيسية في المؤتمر كانت للقس روبرتسون نفسه. وكان محور كلمته يدور حول ياسر عرفات والسلطة الفلسطينية. فقد اتهم روبرتسون الزعيم الفلسطيني بأنه - صدق أو لا تصدق - قتل وطرد نسبة عالية جداً من سكان مدينة بيت لحم المسيحيين.!!

ووصف القيادة الفلسطينية بأنها مجموعة من رجالات المافيا الذين استُحضروا من تونس (؟) وأنهم احتلوا (؟) فلسطين بزعامة ياسر عرفات وأعوانه؟.!

وهتف روبرتسون بعد ذلك قائلاً: "لن نسمح أبداً بأن تقدم هذه الأمة للفلسطينيين".

وحتى لا يترك مجالاً للشك قال روبرتسون إن الفلسطينيين هم مجموعة من العرب وصلوا إلى فلسطين منذ عقود قليلة فقط، وأن ادعاءهم السيادة على الأرض هو إدعاء حديث بينما يعود الارتباط اليهودي بهذه الأرض إلى آلاف السنين، والدليل على ذلك هو الهيكل الذي يعود إلى الإسرائيليين وليس إلى الفلسطينيين.

وهكذا فإنه في منطق اليمين المسيحي الأمريكي فإن الفلسطينيين هم طارئون هاجروا إلى فلسطين حديثاً ليزاحموا الإسرائيليين في وطنهم!! ملاحظة: وافقت الحكومة الإسرائيلية الأسبوع الماضي على برنامج لنقل 20 ألفاً من فلاشا أثيوبيا إلى "إسرائيل"!

وكما في كل عام تشترك شخصيات إسرائيلية في المؤتمر السنوي للتحالف المسيحي الأمريكي. وكان من هذه الشخصيات محافظ القدس أيهود أولمرت ورئيس حزب مولدت ووزير السياحة السابق بني ألون إلى جانب شخصيات أمريكية رسمية عديدة كان أبرزها هذا العام زعيم الأكثرية في الكونغرس الأمريكي ويب توم دلاي.

وقد تمحورت الخطب التي ألقوها حول وجوب تحقيق الإرادة الإلهية بإقامة "إسرائيل" من النهر إلى البحر على أن تكون دولة يهودية صافية لا يبقى فيها "قش في العيون وأشواك في الخواصر".

وبالنسبة للقدس فإن الشعار الذي رفعه ألون هو "أن الله هو الذي أعلن هذه المدينة عاصمة لإسرائيل وأن ما يريده الله لا يغيّره البشر".

ولذلك فإن على كل "محبي المسيح" أن يعملوا من أجل أن تبقى القدس عاصمة أبدية وموحّدة لإسرائيل. (كم من جريمة تُرتكب باسم المسيح وهو منها براء).!

كان يمكن أن نتجاوز هذه الأقوال والمزاعم أو أن نتهم أصحابها بما هم أهل له من كذب وتدجيل وتزوير للحقائق. ولكن عندما نعرف أن شخصيات اليمين المسيحي المتطرف مثل بات روبرتسون وجيم بيكر وجيري فولويل وبيلي غراهام وجيمي سواغرت هم من أقرب المقرّبين للرئيس جورج بوش وأنهم يلعبون دوراً مباشراً في صناعة القرار السياسي الأمريكي من قضايا الشرق الأوسط، ندرك أن خطورة هذا المؤتمر السنوي وما أعلن فيه من مواقف وآراء وفى هذا الوقت بالذات الذي تتداخل فيه الحرب على الإرهاب بالحملة على الإسلام.

فزعيم الأكثرية في الكونغرس دلاي، هتف أمام جموع المؤتمرين داعياً إلى "دعم مؤيدي "إسرائيل" الذين يقفون بشجاعة إلى جانب السيد المسيح".

إن خطورة هذه الحركة الدينية الأمريكية تكمن في أنها تجعل من السياسة الخارجية القائمة على أساس دعم "إسرائيل" ومحاربة أعدائها، الوجه الآخر للسياسة الداخلية. كما تكمن في الإيحاء بأن مساعدة "إسرائيل" هي واجب ديني على كل أمريكي... وأن هذا الواجب يحتّم القضاء على أعدائها على النحو الذي ردّدته رئيسة التحالف روبرتا كومبس في الكلمة الافتتاحية للمؤتمر.

ولكن وعلى الرغم من أن الأكثرية الساحقة من الكنائس الأمريكية الإنجيلية والكاثوليكية والأرثوذكسية في الولايات المتحدة نفسها وفي العالم ترفض منطق هذه الحركة جملة وتفصيلاً وتلتزم مواقف مسيحية وإنسانية سليمة ومشرفة، فإن العالم العربي - الإسلامي مقصّر في التعاون معها لكباح جماح هيمنة المتصهينين على القرار الأمريكي.

إن الرأي العام الأمريكي المتديّن بطبيعته يتعرض لعملية شحن من جانب واحد... وباسم الدين... إنهم يضللونه ويكذبون عليه حتى يصبح عنده الضلال إيماناً والكذب حقيقة.