الوجه
الآخر للإعلام الغربي والأمريكي
الهمجية
والاستعمار
بقلم: هاربال
برار
عن مجلة
«لالكار» البريطانية
ترجمة:
ميشيل منيّر
صحيفة
البعث 15-16 آذار (مارس) 2003
انهار ائتلاف
«الوحدة الوطنية» الإسرائيلي في 30 تشرين الأول ليمهد السبيل
لانتخابات جديدة في 28 كانون الثاني، وكان شارون قد انتخب في 6 شباط
2001 رئيساً للوزراء بأغلبية كبيرة 6.62
بالمائة مقابل 2.37 بالمائة لايهود باراك
من العمل، على أساس برنامج السلم والأمن، وبعد عامين تقريباً أصبح
الإسرائيليون أكثر بعداً عن هذين الهدفين، والسبب في ذلك بسيط، وهو
أنه لا يمكن أن ينعم الإسرائيليون بالسلم والأمن ما دام الشعب
الفلسطيني محروماً من حقوقه الوطنية المشروعة ويعاني من وحشية
الاحتلال الاستعماري الصهيوني لأرضه وطغيانه ومن الإذلال والشدة.
بدلاً من
الانتباه إلى هذه القضية ذات الأهمية القصوى، حاولت الحكومات
الإسرائيلية المتعاقبة، العمالية والليكودية، حل هذه المشكلة
بالاستخدام الهمجي للقوة، والعنف الوحشي تجاه السكان الفلسطينيين
عموماً، والعقوبات الجماعية وحظر التجول، والإغلاق والاعتقالات
الجماعية والتعذيب، وتمزيق الحياة الاقتصادية وفرض مشقة قصوى على
السكان المدنيين، وكل ذلك في استهتار قاس بالرأي العام العالمي
والقانون الدولي وخرق مسلسل لقرارات الأمم المتحدة، لا بل مضى شارون
أبعد، وهذا ما له مدلوله، من الإدارات الصهيونية السابقة في الوحشية
السادية التي استخدمتها حكومته ضد الشعب الفلسطيني.
يهاجم الجيش
والقوة الجوية الإسرائيلية مراكز السكان الفلسطينيين ويقصفها
بالقنابل على مدار الساعة عملياً، قاتلاً ومشوهاً الآلاف، أما
ذريعتهم في هذا الاستخدام الواسع للقوة فهي التفجيرات الانتحارية
التي ينفذها الفلسطينيون ضد الأهداف الإسرائيلية، ولكن الحقيقة هي أن
الفلسطينيين وقعوا اتفاقية أوسلو في عام 1993 التي تعهدوا وفقاً لها،
كما فعلت "إسرائيل"، حل الخلافات بالطرق السلمية، وكان التوسع
الإقليمي والبناء المتواصل لمستوطنات جديدة وتوسيع القديمة، مما نسف
تلك الاتفاقية، فمنذ توقيع اتفاقية أوسلو في عام 1993 تضاعف عدد سكان
المستوطنات في الضفة الغربية ليصبح أكثر من مائتي ألف، إضافة إلى
مائتي ألف مستوطن يهودي يعيشون في مناطق من القدس استولوا عليها
وضُمت بعد حرب حزيران 1967.
ويهدف التوسع
الاستيطاني الإسرائيلي والبنى التحتية من طرق وخدمات تربطها إلى وصل
عدد كبير من المستوطنات في كل ما تسمى الأراضي المحتلة (لأن كل
فلسطين التاريخية محتلة)، وفي الوقت ذاته حشر أكثر من ثلاثة ملايين
فلسطيني في مراكز سكنية معزولة بعضها عن البعض الآخر، وهكذا بعد أن
كانت المستوطنات الصهيونية تشبه الجزر في بحر من الفلسطينيين قبل
عقدين، تسير الأمور نحو ظهور جزر فلسطينية في بحر من المستوطنات
الإسرائيلية، وكل هذا مدعوم بالرغبة الصهيونية في خلق حقائق على
الأرض تجعل خلق دولة فلسطينية قابلة للحياة مستحيلاً، أو إذا
استخدمنا كلمات السلطة الفلسطينية، تقليص الدولة الفلسطينية المقبلة
إلى «مساوٍ شرق أوسطي لمحميات الهنود الأصليين الأمريكيين»، وإذا حدث
ذلك فقد لا يبقى لدى الفلسطينيين من خيار آخر سوى إعادة النظر
بالسياسة القائمة على وجود دولتين، وفي تلك الحال لن يكون لدى
الصهاينة من يلومونه سوى أنفسهم.
ومثل جميع
المغتصبين الاستعماريين، ليس الصهاينة قطاع طرق ولصوصاً فحسب، بل هم
إضافة إلى ذلك لصوص طائشون جداً، لقد سرقوا الأرض الفلسطينية، ووافق
الأصحاب الشرعيون لهذه الأرض، لأسباب متنوعة لا حاجة إلى تعدادها في
هذه المقالة، على حل يضمن لهم /22/ بالمائة منها فقط، تاركين للصوص
التهام /78/ بالمائة الباقية، وبسبب جشعهم الأعمى لم يكن الصهاينة
قادرين على قبول هذه الصفقة الألفية.
الأراضي المحتلة معسكر اعتقال
في سعيها
وراء هذا الهدف، قضم بقية الأرض الفلسطينية، بدأت حكومة شارون حرباً
شاملة على الشعب الفلسطيني، فمنذ مجيئها إلى السلطة قبل عامين
تقريباً، أعادت احتلال البلدات والمدن عبر الضفة الغربية وحولت الضفة
الغربية وقطاع غزة إلى معسكر اعتقال كبير يخضع فيه الفلسطينيون للحبس
وحظر التجول بلا نهاية، حيث يحتالون على العيش البائس على حسنات
وكالات المساعدة، ويمكن تصور معاناة الشعب الفلسطيني من الأرقام
القليلة التالية التي نشرتها اليونيسيف بمناسبة يوم الطفل العالمي في
20 أيلول 2002، فمن أصل 1900 شخص قتلوا منذ بداية انتفاضة الأقصى في
أيلول 2000 (يقارب عدد القتلى الآن 2200)، بلغ عدد الأطفال 323 (الآن
أكثر من 380).
لقد زاد
الرقمان منذ ذلك الوقت، وأصيب أكثر من عشرين ألف فلسطيني بجراح (ثمة
مصادر أخرى تضاعف هذا العدد) وكان بينهم سبعة آلاف طفل، ويعاني
ثمانون بالمائة من أصل 1.3 مليون طفل في الأراضي المحتلة من اضطرابات
نفسية، مثل الخوف وعدم القدرة على التركيز ومشاكل النوم، وتضررت 185
مدرسة ودمرت 11 مدرسة كلياً، واستخدمت ثلاث مدارس (مصادر أخرى تقول
إنها تزيد عن 12) كمواقع عسكرية إسرائيلية أو مراكز احتجاز
الفلسطينيين، ولم يكن 600.000 طفل في الضفة الغربية قادرين على
الذهاب إلى المدرسة لمدة شهر أو أكثر في ربيع 2002، وعند بداية الفصل
الدراسي في 31 آب 2002 لم تتمكن 49 مدرسة في جنين ونابلس والخليل من
فتح أبوابها بسبب حظر التجول، وهكذا منع 120.000 طفل من
التعلم و3.000 معلم من تعليمهم، وتقول اليونيسيف إن ثلثي الفلسطينيين
يعيشون اليوم تحت خط الفقر ويحتاج نصف مليون طفل إلى مساعدة غذائية.
وتقول مصادر
أخرى إن 15.000 فلسطيني على الأقل اعتقلوا منذ آذار 2002، وما زال
ستة آلاف منهم مسجونين، ومن بين هؤلاء المسجونين يوجد 1800 في حال
اعتقال إداري، أي اعتقال كيفي، دون تهم أو محاكمة، وحتى الحكومة
الإسرائيلية تعترف باحتجاز ألف فلسطيني في هذه الفئة.
حكومة تقمع
الناس الموجودين تحت سلطتها وتعذبهم وتشوههم وتسجنهم وتجوعهم، ومع
ذلك يثنى عليها، باعتبارها الممثل الحقيقي للحرية والديمقراطية، من
قبل الحكومات والطبقات الحاكمة في مراكز الإمبريالية: واشنطن ولندن
وباريس وبرلين وروما وطوكيو!.. يصعب العثور على مثال أكثر وضوحاً على
انحطاط الإمبريالية من الدعم الذي تقدمه البرجوازية الإمبريالية
للصهيونية الإسرائيلية من أجل مصلحة الهدف الأناني للبارونات اللصوص
والمتلاعبين الماليين واحتكارات النفط والسلاح الرأسمالية.
واصلت آلة
القتل الصهيونية عملها الرهيب بعد نشر اليونيسف لأرقامها، ففي 14
تشرين الأول قتل الجيش الإسرائيلي بدم بارد 14 فلسطينياً وجرح أكثر
من مائة في مخيم اللاجئين خان يونس في غزة، وكان كل القتلى مدنيين،
ومن ضمنهم أربعة أطفال وامرأة، وقد قتلوا عندما أطلقت مروحية
إسرائيلية قذيفة لتصيب حشداً من الناس خرجوا من بيوتهم ظناً منهم أن
الغارة التي استمرت أربع ساعات قد انتهت، وبعد أيام قليلة قتل ثمانية
مدنيين بقنبلة في مخيم اللاجئين في رفح في غزة، وفي غضون خمسة أسابيع
قتل الجيش الإسرائيلي 65 مدنياً في مخيمي خان يونس ورفح.
قتلت القوات
الإسرائيلية 13 فلسطينياً في الأسبوع الذي انتهى في 22 تشرين الثاني،
وفي الأسبوع الأول من كانون الأول 2002 هاجمت القوات الإسرائيلية
ثلاث مرات غزة، وفي الهجوم الأول، 2 كانون الأول، أطلقت مروحية ثلاث
قذائف على مدينة غزة لتقتل مصطفى سابا الذي يزعم الإسرائيليون أنه
كان مسؤولاً عن قتل سبعة جنود في وقت مبكر في العام الماضي، وبعد
يومين، في 4 كانون الأول، قتل عشرة فلسطينيين بينهم اثنان من مستخدمي
الاونروا، عندما اقتحمت قوات إسرائيلية مدعومة بالدبابات والمروحيات
مخيم البريج في قطاع غزة، مستفزة معركة بالبنادق لثلاث ساعات في عيد
الفطر، وأنشد عشرات آلاف المشاركين في جنازة العشرة «الانتقام»، وفي
6 كانون الأول قتل تسعة فلسطينيين في يوم واحد من العمليات العسكرية
الإسرائيلية، قتلت "إسرائيل" إجمالاً خمسين فلسطينياً في شهر كانون
الأول.
ولم يكن
مستخدمو الأمم المتحدة استثناء، كما تبين من قتل ايان هوك بدم بارد
في 22 تشرين الثاني، كان السيد هوك يساعد في بناء مخيم للاجئين في
جنين وقتل بإطلاق الرصاص عليه عندما كان يتفاوض بوساطة هاتفه الجوال
بشأن انسحاب عماله، وكان قد خرج من مجمع الأمم المتحدة حاملاً علم
الأمم المتحدة الأزرق عالياً.
المقاومة مستمرة
بدلاً من
إخضاع الجماهير الفلسطينية بوساطة الإرهاب الجماعي، ساعدت الطرق
والتكتيكات الإسرائيلية فقط على تصليب المقاومة الفلسطينية، فبعد
توقف الهجمات الانتحارية قرابة ستة أسابيع، قتلت خلالها القوات
الإسرائيلية 71 فلسطينياً، ردت المقاومة بهجومين انتحاريين في تل
أبيب في 18 و19 أيلول، لتقتل ما مجموعه تسعة إسرائيليين وتجرح أكثر
من سبعين، وبعد التفجير قال عبد الله الشامي زعيم الجهاد الإسلامي
الذي أعلن المسؤولية عن الهجومين المذكورين: «هذان الهجومان يبلغان
العدو أننا لم نكل ولم نيئس»، أما حماس الأقوى فقد هللت أيضاً
للهجومين قائلة: إنهما كشفا عدم حصانة "إسرائيل" وعجزها التام عن
توفير السلم والأمن لسكانها ما دام الفلسطينيون تحت الاحتلال.
وفي 11 تشرين
الأول قتل خمسة إسرائيليين في هجوم على كيبوتز ميتزن الواقع خارج
الضفة الغربية تماماً، وأعلنت منظمة مرتبطة بفتح المسؤولية عن
الهجوم، وفي 21 تشرين الأول قتل 14 إسرائيلياً في تفجير حافلة في
شمال "إسرائيل" أعلنت منظمة الجهاد الإسلامي المسؤولية عنه..
معركة الخليل
منيت القوات
الإسرائيلية في 15 تشرين الثاني بإحدى أسوأ هزائمها في عامي
الانتفاضة، فقد قتل 12 جندياً إسرائيلياً في معركة استمرت تسعين
دقيقة بعد أن وقعوا في كمين نصبه لهم ثلاثة مسلحين من الجهاد
الإسلامي وكان بين القتلى العقيد (درور وينبرغ) قائد الخليل
والإسرائيلي الأعلى رتبة الذي يُقتل في هذه الانتفاضة.. كانت هذه
عملية مخططة بدقة قُتل فيها ثلاثة مستوطنين مسلحين على الفور وجاءت
أثقل الإصابات ومن ضمنها مقتل قائد جيش الخليل، عندما طاردت المنفذين
القوات التي تحرس المستوطنين.
قال أحد
الشهود لمحطة إذاعة محلية: «كان هناك إطلاق نار من اليسار واليمين من
كل زاوية ممكنة، كانوا يطلقون النار علينا من الأعلى»، وعندما وصلت
أنباء الهجوم إلى غزة خرج العشرات من أنصار الجهاد الإسلامي إلى
الشوارع في احتفال عفوي بالكمين الذي وُصف بـ«هدية لكل شهيد»، وقال
صوت عبر المكبر:«هذا انتقام للمذابح اليومية البشعة التي يرتكبها
الاحتلال ضد شعبنا»، وأخبر ناطق باسم الجهاد تلفزيون الجزيرة أن
الهجوم كان انتقاماً لقتل الإسرائيليين في 9 تشرين الثاني لأحد
أعضائها وهو إياد صوالحة الذي تعتبره "إسرائيل" مسؤولاً عن هجومين
انتحاريين قتل فيهما 31 إسرائيلياً، قتل صوالحة بعد أن اعتقلت شين
بيت شقيقته وأمه ومن خلال التعذيب حصلت على معلومات تتعلق بمكان
تواجده.
وفي 21 تشرين
الثاني ركب فلسطيني ينتمي إلى حماس حافلة في كيريات ميناشيم قرب
القدس وفجر قنبلة ليقتل 11 إسرائيلياً ويجرح العشرات وعند كتابة هذه
الأسطر وصلت أنباء عن مقتل 21 إسرائيلياً وجرح مئة في الليلة الماضية
(5 كانون الثاني 2003) في تفجير مزدوج في تل أبيب لينهيا ستة أسابيع
من الهدوء في الهجمات الفلسطينية في "إسرائيل" وهكذا قتل 300
إسرائيلي وجرح قرابة خمسة آلاف على يد المقاومة منذ بداية انتفاضة
الأقصى.
تضرر الاقتصاد الإسرائيلي
إن الأضرار
التي لحقت بالاقتصاد الفلسطيني والصعوبات المفروضة على الشعب من قبل
نظام الاحتلال الاستيطاني، موثقة جيداً ومذكورة على هذه الصفحات ولكن
ليس معروفاً بالدرجة نفسها الضرر الذي لحق بالاقتصاد الإسرائيلي بسبب
مركب الأزمة الرأسمالية العالمية وأعمال المقاومة الذي يفرض على
الإسرائيليين إدراك الثمن الاقتصادي الذي ينبغي عليهم دفعه عن القمع
والاستعباد المتواصل لشعب آخر وفيما يلي بعض الحقائق التي توضح
الآثار المدمرة للانتفاضة على الاقتصاد الإسرائيلي.
تدفقت
الاستثمارات الأجنبية إلى "إسرائيل" طوال التسعينيات من القرن
الماضي، وخصوصاً بعد توقيع اتفاق أوسلو وقد تدفقت هذه الاستثمارات
بشكل خاص إلى قطاع التكنولوجيا المتقدمة الذي توجد "إسرائيل" في موقع
جيد لتطويره، ليس بسبب الموهبة المحلية فقط، بل كذلك تدفق مليون
مهاجر من الاتحاد السوفييتي السابق معظمهم حسن الكفاءة ويملك البراعة
التكنولوجية، ونتيجة ذلك ازداد الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي
بمعدل خمسة بالمائة سنوياً وفي تلك الأعوام تجاوز الناتج المحلي
الإجمالي للفرد نظيره في إسبانيا والبرتغال واليونان ولكن الناتج
المحلي الإجمالي الإسرائيلي تقلص بين عامي 2000 و2002 بنسبة ستة
بالمئة وازدادت البطالة من ثمانية بالمئة في منتصف عام 2000 إلى 10.6
بالمئة، أما التضخم الذي اختفى تقريباً في التسعينيات من القرن
الماضي فيتوقع أن يصل إلى 13 بالمئة تقريباً نتيجة الإنفاق المتزايد
لمعادلة الانكماش والقتال ضد الثورة الفلسطينية. وانخفض مستوى
المعيشة الإسرائيلي إلى ما كان عليه قبل سبعة أعوام ويبلغ الناتج
المحلي الإجمالي محسوباً للفرد اليوم (في نهاية عام 2002) 9.800 جنيه
استرليني ويبلغ الدين العام 103 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي،
وعجز الميزانية ثمانية بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.
بعد نجاح
قطاع التكنولوجيا المتقدمة خاصتها، قبل عامين فقط، وُصفت "إسرائيل"
بـ «وادي السيليكون»، ولكن هذا القطاع الذي يعتبر إحدى القوى المحركة
الأساسية وراء النجاح الاقتصادي الإسرائيلي الحديث، والمسؤول عن 17.5
بالمئة من إنتاج قطاع البيزنس عندها وسبعين بالمئة من صادراتها قد
انهار اليوم، وما من صناعة أخرى تحل محله.
خرّبت
المقاومة المصدر الكبير الثاني للنمو الاقتصادي: إنفاق المستهلك، إن
مراكز البلدات ومولات التسوق الحديثة التي انتشرت في طفرة التسعينيات
من القرن الماضي، تصارع من أجل البقاء في البيزنس فهي كأي مكان عام،
هدف محتمل تضربه المقاومة، فقبل عامين احتشد الإسرائيليون في المطاعم
والبارات والأندية ومراكز التسوق، أما اليوم فتبدو هذه الأماكن شبحاً
لتلك، بسبب خوف الناس من زيارتها وتقلص النمو المدفوع بالاستثمار،
خلال العام الذي ينتهي في الربع الثاني من سنة 2002 بنسبة 75 بالمئة،
أما السياحة التي اعتمدت "إسرائيل عليها" كثيراً لأسباب اقتصادية
ودعائية فقد انحدرت بنسبة ستين بالمائة في عام 2002 وحده. وتستنتج
مقالة في «فايننشال تايمز» استقينا منها الكثير من الأرقام المذكورة
أعلاه: «يفوق الانكماش في "إسرائيل" والأراضي الفلسطينية تفاقم رعب
العنف، جاعلاً حياة الناس العاديين أكثر بؤساً ، قتل أكثر من 2.500
إنسان مع دخول الانتفاضة عامها الثالث، ولكن اقتصاد "إسرائيل"
والأراضي الفلسطينية نوع آخر من الضحية. لاشيء أقدس من الحياة ولكن
لا يجوز إغفال العواقب البشرية للنزاع الاقتصادي».(«الألم الاقتصادي
لأزمة إسرائيل»، الكسندر غرينباوم ودافي برنشتاين). في ضوء ما سبق لا
يصعب قبول ملاحظة ماركس العميقة بأن الشعب الذي يقمع شعباً آخر لا
يمكن أن يكون حراً.
انتخابات 28 كانون الثاني لن تحل شيئاً
لن تحل
الانتخابات الإسرائيلية في 28 كانون الثاني بغض النظر عمن سيفوز فيها
(كتبت هذه المقالة قبل الانتخابات لأن مجلة «لالكار» تصدر كل
شهرين... المترجم) ما لم يقبل الحكام الصهاينة بحق الشعب الفلسطيني
في تقرير المصير ودولته المستقلة، ولا يبدو أن أياً من الحزبين
الرئيسيين يرغب قبول ذلك لقد أدار شارون ظهره للاتفاق مع الفلسطينيين
فقد أعلن صراحة أنه « لا توجد أوسلو لا توجد كامب ديفيد لا توجد طابا
لن نعود إلى تلك الأماكن» وأصر بعد ذلك على أن «ما من مستوطنات ستفكك
وحتى الشريرة بينها» ويقول رئيس أركان جيشه المعين حديثاً موشي
يعالون إن السلطة الفلسطينية «سرطان خبيث ينبغي استئصاله» مضيفاً أن
الانتفاضة الفلسطينية مثلت «تهديداً وجودياً» وينبغي إخمادها قبل أن
يتمكن الطرفان من التفاوض، أما زعيم حزب العمال الجديد عمران
ميتسناع- رئيس بلدية حيفا والجندي السابق- فقد عامل الفلسطينيين
معاملة قاسية للغاية عندما كان قائداً عسكرياً خلال الانتفاضة
الأولى، ويقول الآن: إنه يؤيد مفاوضات مع الفلسطينيين على أساس
اقتراحات الحل في كانون الثاني 2001 التي حاولت إدارة كلينتون فرضها
على ياسر عرفات وبما أن هذه الاقتراحات لم تكن مقبولة للفلسطينيين لا
يوجد إذن مبرر كبير للاعتقاد بأنها ستكون مقبولة الآن بعد التضحيات
الهائلة في الانتفاضة الثانية فضلاً عن ذلك تصعب الثقة بالعمل نظراً
لسجله، لا يجوز أبداً نسيان أن التوسع الأكبر للمستوطنات غير الشرعية
جرى في ظل العمل، «درجة من الاستيطان تحول قريباً دون قيام الدولة
الفلسطينية» (فايننشال تايمز 31 تشرين الأول 2002).
المقاومة الفلسطينية أو حرب بلا نهاية
الجمهور
الإسرائيلي فصامي بشأن موقفه تجاه الفلسطينيين وحقوقهم الوطنية
والفصام هذا ناتج عن الظروف نفسها التي نشأت فيها "إسرائيل" وتعين
عليها التواجد فيها يقول المثل القديم: إن اللص يتجنب مكان جريمته
ولكن من الصعب على الإسرائيليين تجنب مكان جريمتهم، لأنه حيث يعيشون
ولذلك قد يحبون كثيراً تجنب ضحاياهم وهذا شيء لم يكونوا قادرين على
تحقيقه ولن يكونوا أبداً قادرين على ذلك ومن هنا كانت الطريقة
المتناقضة ذاتياً التي يعبرون بها عن أنفسهم في بعض أهم القضايا التي
تواجه المجتمع الإسرائيلي.
تظهر
استطلاعات الرأي المتعاقبة أن أغلبية الإسرائيليين تريد السلم مع
الفلسطينيين، ولكنها تريد سحقهم في الوقت ذاته يؤيدون خلق دولة
فلسطينية مستقلة ولكنهم يريدون في الوقت نفسه الحفاظ على السيطرة على
الأراضي المحتلة إنهم يمتعضون من استمرار وجود المستوطنات كعقبة
رئيسية للسلم، في حين يدعمون شارون -المؤيد الأكثر حماسة للمستوطنات
واستعمار بقية الأراضي الفلسطينية- باعتباره حارس أمنهم لم يعد
باستطاعتهم الحفاظ على كعكتهم وأكلها في الوقت ذاته لقد حرمتهم
مقاومة الانتفاضة الفلسطينية البطولية من تلك الإمكانية سواء كانت
هناك انتخابات أم لا، سواء انتصر شارون وليكود أو عمل ميتسناع، فإن
السكان الإسرائيليين يواجهون الخيار التالي: إما قبول الحقوق الوطنية
الفلسطينية والعيش في سلم وأمن، أو الاستمرار في سياسة الحرب
والاستعمار الحالية والاستعداد لحرب تدمير متبادل بلا نهاية ومن
المؤكد أن السياسة الإسرائيلية ستفشل في النهاية لقد أخفقت في لبنان،
وأخفقت خلال الانتفاضة الأولى، وستفشل الآن وكلما أسرع الإسرائيليون
في إدراك ذلك كان هذا أفضل لهم، أما إذا أخفقوا في ذلك فإن ضربات
مطرقة المقاومة، التي لن تعطي الراحة ولا السلم والأمن لـ"إسرائيل"
ستدخل هذه الحقيقة البسيطة حتى في الجماجم الأكثر بلادة.
|