الشاباك بين الأشلاء
بقلم / كارمي غيلون (رئيس الشاباك السابق)
فصل 13 (189 - 216)
إرهاب أمام المفاوضات "4"
الخليل- ترجمة
خاصة :
في هذا
الجزء (من ص 208 إلى ص 216) من الفصل الثالث عشر من كتابه (الشاباك
بين الأشلاء) يتحدّث "كارمي غيلون" رئيس الشاباك السابق ، عن
الفروقات في المفاوضات بين الفلسطينيين و الأردن و طبيعة هذه
الفروقات و تعامل الكيان الصهيوني معها .
ثم يتحدّث عن
الانسحاب من الخليل ، و دور الشاباك السري في المفاوضات في طابا و
التدقيق الصهيوني على أدق التفاصيل في المفاوضات ، و دور يوسي جنوسر
المستشار العسكري لرئيس الوزراء الصهيوني السابق في المفاوضات و
اتصالاته الشخصية بعرفات و زيارة منزله كمبعوث من قبل رابين .
الفرق في المفاوضات :
هناك فرق بين
المفاوضات مع الفلسطينيين و بين المفاوضات مع الأردن ، علينا أن
نقارِن و نفرّق بين محاولة إقناع زوجين متنازعين ، و بين مفاوضات على
حلّ بين جارين متنازعين ، فالجاران يعرفان أنه في نهاية المفاوضات
سيذهب كلّ واحدٍ إلى بيته و ربما يرى جاره مرة أو مرتين في اليوم و
من بعيد و في المقابل فإن الزوجين عليهما العيش معاً معظم الوقت و
الاتفاق على تفاصيل دقيقة متعلّقة في إدارة البيت حتى أنهم يتبادلون
الفراش . و هنا أصبح من المعلوم أن حلّ هذا النزاع بينهما سيكون
صعباً و معقّداً أكثر من حلّ النزاع بين الجيران .
فخلال المفاوضات
مع الأردن لم يكن هناك حلّ لمشاكل حول الواقع اليومي المشترك أو
مشاكل سياسية و أمنية حيث لم يكن لها أيضاً تأثير مباشر على حياة و
أمن مواطني تلك الدولتين .
في المفاوضات مع
الفلسطينيين كانت هناك وقائع يومية حيث شكّلت قلب المفاوضات ، و من
خلال هذه المفاوضات كان واضحاً أن (إسرائيل) ستواصل مسؤوليتها
الأمنية للمستوطنين في منطقة الضفة الغربية و قطاع غزة ، و هذا
الواقع جاء بعد تدخّلٍ مكثّف من قبل رجال الجيش (الإسرائيلي) ، و
لذلك و مع كل الاحترام إلى العمل السياسي الذي قام به "أوري سافير" و
"يوئال زنيغر" و من جانبنا و أبو علاء من الجانب الفلسطيني الذين
وضعوا هيكل الاتفاق و شارك فيه الجيش و الشاباك و إيهود باراك و
أمنون ليفيكن شاحق و قائد الأركان شاؤول موفاز إيلان بيران و عوزي
ديان و يعقوب بيري ، و أنا بصفتي رئيساً للشاباك و رؤساء الأقسام في
الشاباك من بينهم إسرائيل حسون و آفي ديختر .
مباحثات مكثّفة مع الفلسطينيين :
لقد كانت
المباحثات خلال المفاوضات مع الفلسطينيين مكثّفة ، فقد مرّت فترات
كانت تكون فيها المباحثات كل مساء ، و قد اشترك في هذه المفاوضات
رابين و بيرس و أعضاء الحكومة المصغّرة و التي شملت دافيد ليفي ،
موشي شاحل ، و إيهود باراك بعد تعيينه وزيراً و يوسي سريد و موظفين
كبار في مكتب رئيس الحكومة و الأمن و الخارجية و العدل و مدير
المالية و ضباط و رجال الشاباك الكبار و في نفس الفترة ، فقد كان
رابين و بيرس الرجلين الأكثر احتراماً في الدولة و أكثر من أيّ شخصٍ
آخر و كما يقولون فقد كانوا يلعبون دوراً في كل "الأفلام" فلديهم
خبرة مائة سنة ، فخبراتهم كانت تتمثّل في رئاسة الوزراء و وزارة
الدفاع و الخارجية و المالية و رئاسة الأركان و سفير (إسرائيل) في
واشنطن و عشرات الوظائف الأخرى ، فرابين كان قائداً للأركان عندما
انتصرت (إسرائيل) في حرب الأيام الستة و هو الذي قام بتطوير العلاقة
مع الولايات المتحدة الأمريكية ، و كان بيرس مهندس العلاقة الخاصة مع
فرنسا و هو الذي أنشأ المفاعل النووي في ديمونة ؛ فكلاهما قد عرفا و
عملا مع بن جريون و ليفي أشكول و جولدى مئير و موشي ديان .
أذكر نقاشاً
كهذا في مكتب رئيس الحكومة في القدس ، في موضوع الانسحاب و إعادة
الانتشار من جديد لجيش الدفاع (الإسرائيلي) في الخليل ، إيتان هيفر
كان رئيس مكتب رابين ، قال لي مرة إن هذا النقاش كان جيداً جداً ، و
الذي خرج بانطباعات مرضية ، النقاش استمر خلال ساعات الليل اشترك فيه
رابين ، بيرس و شاحل و سريد و وزير الداخلية باراك و رئيس هيئة
الأركان ليفكن شاحل و رئيس شعبة الاستخبارات الميجر موشيه بوجي يعلون
، و الميجر قائد منطقة الوسط إيلان بيران و سكرتير مكتب الخارجية
أوري سيفر ، و المستشار القضائي لمكتب الخارجية يوال زنجر ، و أنا
كرئيس المخابرات العامة و كذلك عدة أشخاص .
رجال جهاز
المخابرات عارضوا إعادة الانتشار لقوات جيش الدفاع من الخليل ، و قال
إنه من المستحيل التنازل عن السيطرة العسكرية في مدينة الخليل و بسبب
هذا سوف يشكّل خطراً على المستوطنين هناك .
إعادة الانتشار في الخليل :
و خلافاً لذلك
فإن السياسيين قد قالوا لقد التزمنا بذلك في الاتفاقيات و إنا لا
نستطيع خرق هذه الاتفاقات و الالتزامات .. و عرضوا علينا طريقاً
أمنية نستطيع من خلالها القيام بواجبنا .
حاولنا على سبيل
المثال اقتراح مناطق من بلدة يطا القريبة للخليل كبدائل لمناطق أخرى
، و بدأنا نعمل على الخريطة و نفحص أيّ زقاقٍ في الخليل يمكن أن
يسلّم إلى السيادة أو السيطرة الفلسطينية ، دون أن يشكّل الزقاق
خطراً على المستوطنين .
إن النقاش كان
تفصيلياً إلى حدّ كبير ، حتى وصل الأمر أنني كنت بين الفترة و الأخرى
أخرج من الغرفة و أتصل برئيس لواء القدس إذا كان هناك داعي لتدخّل
المخابرات العامة في قضاء الخليل من أجل أن يصف لي البيت الثالث من
الجانب الأيمن من الزقاق ، المقرّر أن ينتقل إلى السيادة أو السيطرة
الفلسطينية .
كلّ المشتركين
في النقاش تحدّثوا و أعربوا عن وجهة نظرهم بالتفصيل دون إزعاج و
جميعهم كانوا في انتباه كبير ، و عندها و بعد أن تحدّث الجميع طلب
رابين من كل الحاضرين عدا الوزراء أن يغادروا الغرفة ، و من أجل أن
يبقى الوزراء لوحدهم خرجت إلى الممر و خمسة وزراء بقوا في الغرفة ،
عرفنا أنهم يتجادلون و يتحدّثون و عندها كالعادة في نهاية المطاف
يدخل رابين و بيرس لوحدهم إلى غرفة العمل الخاصة برئيس الحكومة
القريبة لغرفة الجلسات و هناك سوف يأخذون القرار وجهاً لوجه .
و بصفتي قارئ
صحف من الدرجة الأولى عرفت أو اعتقدت أن العلاقات بين رابين و بيرس
غير جيّدة ، حيث كان بينهم ترسّبات من الماضي لكن دائماً كان انطباعي
و انفعالي عندما كنت أشاهد هذه الشخصيات و بعد أن سمعوا بصبر جميعنا
و عرفوا التفاصيل و فكّروا و أمعنوا النظر و انفردوا لوحدهم حيث
أغلقوا الباب عليهم مع هذا توصلوا إلى قرار .
كان هذا زوجاً
مرحاً صاحب رؤية استراتيجية سياسية بعيدة المدى متشعّبة باعتراف
الواقع لتفاصيلها ، زوج شجاع في قراراته و شجاع في استعداده و
لمواجهة التطورات السياسية ، الجدل و النقاش ممكن و لكن لحظة القرار
كانت هناك جاهزية لكن كلّ واحدٍ من الحضور في النقاش عرف أن عملية
أخذ القرارات كان صحيحاً ، و أخذ بعين الاعتبار كل الضرورات و
الوقائع التي أدّت إلى أخذ قرار .
و بعد عدة دقائق
انتهت المشاورات بين رابين و بيرس و عادوا إلى غرفة النقاشات و
تحدثوا مع الوزراء . و عندها نادوا علينا أن نعود إلى الغرفة و
أعلنوا لنا : حيث اتخذ القرار و سيكون إعادة انتشار من جديد لقوات
جيش الدفاع (الإسرائيلي) في الخليل .
و على ضوء ذلك
فقد كان رجال جهاز الأمن في حالة خيبة أمل و إحباط ، فخلال ساعات من
شرحنا لهم عن سبب معارضتنا لإعادة الانتشار ، و لكن لم يكن الأمر
كذلك فقد عرفنا أنهم أصغوا لكلّ كلمة قلناها ، و تعاملوا معنا برغبة
كبيرة و درسوا كلّ الاعتبارات ، و توصّلوا إلى قرارٍ نابع من رأيهم و
تجاربهم هي الصحيحة ، و كما عرفنا أن القرار هذا لم يؤخَذ على
اعتبارات شعبية لحظية إنما على اعتبارات أمنية مطلقة ، و أن هذا
القرار الصحيح من ناحية المصلحة لدولة (إسرائيل) على مدى طويل .
في نهاية المطاف
نفس القرارات أخذت لكن لم تنفّذ ، رابين اغتيل ، بيرس قرّر أن يؤجّل
تنفيذ إعادة الانتشار و نتنياهو طلب من الفلسطينيين أن تفتح
الاتفاقات ، إعادة الانتشار الجديدة لجيش الدفاع (الإسرائيلي) في
الخليل نفّذت بعد أكثر من سنة من اتخاذ القرار الأول تحت ضغط أحداث
النفق .
كما هو معروف
فإن رابين و بيرس قد أشغلوا رجال جهاز الأمن لحلّ الأزمات مع
الفلسطينيين عندما مسّت هذه الأزمات الأطراف الأمنية من المفاوضات .
مفاوضات طابا و مشاركة الشاباك :
في سبتمبر 1995
جرت المفاوضات مع الفلسطينيين في طابا عندما كان بيرس يقف على رأس
الحكومة (الإسرائيلية) . انفجر جدلٌ حادٌّ بيننا و بين الفلسطينيين
في موضوع إعادة الانتشار من جديد لقوات جيش الدفاع (الإسرائيلي) في
الضفة و في موضوع قائمة المطلوبين بينهم يحيى عياش و محمود أبو هنود
و نقلت الأسماء إلى عرفات بطلب أن يتم اعتقالهم .
بيرس و عرفات
أخذا يناقشان هذه المواضيع في طابا و رابين حدّد أن إيلان بيرم جنرال
منطقة الوسط ، و أنّا ننضم إلى الوفد و نشترك في هذه المفاوضات لكن
مشاركتنا تكون سرية . في نهاية يوم السبت خرجت طائرة الوفد من المطار
العسكري بن جريون إلى إيلات .
بيران و أنا
لبسنا بدلات و ربطات في مكاتب المخابرات العامة في المطار ، انتظرنا
و عندما امتلأت الطائرة برجال الوفد و الصحافيين و أغلقت أبواب
الطائرة ، أدخلونا إلى كابينة القبطان "غرفة القيادة" ..عندما وصلنا
إلى مدينة إيلات انتظرنا حتى نزل الجميع و سافروا إلى فندق الأميرة
حيث نقطة الالتقاء للوفد (الإسرائيلي) .
و بعد أن دخلوا
جميعهم إلى السيارات دخلنا الاثنان إلى سيارة كانت في انتظارنا و
سافرنا مباشرة إلى فندق هيلتون في طابا , و هناك جرت المحادثات ،
نجحنا بالدخول إلى غرفة النقاش من دون أن يرانا الصحافيون أو يلحظونا
، اشتركنا في المحادثات طيلة الليلة و قبل الصباح خرجنا سراً ثانية
دون أن يرانا الصحافيون أو يلحظونا ، و عدنا بالطائرة إلى مطار
غوريون .
مفاوضات في إيرز :
كانت هناك
مقابلات أخرى أخذت طابعاً سياسياً مع عرفات و أقيمت في حاجز إيرز
اشتركت في قسمٍ منها حيث كان حضوري سرياً . يجب أن نذكر أنه في نفس
الفترة لم يكن اسم رئيس المخابرات العامة معلناً على الرغم من معرفة
بعض الصحافيين و ليس جميعهم ، فقد عملنا ترتيبات من أجل ألا يكتشف
حضوري في الجلسات .
و تطرّقت لمشكلة
العلاقات مع (إسرائيل) و الفلسطينيين مقابل علاقات (إسرائيل) مع
الأردن ، بسبب القرب و الاحتكاك اليومي و برزت هناك مشاكل إضافية .
بداية فإن
العلاقات مع الفلسطينيين كانت مختلفة في وجهات النظر حيث لم يكن هناك
إجماع وطني في موضوع اتفاق أوسلو و في موضوع الاعتراف بمنظمة التحرير
الفلسطينية و بالكيان الوطني الفلسطيني , رابين كان يعلم ذلك جيداً ،
و أيضاً لم يكن لديه شكّ بصحة الطريق التي اتخذها و شرعيتها ، عمل
كلّ ما بوسعه من جهود من أجل تعزيز الائتلاف في الكنيست (البرلمان) .
ثانياً .. كانت
المشكلة الشخصية عندما بدأ رابين سلسلة علاقات مع عرفات ، حيث شكّك
في كلّ كلمة و في كلّ خطوة و أنا أعتقد أن نفس الشعور كان لدى عرفات
في علاقته مع رابين .
عندما كنا نأتي
إلى رابين و نخبره أن الفلسطينيين يطلبون منا إرجاع حاجزٍ 200 متر
غرباً و شرقاً ، كان يطلب منا معرفة كلّ التفاصيل ، و أيضاً كان
مستعداً بأن يتصل بنائب قائد الحاجز من أجل أن يحقّق بذلك شخصياً قبل
أن يقرّر هل يجب ذلك أم لا ...
و ي المقابل
فإنه لم يكن هناك بين رابين و بن الملك حسين أ شكوك بل على العكس
كانوا يقدّرون بعضهم البعض و لاوة على ذلك كان هناك إجماعٍ وطني
كامل فيما يتعلّق بالتطلّع للتوقيع على اتفاق سلام رسمي مع الأردن .
و لم يكونوا متورّطين في مواضيع سياسية حساسة رابين و لحسين عرفوا
بعضهم البعض منذ الحقبة الأولى لرابين كرئيس حكومة .
خلال هذه
السنوات عاشوا في خزانة و أملوا الخروج منها ، يعني أنهم تطلّعوا إلى
ممارسة العلاقات بصورة رسمية أمام العالم جميعه ، لذلك عندما كنا
نأتي إلى رابين و نتحدّث له أنه يوجد مشاكل في المفاوضات مع الأردن
على مناطق حدودية هنا أو هناك ، أو شيء من هذا القبيل ، رابين كان
يبدأ بحركاته المعروفة و في نهاية المطاف و كان يظهر و يقول توقّفوا
على تشويش العقل : "نحن لا نريد اتفاقاً ! أوجدوا حلاً !" ...
بناء علاقات
الثقة هذه مع الأردن كان هناك منصب مهم لإفرايم هليفي ، و اليوم هو
رئيس الموساد . في إطار المفاوضات السرية سافرت مرتين إلى الأردن و
مرة إلى طابا و مرة إلى عمان برفقة شبتاي شبيط الذي كان رئيس الموساد
و مع أفرايم الذي كان نائب لرئيس الموساد .
اكتساب ثقة ملك الأردن و دور جنوسر :
سهل جداً اكتشاف
ثقة الأردنيين تجاهه و على رأسهم الملك ، حيث كان بين الملك حسين و
بين أفرايم هليفي علاقة و رابين منحه الثقة في كل علاقات الجانبين
(إسرائيل) و الأردن ، تقريباً لا يوجد بديل لهذا الشخص الذي كان ينجح
في عمل نسيج صحيح بين الزعماء من كلا الطرفين ، لحسن الحظ فقد وجد
شخص كذلك في العلاقات بين (إسرائيل) و الفلسطينيين ، و هو يوسي جنوسر
حيث كانت له علاقات مع عرفات , و رابين استخدمه في مراسلات عرفات
كسفيرٍ غير رسمي و حظي بثقة كاملة من كلا الطرفين و عرفات عرف جيداً
أنه عندما يأتي إليه يوسي فإنه مرسل من إسحق رابين . مراسلات يوسي
كانت سرية لأشهرٍ كثيرة ، و هذا أمر نادر إلى درجة كبيرة في دولتنا
تقريباً حيث يتم تسريب كلّ شيء ، نجحنا في الحفاظ على السر بسبب أن
عدد المشاركين به كان صغيراً جداً .
في المقابلة
الأولى من هذا النوع عرف فقط ثلاثة رابين ، يوسي جونسر و أنا ، و من
اللقاء الثاني و لاحقاً كان شريكاً في السر داني ياتوم ، الذي كان
حينها السكرتير العسكري لرابين ، يوسي كان رئيس شركة عميدار ، و
لاحقاً عيّن مستشاراً لرئيس الحكومة لموضوع الأسرى و المفقودين ، و
هذا المنصب مكّنه من الظهور مرات عند رابين دون أن يشكّ فيه أحد حيث
كان يعمل في منصب مختلف جداً .
جلسات التزويد
بالمعلومات للمهمة الملقاة علينا كانت تقام في مكتب وزير الدفاع في
تل أبيب بحضور أربعتنا و على الغالب كانت تقام في ساعات ما بعد الظهر
، و بسرعة من ذلك كان يوسي يسافر إلى غزة بسيارته ، يتقابل مع عرفات
و يعود في نفس الليلة ليوافي رابين بآخر التطورات .
عرف جنوسر بصورة
عميقة جداً كلّ المواضيع المتعقلة بالمفاوضات مع الفلسطينيين ، و
علاوة على خلق العلاقات التي قام بها كان لديه قابلية كبيرة في خلق
ثقة بين رابين و عرفات .
و عندما جاء
نتنياهو إلى الحكم حاول أن يمارس بصورة مشابهة صداقته و قرابته من
المحامي المقدسي يتسحاق مولخو، لا يوجد لديّ شك أن نتنياهو فهم
القيمة الكبيرة الكامنة في رسولٍ شخصيّ أمين و موثوق .
و توجّهه في
تعيين ملخو كان جيداً ، مع ذلك مولخو لم ينجح في تحقيق نفس النتائج
التي حقّقها يوسي جنوسر ، لا أقول ذلك بسبب انتقادات على ملخو أو
مرسله ، إنما تحديد حقيقة فعالة ، و من منطلق المسؤولية عندما فتح
أزمة المحادثات التي سبقت تحقيق اتفاق شرم الشيخ ، بين (إسرائيل) و
الفلسطينيين ، طلب يهود باراك من يوسي أن يعود إلى عمله .
كان لإرسال
جنوسر من وجهة نظري أهمية بالغة بسبب أعماله السابقة فلا بديل
لسياسيّ هادئٍ سري ، فهناك أشياء لا يمكن طرحها أمام الملأ و أمام
أناسٍ آخرين و عندما يوجد إلى جواره مساعدوه المخلصون جداً يتلفّظ
بصورة مغايرة و يقرّر بصورة مغايرة ، عندما يكون لوحده بدون وجود
المساعدين ، رابين لم يكن يستطيع السفر إلى بيت عرفات الشخصي في غزة
، و عرفات لم يكن يستطع المجيء إلى سكن الحكومة في القدس . فيوسي كان
الأداة و الوسيلة التي سمحت للزعيمين أن يتحدّثا بينهما كأنهما
وحدهما وجهاً لوجه .
مشاركة في الدور الأمني :
لقد انضممت لعدة
لقاءات مع يوسي و عرفات في مدينة غزة ، كان هذا فقط في الموضوع
الأمني الخالص ، فلا رابين و لا بيرس استخدماني مرة من أجل نقل رسائل
سياسية أو اقتصادية ، منصبي كان واحداً و وحيداً و هو الضغط على
الفلسطينيين من أجل تنفيذ التزاماتهم في المجال الأمني و تفصيل
مطالبنا و شرحها لهم و باستثناء اللقاء الذي تم في تل أبيب الجانب
السياسي الفلسطيني الذي حضره أبو مازن و أبو علاء و عريقات .
أنا و جنوسر كنا
نصل إلى محسوم إيرز في سيارة جنوسر دون وجود ألواح على ظهر السيارة و
دون أي يلاحظنا أي شخصٍ في محسوم إيرز و كنا كمواطنين غير معروفين في
حوزتهما تصريح عبور إلى مناطق الحكم الذاتي , و انضم إلينا أيضاً مرة
أو مرتين آفي دختر رئيس منطقة الجنوب و غزة في الشاباك ، كنا نوقف
السيارة في الجانب (الإسرائيلي و ندخل المحسوم من الجانب الثاني ، و
كان ينتظرنا محمد دحلان و رئيس جهاز الأمن الوقائي الفلسطيني في غزة
و حارس عرفات الشخصي و كنا ندخل إلى سيارة دحلان و نسافر إلى غزة .
لقاءات في منزل عرفات :
و هذه اللقاءات
تمت في بيتٍ يسكن فيه ياسر عرفات و كان بيتاً متواضعاً لكن في حيّ
الرمال و منزله يعتبر زهرة غزة و الذي تم استئجاره من أحد أغنياء غزة
، و بصورة عامة فإن عرفات رجل قنوع جداً لكن الإشاعات تقول إنه أصبح
غنياً جداً خلال منصبه قائداً لفتح و رئيس منظمة التحرير الفلسطينية
لكن أسلوب حياته تقريباً رياضي ، هو يسكن مع حراسه و كنا نصل إلى
بيته و هو يتمازح مع حراسه أحياناً و هم يتبادلون النكات و في
النهاية يدخلون إلى ديوان عرفات .
جزء من
المقابلات كانت مع عرفات لوحده و أخرى كانت بحضور مسؤولين من أجهزة
الأمن للسلطة الفلسطينية مثل دحلان ، أمين الهندي و الجنرال ناصر
يوسف قائد قوات الشرطة للسلطة الفلسطينية ، كنا نناقش في مواضيع
أمنية و دائماً كان عرفات و جنوسر يدخلان لوحدهما إلى غرفة نوم عرفات
، و هناك كانوا يتبادلون الرسائل السياسية الشخصية السرية جداً التي
كان يطلبها رابين أن تصل إلى عرفات من يوسي أو يوصله إلى رابين . و
متأخراً جداً عندما اكتشفت وساطة جنوسر ، تعرّضت لانتقادات و جزء
منها بسبب أنه لم يكن موظّف دولة من الطراز الأول في نفس الوقت .
هذا مخالف
لطبيعة الإدارة الصحيحة ، انتقادات أخرى لكونه رجل أعمال عقد صفقات
مع عناصر فلسطينية ، للعلم ليس بعيداً ، فتحت انتقادات على باراك
بسبب الرغبة لديه في تعيين المحامي جلعاد وزيراً ممثّله في المفاوضات
مع الفلسطينين ، و المستشار القضائي للحكومة أعلن أنه يلغي التعيين
بسبب أنه معارض لقواعد الإدارة في الحكم الصحيح ، و بعد مرور الوقت
عاد جنوسر كرسولٍ مخلص بين باراك و عرفات .
حسب رأيي
الانتقادات من هذا النوع تخطئ هدفها ، فإذا ما كان رئيس الحكومة قد
أعطى ثقة في شخصٍ معين و أراد له أن يكون ممثلاً في المفاوضات حساسة
فعلينا أن نبذلَ كل جهد من أجل تمكينه من ذلك ، فإن لذلك فائدة كبيرة
، و ذلك بسبب معرفة الطرف الثاني لمستوى الثقة التي يوليها رئيس
الحكومة لمندوبيه في المفاوضات لذلك فإن المندوب الذي يتمتّع بثقة
رئيس الحكومة أمل كبير في الحصول على ثقة و تقدير من الطرف الآخر و
بذلك التقدّم للوصل بصورة أسرع و فائدة أكبر في المفاوضات ، و مندوب
كهذا أمامه فرصة أكبر في حلّ نقاط الخلاف و ننقذ الأمور الحساسة
المتميزة في المفاوضات .
و حول عمل جنوسر
مع الفلسطينيين فهو لم يتعارَض معهم في شيء ، و عندما تم تعيينه
مستشاراً لرئيس الحكومة لشؤون الأسرى و المفقودين ، كان دائماً يهتم
في حصوله على توجيهات رسمية حول المسموح له و الممنوع من وجهة النظر
الاجتماعية الشاملة الاستراتيجية فليس هناك عندي أدنى شك أن الحل
السياسي هو الحل الوحيد لكلا (الشعبين) اليهودي و الفلسطيني و اللذين
يسكنان على قطعة أرض واحدة ، و مع الأسف فإن ما يزعجني القول إننا
بعيدين عن سماع ضجيج صوت جناحي حمامة السلام ، فالجيل الحاضر من كلا
الطرفين مشحون بالانفعالات التي تصل حدّ الكراهية في كلا الطرفين ، و
التي تحول دون تغيير (إسرائيل) من سلطتها في مناطق الضفة الغربية و
قطاع غزة من جانب و من جانب آخر (الإرهاب) الذي يضرب في شوارع
(إسرائيل) .
من غير الممكن
بناء ثقة متبادلة دون الحديث عن الحياة المشتركة و المعاناة لكلا
الطرفين ، و هذا يتطلب عملاً صعباً و شاقاً ، و ربما تواكبها عمليات
(إرهابية) و عقوبات اقتصادية بين الطرفين و هذه الأمور ستشوّش عملية
السلام التي بدأت 1993 في أوسلو ، و على الرغم من أن كلا الطرفين
يعلم أنه لن تنجح في القضاء على الطرف الآخر فلذلك ليس لنا مفرّ من
العمل بجدية لبناء علاقة تعايش لبناء السلام ، و هو الهدف الذي أعمل
أنا من أجله اليوم في مركز "بيرس للسلام"... |