عورة عصرنا
خيري منصور
صحيفة
الخليج الإماراتية 23/9/2004
يخطئ من يظن
أن صبرا وشاتيلا مجزرة وقعت في يوم واحد، ولها ذكرى سنوية عمرها أربع
وعشرون ساعة فقط، لأن تلك المجزرة، هي بالفعل فضيحة عصرنا، وما من
إنسان في أقصى الأرض ينجو من حصته من تلك الجريمة، لأن الصمت مشاركة،
واللامبالاة حمولة أخرى تضاف إلى ما تنوء به أمَّة، أوشكت أن تفقد
الشدة، وتصبح "أمَة" في زمن سحب منه العصب، وتحولت المفاهيم الكبرى
التي أحاطها الدم بهالة من القداسة إلى "همهمة"، وضجيج مبهم غير
مفهوم.
صبرا
وشاتيلا، كثافة تاريخ، تقطر زبده المرّ في حلوقنا، وتلك المجزرة فاضت
عن يومها، وعن حدود القبر الجماعي، لهذا لم يستطع أهم شعراء زماننا
الصمت، فكتب الفرنسي (غلفلك) ما يشعر العربي بالحرج، ولم تبق لغة في
العالم لم تستضف ما كتبه جان جينيه في "الأسير العاشق"، عندما كان
هذا الفرنسي، كما يقول، يقاتل "إسرائيل" والذباب فيما كانت القذائف
تنشر عظام الموتى، قبل موعد القيامة.
أما اليوناني
ريتسوس، فقد ركض على الساحل الغربي للبحر المتوسط، الذي أصبح متطرفاً
بعدد غرقاه، وما امتزج به من دم على الساحل الشرقي، وهو يقول "عندما
ينكرها حتى الأبناء سأناديها بملء فمي، وبيونانية فصحى: فلسطين، أنت
أمي!".
ولو شئنا
الاستطراد لسرد أسماء من كتبوا عن صبرا وشاتيلا بمختلف اللغات، فلن
نتوقف لأن القائمة لم تقعد بعد، ولأن الحدث كان جسيماً بكل المقاييس،
فاللحم البشري مضغوط بأكياس الورق، والثواكل يتعرفن إلى الأبناء من
خلال إصبع هنا، أو قدم هناك، والليل كان أطول من نهارات السنة كلها،
لأن عام الاجتياح دشن احتلال أول عاصمة عربية بعد القدس، وافتضح
سباتاً قومياً، امتد إلى قرون.
ومن حولوا
الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول عام 2001 إلى فاصل تاريخي بامتياز، بحيث
ينافس يوم ميلاد السيد المسيح ويشطر التاريخ إلى ما قبل وما بعد..
تناسوا، بل تجاهلوا ذلك النهار الذي شطر فيه التاريخ بالفعل إلى ما
قبل صبرا وشاتيلا وما بعدها.
وما قبل
اجتياح بيروت وما بعده، وما قبل تهجير الفلسطينيين مرة أخرى إلى حيث
لا يعد المستقبل بأي فتح.
عقدان ونيف
من الزمان مجرد دقائق بمقياس آخر يتجاوز قدرة عقارب الساعات
والأجندات على الإحصاء، فالدم المسفوح في ذلك المخيم ما يزال نيئاً،
وإذا كان الأيتام قد كبروا عشرين عاماً وصاروا آباء، فإن الجثث التي
عجزوا عن التعرف إليها هي آباء ينزفهم كل جدار وكل شاهدة بيضاء لقبر
مجهول.
وإذا كان
العرب يتذكرون صبرا وشاتيلا بقليل من الدموع وكثير من التسامح مع
القتلة، فإن دراكولا الصهيوني الذي امتص تلك الدماء ما يزال على قيد
صهيونيته، وساديته، وإصراره على إبادة آخر جنين فلسطيني في رحم أمه.
شارون أحصى
الأعوام العشرين، بمجازر أخرى، حيث لم يمض نهار واحد، بلا شهداء
فلسطين، وبلا نسف بيوت كل ما اقترفتها جدرانها وسقوفها من الذنوب
إنها آوت فلسطين، ومرت عليها ظلال رجال ونساء وأطفال قاوموا
وسيقاومون حتى القيامة!
لا يعادل يوم
صبرا وشاتيلا في ذاكرتنا القومية النازفة، غير يوم الأرض، فهذا
اليومان أطول من الزمان كله، ولهما وحدهما تشرق الشمس إن أشرقت تحت
هذا السحاب المحتقن من زفير الاستغاثات ودخان الغربان الفولاذية التي
استباحت حتى السماء!
سيقول لنا من
تفرغوا لإحصاء الموتى وحشو سلاسل الجبال في ثقوب الإبر وحبس البحر في
زجاجات داجنة، إن صبرا وشاتيلا مجرد اسمين حركيين لمجازر لم تتوقف
منذ المستوطنة الأولى، والغزو الأول.
لكن هل تكرار
القتل يمنحه شرعية، ويحوله إلى مألوف وعادي؟
صحيح أن ما
جرى في مخيم جنين، وفي قانا ونابلس ورفح، وأخيرا في الفلوجة العراقية
ينافس ما جرى في صبرا وشاتيلا، ما دام الدم هو ذاته، ومن الفصيلة
القومية نفسها.
لكن امتياز
الدم في صبرا وشاتيلا، جاء من ذلك الدمج بين الخيانة والغزو،
فالكيمياء الناجمة عن هذا الدمج تسمم كل العناصر، وحتى الأصابع التي
تقترب من صلصالها المنقع بالدم!
في ذلك
النهار، أعني في تلك الليلة التي افترست كل ما بلغته الشمس، كان
الفلسطينيون المطاردون من منفى إلى منفى، يلتفتون كالخيول إلى جهة
الصوت النوراني المقدس، ومنهم من كان يتأمل مفتاح بيت مهجور عشش
النمل والصراصير في ثقوب أقفاله.
لكن الموعود
بالعودة لم يعد، بل قتل مرتين، لأن ما شهده وشهد عليه الفرنسي جان
جينيه، يتلخص في عبارة واحدة، هي قتل الموتى، فالقذائف نشرت الرميم
من قبور دارسة، ومن قتل قبل نصف قرن أعادوا قتله ميتاً، كي تستكمل
الدائرة السوداء محيطها بالقوس الدموي!
إن ما حدث في
صبرا وشاتيلا رغم فظاعته وافتضاحه لعصر أتخم هواؤه وماؤه بالثرثرة عن
حقوق الإنسان، هو نصف المسألة.. أما النصف الآخر فهو ببساطة كون
شارون حياً ويواصل صبرا وشاتيلا بإيقاع رتيب ومنتظم في فلسطين كلها!
|