حي الزيتون والإرهاب المنظم
د. عبدالله السويجي
صحيفة الخليج
الإماراتية 24/5/2004
قالت الإدارة
الأمريكية إن هدم البيوت الفلسطينية أمر غير مقبول، فرد عليها
الإرهابي شارون بقائمة بيوت مرشحة للهدم تزيد على 150 بيتاً.
قال فلسطيني
هدم بيته في حي الزيتون بقطاع غزة لتلفزيون فلسطين: "قال لي الضابط
الصهيوني: سأبدأ بالعد من واحد إلى عشرة، وخلال ذلك العد عليك أن
تنقل ما تريد من بيتك قبل أن نهدمه"، ترى ماذا سأنقل من بيتي خلال
العد، هل سأحمل أطفالي أم أحمل فراش بيتي أم ماذا؟" وسالت دموع الرجل
الصعبة.
الكل يسأل في
فلسطين وخارجها: ماذا ينوي الكيان الصهيوني فعله من خلال هدم البيوت؟
مراسلو
التلفزيونات العربية والأجنبية قالوا إن الجيش الصهيوني هدم بيوتاً
ومباني على مساحة تزيد على كيلومترين في حي الزيتون قبل أن ينسحب
الجنود المذعورون.
منذ أن قامت
"إسرائيل" على أرض فلسطين في عام 1949 وزعماؤها يطبقون سياستين:
سياسة الأرض المحروقة، وسياسة تدمير البيوت. والسياستان تصبان في
استراتيجية واحدة وهي تفريغ الأراضي الفلسطينية من سكانها الأصليين،
كما فعل السكان الجدد لأمريكا بالهنود الحمر، حين حرقوا بيوتهم وقضوا
على أماكن تجمعهم وثقافتهم وحياتهم.
وتقول
الأدبيات الصهيونية إن فلسطين دولة بلا شعب لشعب بلا أرض، وأوغروا
صدور العصابات التي اقتحمت دير ياسين وقتلت البشر وحرقت الشجر، بأن
الكائنات التي تسكن في هذه القرى هي كائنات نصف بشرية ونصف حيوانية،
ولذا عليهم أن يقتلوا بلا رحمة أو رأفة. وكانت سياسة المذابح للبشر
والأرض هي السياسة التي اتبعتها العصابات اليهودية والصهيونية قبل
العام 1949، وكان نتيجتها تهجير القرى والمدن الفلسطينية ومصادرة
أراضي سكانها والاستيلاء عليها واستغلالها.
قبل أكثر من
نصف قرن والسياسة الصهيونية ملتزمة بهذه السياسة البشعة، التي يرفضها
أي قانون دولي أو غير دولي، وترفضها كل الأعراف الدينية والشرائع،
وترفضها أخلاق الفرسان وتقاليد الحروب.
منذ 56 سنة
والعصابات الصهيونية تهدم البيوت، ومنذ تولي بوش الابن والعصابات
الصهيونية في فلسطين تمارس هدم البيوت، لكنه انتبه الآن إلى أن هدم
البيوت أمر غير مقبول، من دون أن يتخذ قراراً له وزن من شأنه ردع
العصابات الصهيونية، أو تغيير هذه السياسة التتارية، التي تنم عن حقد
دفين تجاه البيت الفلسطيني والزيتون الفلسطيني والأرض الفلسطينية.
وبالمصطلح
الشائع الذي يردده كل حكام العالم حالياً، يمكننا القول إن الكيان
الصهيوني يمارس إرهاباً حقيقياً منظماً في الأراضي الفلسطينية، وضد
الإنسان الفلسطيني. إن سياسة الاغتيالات هي عمل إرهابي لأنها لا تأخذ
في الحسبان الضحايا المدنيين، وفي كل مرة تحاول الطائرات الصهيونية
اغتيال أحد القادة أو العناصر الفلسطينية المسلحة، يذهب ضحيتها عشرات
الأبرياء، مما يعني أن عملية القتل هي عملية تحدث بنوايا مسبقة وتعلم
نوعية الضحايا وانتماءاتهم وأجناسهم، ورغم ذلك تنفذ العملية بدم
بارد. إنها ترجمة حقيقية للإرهاب ومعنى الإرهاب.
وفي كل مرة
يقوم الفلسطينيون بقتل جنود صهاينة، تلجأ القيادة الصهيونية إلى الرد
المباشر وتعتبر كل فلسطيني هدفاً لها، وهي بذلك تمارس الإرهاب.
وأحياناً تطلق قطعان المستوطنين ليعيثوا فساداً وقتلاً وحرقاً
للمحاصيل الزراعية الفلسطينية ويتعمدون قلع أشجار الزيتون، وهم بذلك
يمارسون أعتى أنواع الإرهاب.
يحدث كل هذا
الخرق للقوانين، بينما رموز المجتمع الدولي، بمن فيهم كوفي أنان
ومجلس الأمن، يقفون موقف المتفرج من دون أن ينبسوا ببنت شفة.
تستطيع
الولايات المتحدة أن تمرر قانوناً أمام مجلس الشيوخ لمعاقبة سوريا
لأنها تدعم الإرهاب حسب قولهم، ولكنها لا تستطيع حتى أن تنهر
الإرهابي شارون وحكومته حين يقدم على القيام بأعمال بربرية، وكل
أعماله بربرية! فهل للإرهاب مفهوم آخر لدى الولايات المتحدة يختلف عن
كونه قتل الآمنين وتشريدهم وحرق أشجارهم وهدم منازلهم؟ وكيف يمكن
للمجتمع الدولي أن يبرر هذه الأفعال الشائنة التي تأبى أن تمارسها
الوحوش في الغابات؟
إن على
السلطة الوطنية الفلسطينية والمؤسسات والمنظمات الانسانية العربية
والعالمية والفلسطينية، أن ترفع دعاوى على الحكومة الصهيونية،
وتطالبها بتعويضات عن كل بيت هدم، وكل شجرة أحرقت، وكل طفل قتل، وكل
امرأة أجهضت، وكل إنسان فلسطيني أصيب بإعاقة دائمة، وأن تطالب
بتعويضات عن الحالة النفسية لقسم كبير من الأطفال الفلسطينيين، الذين
تشكلت لديهم أمراض الخوف والرعب والاكتئاب جراء الجرائم الصهيونية،
وهي جرائم تقوم بها دولة قبلها المجتمع الدولي عضواً (للأسف)، وبناء
عليه يتحمل كل المجتمع الدولي وزر هذه الجرائم.
لقد حصل
ضحايا طائرة لوكيربي على تعويضات هائلة، ودفع العراق تعويضات للكويت
نتيجة التخريب الذي تعرضت له من قبل النظام الصدامي السابق، وتتم
معاقبة سوريا اقتصادياً! ونحن نرى أن للشعب الفلسطيني الحق الكامل في
التعويضات منذ أن قامت هذه الدولة على أرض فلسطين، ويكفل القانون
الدولي واتفاقيات جنيف بشأن تحييد المدنيين في الحرب، هذا الحق
صراحة.
نحن نعلم أن
المال لا يعوض الأرواح، وإن كل أموال العالم، بالنسبة للفلاح
الفلسطيني، لا تساوي عرق زيتون، إلا أن القانون عندما يطبقه المجتمع
الدولي يجب أن يطبقه على الجميع، وإلا فإننا نخشى أن نتهم المنظمات
الدولية ومن بينها مجلس الأمن، والدول الكبرى، بأنها ضالعة في
الإرهاب، أو أنها تغض الطرف عنه، والمتسامح مع الإرهابي لا يقل
إرهاباً عن الإرهابي ذاته.
إننا نرى
أيضاً، أن على جامعة الدول العربية، أن تستفيق من سباتها، وأن تنفض
الرماد عنها، وتبدأ بالعمل على المستوى الدولي، ورغم ضعفها وفشلها،
إلا أنها مؤسسة إقليمية وقومية لها ثقلها على المستوى العالمي، ولا
أعتقد أن الخلافات ستطال أيضاً إقرار حق الشعب الفلسطيني في الحفاظ
على بيوته وزيتونه. فإن حدث خلاف حول هذا، فلا يمكننا سوى القول (لا
حول ولا قوة إلا بالله).
إن العمل
الإعلامي العربي عجز حتى اللحظة عن القيام بدوره الحقيقي في تبني
استراتيجية دفاعية واضحة بشأن الهجمات البربرية الصهيونية، والتي
تتعامل مع الإنسان الفلسطيني تعاملاً وحشياً، وبما أن الإرهاب هو
المعيار الرئيس في هذه الأيام لقبول أي جهة عضواً في المجتمع
المتمدن، فإن على وسائل الإعلام أن تركز على الإرهاب الصهيوني، ليس
فقط عن طريق تقارير المراسلين، وإنما عن طريق تبني المواقف وجعلها
مستمرة، وألا تكون كالسياسة العربية، عبارة عن رد فعل مؤقت تجاه
الأحداث.
إن الإرهاب
يطال كل عربي، والكيان الصهيوني ومن يتبناه ويحميه يشكلون حلفاً
إرهابياً يجب فضحه، كما انفضحت ممارسات الجنود المرضى إنسانياً في
سجن أبوغريب. فأي حملة إرهابية يتعرض لها الوطن العربي، وأي نظرة
احتقار ودونية يحملها الصهاينة وأزلامهم تجاه كل عربي، أليس جدير بنا
أن نؤسس موقفاً في زمن اللاموقف؟!
|