أبعاد المخطط الصهيوني - الأمريكي لتصفية العلماء
العراقيين
مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية
صحيفة أخبار
الخليج البحرينية 28/4/2004
لم يكن
خافياً الدعم الواضح الذي تلقته الولايات المتحدة من "إسرائيل" في
الحرب التي شنتها ضد العراق، سواء كان ذلك من خلال التقارير التي
أمدها بها جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد) حول القدرات
المزعومة للنظام العراقي السابق فيما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل
والتي ثبت خطؤها وزيفها، أو من خلال المساعدة الفعلية بجنود ومعدات
حربية إسرائيلية، فضلاً عن تدريب الجنود الأمريكيين على أساليب
ووسائل قمع المقاومة العراقية بنفس الطريقة التي تستخدمها تل أبيب مع
فصائل المقاومة الفلسطينية.
وقد نالت
"إسرائيل" العديد من المكافآت نظير هذا الدعم بدءاً من تخلصها من
التهديد المزعوم لنظام صدام، وحصولها على نصيب وافر من الكعكة
العراقية في شكل عقود إعادة الإعمار، كما استطاعت أن تعيد الحديث عن
إمكانية إحياء خط أنابيب «حيفا- كركوك» للحصول على النفط، وربما
المياه العراقية، ناهيك عن تمكنها من إبعـاد أنظـار العالم عن
الجـرائم الـتي تـقـوم بـها في الأراضي الفلسطينية المحتلة من قتل
وهدم وتشريد. وفيما يبدو فإن المصالح الأمريكية - الإسرائيلية تقابلت
في نقطة التقاء أخرى، وهي تفريغ العراق من العلماء والخبراء في مجال
الأسلحة الكيماوية والجرثومية، ومن المثقفين والفنيين وفقًا لخطة
منهجية منظمة عن طريق إغرائهم للعمل في أمريكا وذلك لتحقيق عدد من
الأهداف:
أولها: منع العراق الجديد من إعادة
بناء قدراته في مجال الأسلحة الكيماوية أو الجرثومية بعد أن وصل إلى
درجة كبيرة من التقدم في هذين المجالين.
وثانيها: منع وصول هؤلاء العلماء إلى
أي من الأقطار العربية أو الإسلامية التي قد توظفهم لإنتاج أسلحة
دمار شامل في برامج سرية جديدة، الأمر الذي قد يؤدي إلى تكرار تهديد
العراق لجيرانه ولإسرائيل.
وثالثها: معرفة المصادر التي استقى
منها هؤلاء العلماء خبراتهم لتجفيفها ولإشاعة الذعر في نفوس العلماء
العرب الآخرين بألا يفكروا في الاقتراب من مجالات البحث التي ترى
واشنطن أنها محظورة عليهم.
ويقوم هذا
المخطط على عدد من المحاور الأساسية، وهي:
المحور الأول: تدمير البنية التحتية
العراقية المتطورة التي سعى العراق لبنائها منذ بداية الثمانينيات من
القرن الماضي مستفيداً بقدراته المالية التي وفرت له التكاليف
الباهظة لامتلاك الأسلحة المتطورة، والدعم الأمريكي والغربي له في
ضوء علاقات التحالف التي كانت قائمة بينهما آنذاك، بيد أنه مع
التطورات المتلاحقة التي شهدتها المنطقة وتحول العراق كما قيل إلى
مصدر تهديد للمصالح الأمريكية والإسرائيلية، بدأ التفكير من جانب كل
من تل أبيب وواشنطن في البحث عن الكيفية التي يمكن من خلالها وأد هذا
المشروع وتدميره نهائياً قبل أن يتطور، ففي يونيو 1981 نجحت تل أبيب
في إجهاض البرنامج النووي العراقي عندما قامت بقصفه وتدميره ثم تمكنت
واشنطن من استصدار مجموعة من القرارات غير المسبوقة من مجلس الأمن
لتدمير هذه البنية ونزع أسلحة العراق عقب حرب الخليج الثانية، ومع
تولي إدارة بوش الابن مقاليد الحكم في 2001، استغلت هذه القضية كمبرر
لإعلان الحرب ضد العراق، وبعد سقوط بغداد في التاسع من أبريل عام
2003 أكدت مصادر علمية عراقية عديدة أن الحرب وعمليات النهب والسلب
التي أعقبتها دمرت أكثر من 70% من المعامل والأجهزة داخل الجامعات
العراقية ومراكز البحث العلمي، التي خسرت حتى الآن جهود أكثر من 1300
شخص من حملة الماجستير والدكتوراه أي نحو 8% من إجمالي عدد
الأكاديميين البالغ 15500 شخص.
المحور الثاني: ملاحقة العلماء
والخبراء الفنيين العراقيين والعرب العاملين في برامج التسليح
العراقية، فمنذ بدء البرنامج النووي العراقي عملت "إسرائيل" على تعقب
العلماء العرب الذين كانت لهم صلة بتطوير هذا البرنامج، وهو ما حدث
مع عالم الذرة المصري «أمين يحيى المشد» الذي استعين به كحلقة وصل مع
مؤسسة الطاقة الذرية في فرنسا ولكن عناصر من الموساد الإسرائيلي
استطاعت اغتياله في باريس أثناء مهمة له هناك في صيف عام 1980. وقبيل
الحرب ضد العراق أكد المراقبون أنه رغم كون النفط هو العامل الأساسي
الذي يحرك هذه الحرب فإن استهداف العلماء العراقيين كان عاملاً مهماً
أيضاً، وهو ما عبر عنه البريجادير جنرال «فينسنت بروكس» من مقر
القيادة المركزية الأمريكية في قطر قبل شهرين من الحرب عندما تحدث عن
أهمية العلماء العراقيين بالنسبة للولايات المتحدة قائلاً: «إن
واشنطن لها أهداف أخرى غير الإطاحة بصدام، على الأخص مقدرة العراق
على تطوير أسلحة نووية أو كيماوية أو بيولوجية ضمن برنامج القضاء على
أسلحة الدمار الشامل»، كما عبر عن ذلك بوضوح «جاك بوت» رئيس بعثة
الوكالة الدولية للطاقة الذرية في العراق قبل الحرب حين قال: «يجب أن
نحدد ما إذا كانت توجد قدرات نووية في العراق أم لا؟ وبالنسبة لي فإن
ذلك يشمل العقول والأسلحة». كما تحدث العديد من الدوائر داخل أمريكا
عن ذلك أيضاً، فقد دعا «جون بي ولفثال» - عضو برنامج حظر انتشار
الأسلحة النووية بمؤسسة «كارينجي» ومستشار سابق لسياسات منع الانتشار
النووي في وزارة الطاقة الأمريكية - إلى استقطاب علماء العراق،
مذكراً بما حدث بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، حيث تعاونت الولايات
المتحدة وأوروبا واليابان على إغراء علماء الأسلحة السوفييت لضمان
عدم قيامهم ببيع خبراتهم أو أي مواد تحت تصرفهم كسباً للرزق، وأوضح
أنه يمكن تبني نفس الحل في العراق فبدلاً من تعقب الخبراء يجب منح
غالبيتهم عفواً عاماً رسمياً مقابل تعاونهم، وفي أكتوبر 2002 كتب
«مارك كلايتون» في صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» يحذر من العقول
المفكرة التي تقف وراء المخزون العراقي من الأسلحة، وقدم لائحة
بأسماء علماء العراق الذين تدربوا في الولايات المتحدة وقال: «إن
هؤلاء العلماء والفنيين أخطر من أسلحة العراق الحربية؛ لأنهم هم
الذين ينتجون هذه الأسلحة»، ودعا المفتشين الدوليين إلى ضرورة إيجاد
هؤلاء الأشخاص إلى جانب مهمتهم في البحث عن أسلحة الدمار الشامل
العراقية.
وقد اتخذت
واشنطن العديد من الإجراءات لتحقيق هدفها في تفريغ العراق من علمائه
قبل إعلان الحرب عليه، فقد أصرت على تضمين قرار مجلس الأمن رقم
(1441) الذي صدر عام 2002 فقرة تجبر العراق على السماح للمفتشين
الدوليين باستجواب علمائه وفنييه حتى لو تطلب الأمر تسفيرهم هم
وعائلاتهم خارج البلاد، لضمان الحصول على معلومات منهم عن برامج
التسلح العراقية، وفي مطلع عام 2003 أقر الكونجرس الأمريكي قانون
«هجرة العلماء العراقيين» والذي ينص على منح العلماء العراقيين الذين
يوافقون على تقديم معلومات «ذات مصداقية» بشأن برامج التسلح العراقية
تصريح إقامة دائمة في الولايات المتحدة.
وبعد نجاحها
في احتلال العراق وإسقاط نظامه وضعت القوات الأمريكية العلماء
العراقيين في بؤرة اهتمامها، فسارعت بالحصول على قوائم بأسمائهم،
خاصة الذين ساهموا في برنامج التسلح العراقي، من لجان التفتيش
التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية والتي تعاقبت على العراق قبيل
الحرب، وقد وجه العلماء العراقيون بعد سقوط بغداد رسالة استغاثة عبر
الإنترنت حملت عنوان «علماء الأمة المهددة» طلبوا فيها من كل الجهات
العربية المعنية العمل على إنقاذهم من عمليات المداهمة والتحقيق
والاعتقال التي تنفذها ضدهم قوات الاحتلال، كما أكدوا أن القوات
الأمريكية تطالب علماء الفيزياء والكيمياء والرياضيات بشكل خاص
بتسليم ما لديهم من وثائق وأبحاث علمية وأنها تضغط عليهم بوسائل
عديدة سواء من خلال تحديد إقامة بعضهم في بيته ووضع حراسة على
منازلهم، ومنع آخرين من الذهاب إلى أعمالهم.
وفيما يبدو
فإن الخطة الأمريكية عملت على إجبار العلماء العراقيين على الاختيار
من بين عدة بدائل هي إما العمل داخل بلادهم شريطة التزامهم بعدم
تقديم خبراتهم إلى دول معينة تحددها واشنطن، وقد أعدت الخارجية
الأمريكية في هذا الصدد خطة حملت اسم «مبادرة رعاية العلوم
والتكنولوجيا والهندسة في العراق» فاقت ميزانيتها 20 مليون دولار من
أجل توظيف العلماء العراقيين في أبحاث سلمية داخل العراق، وإما إغراء
هؤلاء العلماء بالعمل في الولايات المتحدة نفسها مع منحهم حق الإقامة
فيها، وقد أكدت مصادر علمية رفيعة المستوى في العراق أن ثمة مفاوضات
تدور مع الكثير منهم لنقلهم إلى مراكز بحثية غربية، كما عرض على
العديد منهم السفر إلى "إسرائيل"، والعمل في جامعاتها ومعاملها التي
تتسم بدرجة عالية من التطور والتقدم التكنولوجي والعلمي، والحصول
منها على درجات علمية، وقد استجاب بعضهم بالفعل لمثل هذه الدعوات
وعلى رأس هؤلاء الدكتور كنعان مكية رئيس قسم الدراسات الشرق أوسطية
في جامعة بوسطن الأمريكية والمحاضر في العديد من الجامعات الأوروبية،
وطاهر لبيب أستاذ علم الفيزياء النووية، ومحمود أبو صالح المتخصص في
التكنولوجيا.
وقد اتضحت
خطة "إسرائيل" بشأن التطبيع مع العراق في المجال العلمي بشكل كبير
بعد سقوط بغداد، فمنذ ذلك التاريخ وحتى يوليو الماضي فقط عقدت في
"إسرائيل" 25 ندوة وحلقة نقاشية حول العراق، وقد حظيت هذه الندوات
باهتمام كبير من المسئولين الذين حرصوا على حضور بعضها مثل «إيهود
أولمرت» وزير التجارة والصناعة وسليمور لفنتز وزيرة التعليم، و«تومي
لبيد» وزير العدل، و«يوسف برتيسكي» وزير البنية التحتية و«يهودديت
تأوت» وزيرة البيئة وغيرهم من المسؤولين السياسيين وحتى العسكريين
الذين دعموا هذا التوجه، كما دعمها مفكرون إسرائيليون عديدون فعلى
سبيل المثال أكد «يهودا بن دافيد» أستاذ علم الاجتماع في الجامعة
العبرية أن «مسألة التطبيع مع العراق يجب أن توضع في أولى مهام
الحكومة»، كما أشار «كوهين أولمرت» أستاذ الأدب العربي في ذات
الجامعة إلى «ضرورة منح أكبر عدد من العلماء والمفكرين العراقيين
المناصب المهمة حتى يصبحوا مدينين لإسرائيل بالجميل والعرفان». ولعل
هذا ما يفسر الترحيب الشديد الذي يقابل به أي أستاذ أو عالم عراقي
يزور "إسرائيل"، فقد استقبل أكثر من 4000 طالب و150 أستاذاً جامعياً
«كنعان مكية» لدى وصوله مطار بن جورويون في تل أبيب، كما تم منحه
درجة الدكتوراه في العلوم الإنسانية من جامعة تل أبيب، كما منح إياها
طاهر لبيب ولكن في مجال تخصصه، بينما منح محمود أبو صالح درجة
الماجستير في العلوم التكنولوجية من معهد وايزمان للعلوم. أما من
يرفض من العلماء العراقيين التعامل مع هذه الخيارات السابقة فإن
المصير غامض، وكانت مصادر عديدة قد حذرت من مخططات تهدف إلى اغتيال
النخبة العراقية من أصحاب «الياقات البيضاء» على حد تعبير الناطق
باسم قوات الاحتلال في العراق الجنرال «مراك كيميت» الذي كشف مؤخراً
عن حملة واسعة من الاغتيالات جرت في العراق واستهدفت الطبقة
المتعلمة، مشيراً إلى أن عددهم بلغ منذ مايو الماضي ما يقرب من 1000
مواطن عراقي. وكانت رئيسة مركز الدراسات الفلسطينية في جامعة بغداد
«هدى النعيمي» قد اتهمت جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد) يوم
28/3/2004 بالوقوف خلف سلسلة الاغتيالات وعمليات التصفية التي تستهدف
علماء ومدرسين في جامعات العراق المختلفة، مشيرة إلى أنه قام بالفعل
باغتيال ما يقرب من 100 عالم وخبير عراقي حتى الآن، وأضافت أن ثمة
عروضاً إسرائيلية ربما قدمتها تل أبيب إلى هذه الطائفة، والتي تمثل
النخبة العراقية، بعد احتلال البلاد بمساعدة أطراف خارجية للعمل في
جامعاتها أو التعرض للاغتيال، بهدف تفريغ هذا البلد من العلماء
وأصحاب الكفاءات العلمية.
وفي فبراير
الماضي أكدت أوساط علمية عراقية أن ما يقرب من 2400 من عناصر القوات
الخاصة الإسرائيلية قد اتخذت من العاصمة بغداد وعدد من المدن الأخرى
مقراً لها لتنفيذ سلسلة من عمليات الخطف والاغتيال والتفجيرات، وهو
نفسه ما حذر منه جنرال فرنسي متقاعد في 8 أبريل 2003 عندما أكد أن
عناصر من وحدات الكوماندوز الإسرائيلي دخلوا الأراضي العراقية بعد
سقوط نظام صدام مباشرة في مهمة تستهدف اغتيال العلماء العراقيين
الذين كانوا وراء برامج التسلح العراقية التي أرعبت "إسرائيل" لفترات
طويلة، وعددهم ما يقرب من 3500 عالم عراقي من بينهم 500 اشتغلوا في
تطوير مختلف الأسلحة. وقد وصل عدد العلماء الذين تمت تصفيتهم جسدياً
منذ سقوط بغداد وحتى الآن 10 علماء، آخرهم الدكتور «غائب الهيتي»
الأستاذ في الهندسة الكيماوية في جامعة بغداد الذي اغتيل يوم
16/3/2004 أثناء عودته من عمله، وذلك بعدما تلقى رسائل تهديد بالقتل
إذا لم يترك عمله في الجامعة، ومن قبله الدكتور «مجيد حسين علي»
الأستاذ في كلية العلوم بجامعة بغداد والمتخصص في مجال بحوث الفيزياء
النووية وخاصة مجال الطرد الذري، الذي يعتبر أساس علم الذرة.
ولم تقتصر
التصفيات الجسدية على علماء الكيمياء والفيزياء والرياضيات وحدهم بل
توسعت لتضم مجالات أخرى، فالدكتور «عبداللطيف المياحي» مساعد مركز
دراسات الوطن العربي في بغداد اغتيل يوم 19/1/2004 بعد يوم واحد من
ظهوره في إحدى القنوات الفضائية العربية مدافعاً عن أهمية إجراء
انتخابات مبكرة في العراق، وقد أشار «هاني إلياس» الأمين العام
للرابطة الوطنية لأكاديميي ومثقفي العراق، إلى «أن معظم حوادث
الاغتيال التي تمت في العراق تأتي في إطار الانتقام الثأري أو تصفية
الحسابات، ذلك أن القتلى هم من الأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات
والقضاة والمحامين ممن يشهد لهم بالخلق والسمعة، كما أنهم يشتهرون
بإقبالهم على خدمة أبناء مجتمعهم».
على أية حال
فإن مخطط استهداف النخبة العراقية بوجه عام وعلماء الفيزياء
والكيمياء والرياضيات بشكل خاص له تداعيات خطيرة منها:
1 - أن السعي
الأمريكي - الإسرائيلي إلى تصفية العراق من علمائه هو سلسلة تستهدف
تفريغ العراق من علمائه وعقوله التي هي أساس تقدمه وتطوره، وهو أمر
ليس بجديد فقد اغتال الموساد الإسرائيلي من قبل العالمة المصرية في
مجال الأبحاث النووية «سميرة موسى»، والخبير النووي الدكتور «يحيى
المشد»، والآن فإن علماء العراق بين خيارين إما الانضمام إلى
الجامعات والمعامل الأمريكية أو الإسرائيلية وإطلاق الوعود بعدم
تقديم المساعدة لدول أخرى وإما التعرض للحبس أو عمليات التصفية.
2 - أن
محاصرة العلماء العراقيين واستقطابهم، سيمنع الدول العربية الأخرى من
الاستفادة من خبراتهم الكبيرة كل في مجال تخصصه، كما أنه سيمنعهم من
إفادة العراق ومن المعروف أن النظام السابق اهتم بهذه النخبة وأنفق
عليها؛ إذ أن تكلفة تأهيل كل شخص من حملة شهادة الدكتوراه في الخارج
هي 240 ألف دولار كما أشارت التقديرات، ولهذا وبمجرد سقوط بغداد هرب
عدد من هؤلاء العلماء إلى الدول المجاورة وخاصة سوريا خوفاً من
الاستهداف الأمريكي لهم، وقد نشرت صحيفة «واشنطن تايمز» في عددها
الصادر يوم 6/5/2003 نقلاً عن أحد المسؤولين بالحكومة الأمريكية أنه
يعتقد أن عدداً من علماء الأسلحة البيولوجية العراقيين فروا إلى
سوريا من بينهم «رحاب طه» المتخصصة في «الحرب الجرثومية»، وحذرت
الإدارة الأمريكية دمشق بعد ذلك، وقد نجحت القوات الأمريكية في
اعتقال بعض العلماء منهم «هدى صالح مهدي عماش» خبيرة «بكتيريا الجمرة
الخبيثة»، بينما سلم بعضهم نفسه طواعية إلى القوات الأمريكية خشية
القتل كما حدث مع المستشار العلمي للرئيس المخلوع الفريق عامر
السعدي، وقد تبعه الدكتور «جعفر ضياء الدين» الذي يعتبر الأب الروحي
للبرنامج النووي العراقي.
3 - يكرس
المخطط السابق التفوق الاستراتيجي لإسرائيل على الدول العربية
المحيطة بها، ويساعدها في ذلك ازدواجية المعايير التي تتميز بها
الإدارة الأمريكية، وخاصة في التعامل مع ملف أسلحة الدمار الشامل؛
ففي الوقت الذي تسعى فيه إدارة بوش بكل الطرق والوسائل بدءاً من
المفاوضات مروراً بالضغوط والتهديد بفرض عقوبات وانتهاءً بشن حرب ضد
الدول التي ترفض التخلص من أسلحة الدمار الشامل التي تمتلكها أو تسعى
لامتلاكها، فإنها تغض الطرف عما تمتلكه "إسرائيل" من ترسانة نووية
تعدت 250 رأساً نووياً، فضلاً عن أسلحتها الكيماوية والجرثومية.
4 - أن تجريد
العراق ومن ورائه بقية العالم العربي، من إمكانياته العلمية
والمعرفية من شأنه أن يؤدي إلى مصادرة مستقبل التنمية في المنطقة بعد
تصفية رأس المال «البشري والمعرفي» لبلدانها، ووفقاً لتقرير منظمة
العمل العربية الصادر في شهر نوفمبر 2003، فإن العالم العربي يسهم
بـ30% من الكفاءات المهاجرة بين البلدان النامية، فيما تستحوذ كل من
الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا على 75% من الكفاءات العربية
المهاجرة.
إن مخططات
استهداف العلماء العرب بشكل عام والعراقيين بشكل خاص يعد أمراً بالغ
الخطورة، لكونه عاملاً آخر من العوامل التي تسهم في ترسيخ الضعف
والوهن العربي مقابل التفوق الاستراتيجي الإسرائيلي في كافة
المجالات، وهذا يحدث تحت مرأى ومسمع الدول العربية ومؤسساتها
الثقافية والعلمية دون محاولة الوقوف في وجه هذه التحديات، وردع
الدول التي تقف خلف هذه المخططات.
|