الجرافة والهوايات الأميركية - الإسرائيلية
غازي العريضي
وزير الثقافة اللبناني
صحيفة
الاتحاد 7/2/2004
من منطلق
الخوف العميق على مستقبل دولة "إسرائيل" كدولة ديمقراطية، صهيونية
ويهودية، ومن منطلق القلق على صورتها الأخلاقية والقيمية، لن نسهم
بعد اليوم في سلطة القمع في المناطق. لن نساعد بعد اليوم في حرمان
ملايين الفلسطينيين من حقوقهم الإنسانية. لن نشكل بعد اليوم سوراً
واقياً للحملة الاستيطانية. لن نفسد بعد اليوم صورة الإنسان فينا من
خلال مهام عسكرية- احتلالية. لن نتنكر بعد اليوم كمقاتلين في جيش
الدفاع الإسرائيلي. إننا نخشى على مصير أبناء هذه الأرض المعرضين لشر
ليس محتوماً ونحن نسهم فيه. فقد اجتزنا منذ زمن حدود المقاتلين من
أجل عدالة طريقهم وبلغنا حدود المقاتلين من أجل قمع شعب آخر.
هذا هو مضمون
رسالة الضباط والمقاتلين في القوات الاحتياطية الإسرائيلية وخريجي
"سييرت متكال"، لرئيس حكومتهم الإرهابي آرييل شارون. هؤلاء لم يعد
باستطاعتهم تحمل الممارســــات و"النشاطات" التي يطلب إليهم القيام
بها! وقد سبقهم إلى ذلك الطيارون الذين تمردوا ورفضوا الخدمة
والاستمرار في قصف التجمعات الفلسطينية المدنية وقتل الأبرياء بشكل
جماعي. يوسي ساريد يقول: "إن مسؤولية رفض الخدمة تقع على عاتق شارون
وموفاز ودليل على أن الاحتلال يدمر الجيش حتماً!"
وبعد الرسالة
والتهديدات التي تلقاها موقعوها والحملة التي شنت عليهم وعلى رسالتهم
ومضمونها الذي يهدد "بتحطيم الإطار الأخير الذي يربط بين جميع أجزاء
المجتمع"، صدر قرار بسجن خمسة جنود لمدة عام بسبب رفض الخدمة. وبعد
القرار أعاد ليفتنانت كولونيل احتياطي سابق في جيش الاحتلال
الإسرائيلي يدعى (إيتان رونيل)، أوسمته إلى رئيس الأركان موشي
يعالون، وقال له في رسالة: "إن الجيش لم يعد يحترم القيم الأخلاقية
التي كان يعتمدها فيما مضى. فثمة أطفال يقتلون بانتظام برصاصنا في
الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهذا غير شرعي وغير أخلاقي في آن"،
وأضاف: "إن التجاوزات وعمليات الإذلال تزداد خطورة وعدداً، لأنه لا
يتم إصدار أوامر ولا فرض عقوبات بشكل واضح". ثم نظم الرافضون للخدمة
مظاهرة على حدود قطاع غزة رافعين شعار: نعم للسلام. لا للاحتلال".
وأطلق على حركة الرافضين اسم حركة "شجاعة الرفض". فرد المستوطنون
والمسؤولون الحكوميون باعتبار جدار الفصل العنصري جداراً يعبر عن
شجاعة السلام والأمن للإسرائيليين!
واستمر شارون
وجيشه الإرهابي في ارتكاب المجازر الجماعية ضد المدنيين الفلسطينيين،
وفي اجتياح المخيمات والمناطق الفلسطينية المختلفة، وجرف المنازل
والمزروعات وقتل الأطفال واعتقال الرجال والنساء وجمعهم في مواقع
تذكر بمعسكرات الاعتقال والتعذيب النازية، دون أي اهتمام بأي موقف
دولي، أو نداء إنساني أو قرار دولي بل يصر على استكمال مشروعه على
رغم غرقه وتطويقه بمسلسل من الفضائح وأعمال الفساد التي ضج بها الوسط
السياسي والإعلامي الإسرائيلي ووصلت أصداؤها إلى كل الإعلام العالمي.
لكن جواب شارون كان: "أنا هنا وسأبقى" على رغم كل المطالبات
باستقالته والحديث عن محاكمات جديدة له ولأولاده. هكذا يصر المجرم
والفاسد على الاستمرار في إجرامه وفساده. ويعلن رئيس أركانه في الوقت
ذاته، أن الشيخ أحمد ياسين هو على لائحة التصفية!
لم يكن الجيش
الإسرائيلي يوماً جيش دفاع! ولم يكن يقوم بأعمال أخلاقية. فالاحتلال
- أي احتلال - لا يقوم بمثل هذه الأعمال لأن الاحتلال بحد ذاته هو
عمل غير أخلاقي فكيف إذا استعرضنا تاريخ الجيش الإسرائيلي على أرض
فلسطين المحتلة. وبالتالي نختلف مع رافضي الخدمة على هذا التاريخ،
لكن أهمية مواقفهم اليوم تكمن في أن إسرائيليين أوفياء لإسرائيل -
الاحتلال والاغتصاب لأرض الغير، لم يعد بإمكانهم تحمل هذا الكم من
المجازر وهذه الممارسات الإرهابية البشعة كما عبروا عنها. فلماذا
يستمر شارون؟ ولماذا يهاجم الجميع ويخوض معارك في اتجاهات مختلفة ضد
كل من ينتقده ويلوح بالحروب على كل الجبهات اللبنانية، والسورية،
والأردنية، والأوروبية، تحت عنوان الدفاع عن "إسرائيل"؟
ألم تعد ثمة
قوة تردع وتوقف هذا الخطر المهدد للسلام العالمي وليس للسلام في
المنطقة فحسب؟
للأسف، إن
القوة الوحيدة القادرة في العالم تقف إلى جانبه، وهي أميركا.
وتجاريها في ذلك بريطانيا توني بلير، الذي التزم موقف شارون فدعــا
إلى "وقف الإرهاب قبل السلام". ونائب الرئيس الأميركي ديك تشيني
يقــول: "لن يوقع الإسرائيليون اتفاق سلام، كما لا يجدر بهم أن
يفعلوا" حتى يوضع حد للإرهاب الذي يصل من السلطة الفلسطينية إلى
"إسرائيل"!.
وتكشف صحيفة
فورورد اليهودية الأميركية أن الإدارة الأميركية "نصحت" شارون "بعدم
الأخذ بمبادرة الأسد للعودة إلى المفاوضات. إذ ليس ثمة فرص لتحقيق
اتفاق ويجب إبقاء الضغوط قائمة على سوريا!" ويعلن شارون: "لا عودة
إلى المفاوضات لأنه لا نية بالانسحابات"!.
وتقرأ
الإدارة الأميركية إعلانه بشكل إيجابي وطبيعي! وتضعه في إطار الدفاع
عن النفس!
ثم سئل نائب
وزير الخارجية الأميركية (ريتشارد آرميتاج) عن العدوان الإسرائيلي
على سوريا منذ أسابيع فقال: "هذا ليس عدواناً. وليس هجوماً. إنه
رســـالة إلى سوريا".
هذه هي لغة
التخاطب المعتمدة في الإدارة الأميركية. هكذا تكتب الرسائل بدماء
الأبرياء هنا وبانتهاك القرارات الدولية وسيادات الدول والقيم
الأخلاقية والإنسانية هناك.
ولاستكمال
المشهد، أكدت قوات الطوارئ الدولية العاملة في الجنوب اللبناني أن
الجرافة الإسرائيلية التي دمرتها المقاومة على الحدود، اخترقت الخط
الأزرق ووصلت إلى عمق مائتي متر تقريباً وانتهكت هذا الخط وهي السبب
فيما جرى. وعلى رغم ذلك هدد وزير الخارجية الأميركية كولن باول
سوريا، وحمّلها المسؤولية، ثم جاء السفير الأميركي ليعلن أن المقاومة
تتحمل المسؤولية وعلى لبنان أن يلجمها.
وهذا نوع آخر
من التخاطب والتعاطي الأميركيين مع المنطق والعقل والوقائع والحقائق.
كل العالم يقر بحقيقة. فتتجاهلها أميركا. كل العالم يحدد المعتدي.
فتتجاهل ذلك أميركا وتهدد المعتدى عليه! وكل العالم، بما في ذلك عدد
من الضباط والجنود الإسرائيليين كما أسلفنا، يحمّل "إسرائيل"
المسؤولية فيما أميركا تحمل الضحية المسؤولية!
ترى هل سألت
الإدارة الأميركية من قتل الناشطة الأميركية راشيل كوري على أرض
فلسطين؟ هل قتلها سياح أجانب، أم مواطنون أميركيون أم زملاؤها
الناشطون، أم الإرهابيون الإسرائيليون؟
وهل سألت
حكومة بلير في بريطانيا كيف توفي الناشط البريطاني توم هورندال في
لندن منذ إصابته في أبريل الماضي في فلسطين المحتلة؟ ألم تطلق قوات
الاحتلال الإسرائيلي النار عليه؟ فأي إرهاب مطلوب وقفه لإحلال
السلام؟ أإرهاب "إسرائيل" وهذه نتائجه ووقائعه ومشاهده وممارساته
بلسان إسرائيليين وجثث فلسطينيين ولبنانيين وبريطانيين وأميركيين؟ أم
إرهاب أميركا وبريطانيا الفكري والسياسي والإعلامي لكل من ينتقد
الإرهاب الأول؟
لقد قتلت
القوات الإسرائيلية منذ شهرين تقريباً صيادين لبنانيين داخل الأراضي
اللبنانية واعترفت بذلك الأمم المتحدة ودعت الولايات المتحدة لبنان
إلى ضبط النفس. قد لا نفاجأ في كل ما نراه اليوم بموقف أميركي يقول:
"لقد كان الإسرائيليون يمارسون هواية الصيد ولذلك قتلوا اللبنانيين
وهذا حق من حقوقهم وخطوة لتأكيد التواصل وتحقيق السلام"!
على رغم كل
ذلك، هذه سياسة لا تدوم والجرافة الأميركية - الإسرائيلية ستتوقف
يوماً ما ولا توقفها إلا المقاومة السياسية والفكرية والثقافية
والدبلوماسية والإعلامية والميدانية. المهم أن نعرف كيف نقاومها وكيف
نتعامل معها، وندافع عن حقنا في فلسطين وسوريا ولبنان وكل العالم
العربي.
|