الجدار الإسرائيلي: نظرة للوراء!
بقلم: محمد سلماوي
صحيفة
الأهرام 16/2/2004
إن موقف
"إسرائيل" المعادي للجوء إلى محكمة العدل الدولية في موضوع الجدار
العازل الذي تبنيه في الأراضي الفلسطينية يعيد إلى الأذهان صفحة
منسية من التاريخ تعود إلى ما قبل57 عاماً وقت إصدار الأمم المتحدة
قرار تقسيم فلسطين في نوفمبر1947، ففي 16 أكتوبر من ذلك العام
تقدم مندوب مصر في المنظمة الدولية، وكان هو الدكتور محمود فوزي
وزير الخارجية فيما بعد ثم رئيس الوزراء بمشروع قرار يطالب باللجوء
إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي لبحث شرعية اتخاذ قرار بتقسيم دولة
من الدول دون أخذ رأي أهالي هذه الدولة، وما إذا كان مثل هذا
القرار يقع ضمن مسئوليات الجمعية العامة، واقترح مشروع القرار
المصري ألا تعود الجمعية العامة لبحث الموضوع إلا بعد تلقيها رأي
محكمة العدل الدولية، وقد استطاعت مصر أن تحصل على موافقة 20
صوتاً على مشروع القرار في مقابل 21 صوتاً ضده وامتناع 13 دولة
عن التصويت من مجموع الدول الأعضاء في المنظمة الدولية في ذلك
الوقت، أي أن المشروع هزم بصوت واحد فقط، ولو كان قد تم الموافقة
عليه لربما تغير تاريخ الشرق الأوسط تماماً.
لقد عثرت
بالمصادفة على نص مشروع القرار المصري الذي كان يحمل عنوان مصر:
مشروع قرار لتحويل مسألة قانونية إلى محكمة العدل الدولية وهو
الوثيقة رقم 14/24A/AC. للأمم
المتحدة، وذلك في وقت تستعد محكمة العدل الدولية لبحث مدى شرعية
إقامة "إسرائيل" للجدار الفاصل فوق الأراضي الفلسطينية المحتلة دون
أخذ رأي سكان هذه الأرض، وهو ما تعارضه "إسرائيل" معارضة شديدة
بشتى الطرق، وقد وصلت في محاولاتها منع بحث هذا الموضوع إلى حد
مطالبتها بتنحية أحد أعضاء المحكمة الدولية لا لسبب إلا لأنه مصري
ومن ثم فلا يمكن أن يكون عادلاً في حكمه وهو السفير نبيل العربي
المشهود له بخبرته الدولية في المجال القانوني، وقد كانت قضية طابا
التي تم اللجوء فيها للتحكيم الدولي مناسبة ظهرت فيها بشكل جلي قدرات
السفير نبيل العربي في هذا المجال، وربما كانت نتيجة التحكيم في
طابا التي أقرت بحق مصر فيها وطالبت "إسرائيل" بالانسحاب منها ماثلة
في ذهن "إسرائيل" وهي تحاول التشكيك في نزاهة العضو المصري بمحكمة
العدل الدولية بمثل ما كان مشروع القرار المصري باستطلاع رأي ذات
المحكمة في أكتوبر1947 حول قرار التقسيم ماثلاً في ذهنها وهي تحاول
الحيلولة دون بحث موضوع الجدار في المحكمة الدولية عام 2004.
ولقد كان
غريباً حقاً ذلك الموقف الأمريكي في الحالتين سواء في عام 1947 أو
في عام 2004، ففي الحالة الأولى كانت الولايات المتحدة المدافعة عن
حق الشعوب في تقرير مصيرها ضد أخذ رأي السكان في قرار تقسيم
بلادهم، ومن ثم عارضت طرح القرار على محكمة العدل الدولية، وقد
صوتت بالفعل ضد مشروع القرار المصري، أما في عام 2004 فقد كانت
هي الدولة الوحيدة من بين دول العالم التي صوتت مع "إسرائيل" لصالح
تنحية السفير نبيل العربي وذلك حين بحث الطلب الإسرائيلي داخل
المحكمة، فقد صوت 13 قاضياً من أعضاء المحكمة الدولية ضد الطلب
الإسرائيلي بتنحية القاضي المصري بينما أقره القاضي الأمريكي وحده
إلى جانب "إسرائيل".
وإذا كانت
الولايات المتحدة عام 1947 لم تكن تربطها بمصر علاقات خاصة، فهي
الآن ومنذ عودة العلاقات الدبلوماسية في أوائل السبعينيات وإبرام
اتفاقية كامب ديفيد مع "إسرائيل" عام 1979، تتحدث عن العلاقات
الاستراتيجية مع مصر، وهو ما يجعل موقفها المعادي لمشاركة القاضي
المصري نبيل العربي في مداولات محكمة العدل الدولية وانحيازها الأعمى
للرأي الإسرائيلي موقفاً غير مفهوم، بل وغير مقبول، وقد أصدر
عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية بياناً رفض فيه التشكيك
في نزاهة السفير نبيل العربي، لكننا لم نسمع بعد عن موقف
للدبلوماسية المصرية إزاء هذا الموضوع.
ولقد حاولت
"إسرائيل" التخفيف من آثار بنائها لذلك الجدار الأمني الذي يقطع
فلسطين إرباً والذي يأتي في عصر سقطت فيه كل الجدران، فقالت إنه
جدار مؤقت لكن نظرة واحدة لميزانية هذا الجدار تشير إلى عكس ذلك،
فمن المقدر إنفاق نحو ربع مليار دولار أي 250 مليون دولار لبنائه
بواقع مليوني دولار لكل ميل من الجدار.
أما عن تأثير
الجدار فهو لا يفصل فقط بين بعض القرى الفلسطينية والمزارع التابعة
لأهاليها وإنما سيفصل في بعض الحالات بين أفراد العائلة الواحدة وبين
الطالب ومدرسته وبين المريض والمستشفى، وربما أيضاً بين الأم
وأطفالها، وهو لا يجري بناؤه على أرض "إسرائيل" وإنما هو يقتطع في
بعض أجزاء منه أراضي فلسطينية ويضمها داخل السور لإسرائيل ويبلغ عدد
الفلسطينيين الذي سيمس الجدار بحقوقهم 210 آلاف فلسطيني حسب
التقرير الجديد عن حقوق الإنسان في العالم والذي تصدره الولايات
المتحدة سنوياً والذي تسعى "إسرائيل" الآن للحيلولة دون صدوره قبل
انعقاد محكمة العدل الدولية يوم 23 فبراير الحالي لما يتضمن الفصل
الخاص بـ"إسرائيل" من اتهامات بانتهاك حقوق الإنسان الفلسطيني بشكل
خطير، ولقد تقدم الجانب الفلسطيني لمحكمة العدل الدولية بملف كامل
موثق بصور وخرائط وشهادات توضح مخاطر الجدار، فهناك 67 قرية
ستتأثر بالجدار من بينها 13 قرية يقطنها 11700 شخص، كما أن
الطريق الملتوي الذي سيتخذه الجدار الأمني جنباً إلى جنب مع إقامة
جدار آخر يسمى جدار العمق سيحول 19 قرية فلسطينية أخرى يقطنها
128500 شخص إلى مقاطعات معزولة بالإضافة إلى أن 36 بلدة أخرى تقع
شرق الجدار يسكنها 72 ألف شخص ستفصل تماماً عن أراضيها الزراعية
التي يعمل بها سكان هذه القرى والتي ستبقى غرب الجدار.
|