الجدار العازل وخريطة الطريق
د. هيثم الكيلاني
صحيفة
الاتحاد 14/3/2004
سمت
"إسرائيل" الجدار العازل "جدار منع الإرهاب" سعياً وراء كسب الرأي
العام العالمي المعبأ ضد الإرهاب الدولي. وثمة خمس ملاحظات يجدر
ذكرها في هذا المجال:
أولاً، أن الرأي الذي طلبته الجمعية
العامة في 8/12/2003 هو رأي استشاري أي إنه فتوى تستند إلى المادة 65
من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية. وهذا الرأي الاستشاري غير
ملزم فهو يخص الآثار التي تترتب في كنف القانون على بناء "إسرائيل"،
دولة الاحتلال، لجدار في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك عمق
هذه الأرض وعلى تخوم شرق القدس كما هو موضح في تقرير الأمين العام
وذلك على ضوء قواعد ومبادئ القانون الدولي وبخاصة اتفاقية جنيف
الرابعة 1949 والقرارات المتعلقة بهذه المسألة التي أصدرها مجلس
الأمن والجمعية العامة.
الملاحظة الثانية هي: أن "إسرائيل"
انتهزت انشغال الولايات المتحدة في الانتخابات الرئاسية المقررة في
نوفمبر 2004، وهو انشغال لا يسقط عن الإدارة الأميركية الحالية
مسؤولية احتلالها العراق ولكنه يتيح لإسرائيل انتهازه من أجل إكمال
مشروعها في بناء الجدار العنصري.
والملاحظة الثالثة هي: أن أرييل شارون
يريد تحقيق هدفين في وقت واحد:
أولهما:
تحقيق التوسع الجغرافي الذي يقرِّبه من حجم أرض "إسرائيل" حسب ظنه،
أي يقربه قدر الإمكان من تحقيق مرحلة جديدة من المشروع الصهيوني.
أما الهدف
الثاني فقد حدده تيودور هرتزل في يومياته في عام 1895 حينما قال إنه:
عندما نحتل الأرض فسنسعى إلى تهجير السكان.. ونظراً إلى أن شارون يرى
في شرقي الأردن الوطن البديل فإنه يرى أن يقوم الشعب الفلسطيني
بـ"ترانسفير" اختياري فيرحل إلى شرقي الأردن رحيلاً اختيارياً إذ لا
ينوي شارون ارتكاب جريمة أخرى كما حدث في عام 1947-1948.
والملاحظة الرابعة هي: أنه لا خلاف
أبداً بين حزبي العمل والليكود حول فكرة الجدار التي خرجت أصلاً من
صفوف حزب العمل ونفذها الليكود. والخلاف بين الاثنين في شكل الجدار
وليس في وظيفته. فقد أراده حزب العمل إلكترونياً في حين نفذه الليكود
إسمنتياً.
الملاحظة الخامسة: هي أن فكرة الجدار
ذات أصول في العقيدة الأمنية اليهودية، ذلك أن اليهود في مختلف مراحل
التاريخ كانوا يشعرون بالعزلة ما يستدعي اختباءهم وراء جدار. وهم قد
أقاموا وراء جدران في مختلف الأحياء التي سكنوها. وصنعوا الجدران
نفسها قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم. وفي مطلع الهجرة اليهودية
إلى فلسطين أطلقوا شعار "جدار وبرج" في إشارة إلى جعل التحصين عنصراً
من عناصر عقيدتهم الأمنية.
إن الهدف من
وراء إقامة الإسرائيليين "الجدار العازل" أو "الجدار العنصري" هو
تعطيل مشروع "خريطة الطريق" وعدم إقامة الدولة الفلسطينية والتذكير
بالمشروع المصري في 1947 لدى طلب مندوب مصر من الجمعية العامة للأمم
المتحدة أن تلجأ الجمعية إلى محكمة العدل الدولية لاستشارتها في
مشروعية اتخاذ قرار بتقسيم دولة من الدول دون أخذ رأي سكان هذه
الدولة، وما إذا كان مثل هذا القرار - أي قرار التقسيم- يقع ضمن
مسؤوليات الجمعية العامة. وكانت الجمعية العامة يومذاك أقرّت قرار
التقسيم 181 في 29/11/1947 دون استشارة سكان فلسطين بموجب حق تقرير
المصير الذي تضمنه ميثاق الأمم المتحدة.
وليس "الجدار
العازل" مجرد كيان مادي وإنما هو منظومة متكاملة تفرض على شعب آخر
حياة محددة ما يؤدي إلى نزوح قسم من الشعب الفلسطيني بحيث يتحقق
الالتقاء الروحي للدولة اليهودية بسيادة الطابع اليهودي الديني عليها
وأن تتطابق الخريطة الدينية مع الخريطة السياسية للدولة اليهودية
وهذا هو التفسير الصهيوني لقرار التقسيم الذي قسم فلسطين ما بين
"دولة عربية" و"دولة يهودية". وهو ما حقق سبباً من أسباب المواءَمة
بين الصهيونية واليهودية في إيديولوجية واحدة ذات تفسير واحد.
وإذا كان
الشعب الفلسطيني قد ظل محروماً، على رغم نضالاته وتضحياته المستمرة،
من تحقيق أمله في تحرير كافة ترابه الوطني فإن الإسرائيليين قد حققوا
جانباً من حلمهم الصهيوني في عام 1948 وصيف 1967، وهم يسعون الآن إلى
تحقيق خطوة أخرى من حلمهم باستيلائهم على أرض فلسطين كاملة إضافة إلى
الجولان السوري ومزارع شبعا اللبنانية. وهم يعتمدون على سياسات شارون
في تحقيق هذه الخطوة الأخرى التي تتمثل في تهجير من يمكن تهجيره من
الشعب الفلسطيني. وفي ما يسمى الجدار الأمني الذي بدأت مرحلته الأولى
في يونيو 2002 في شمالي الضفة الغربية. والغريب أن الفكرة لم تُثِر
ذلك الحين سوى القليل من الاعتراض ذلك أن خروج حزب العمل ومجيء
الليكود أخرج الجدار عن مساره فاعتدى على عمق أراضي الدولة
الفلسطينية.
وإذا كانت
حكومة شارون قد انتهزت انشغال الإدارة الأميركية الحالية بسنة
الانتخابات فإنها انتهزت أيضاً الوضع الفلسطيني المترهِّل والوضع
العربي الضعيف.
|