الموساد يفخخ السياسة الدولية لتوجيهها
إسرائيلياً
هادي دانيال
صحيفة
الوطن القطرية 5/8/2004
الجهاز
التجسسي الهجومي للمخابرات الإسرائيلية المعروف باسم «الموساد» يصول
ويجول في جهات الأرض لا يردعه قانون دولي ولا يحترم حرمات شعوب
وسيادات دول، ولا يهاب بطش قوة عظمى، بل يتصرف برعونة ووقاحة
يتجاوزان الحدود كلها وكأنه يتمتع بحماية فوق بشرية قد تغذي الاعتقاد
بوجودها الأساطير التي أسست الكيان الصهيوني وتأسس عليها، مثل كون
اليهود شعب الله المختار وما عُرف بالوصايا العشر وغيرها من نفاثات
الشر التلمودي في عقد الوضع البشري الراهن، وخصوصا عقدة اللاسامية
التي يتم في ظلها الآن توطين المئات من الفرنسيين اليهود في الأراضي
الفلسطينية بعد ترحيلهم عن فرنسا بذريعة أن أمنهم في خطر بسبب تفاقم
(ظاهرة اللاسامية) في الآونة الاخيرة، ورغم أن الأمر أثار حفيظة
الرئيس شيراك خصوصاً بعد تصريحات آرييل شارون المستفزة والتي صورت
الحكومة الفرنسية وكأنها عاجزة عن حماية أمن مواطنيها في بلادهم
وداخل بيوتهم، إلا أن مجرد تصريح يمنح شيراك صك براءة شارونية جعلت
أسارير الشانزيليزيه تنفرج لأنها غير قادرة على تعكير مسار الود
التاريخي بين باريس والكيان الصهيوني منذ كان فكرة!
مَنْ يَهُنْ
يسهل الهوان عليه
لا ريب أن
فرنسا التي عودتنا على المواقف المائعة والرمادية إزاء السياسة
الأميركية الهجومية يسهل عليها الهوان ليس بالاكتفاء فقط بامتداح جهد
شيراك لمحاربة اللاسامية في فرنسا، هذا «الامتداح» الذي يضمر تأكيداً
على أن اللاسامية مستشرية فيها وتحت حكم شيراك نفسه وبالتالي يبقى
ذريعة هجرة الفرنسيين اليهود للاستيطان في فلسطين المحتلة قائمة، بل
وأكثر من ذلك بدت الأوساط الإعلامية شبه الرسمية تقلل من شأن هذه
الهجرة الاستيطانية، وتعدها مجرد رحلات اعتادت الوكالة اليهودية
تنظيمها لغرض زيارة يهود فرنسا إلى "إسرائيل"، وكأنهم بذلك يغمرون
رؤوسهم هم في رمال أضاليل يفندها شارون نفسه وهو يستقبل الوافدين إلى
"إسرائيل" من يهود فرنسا تلبية لندائه الذي يؤكد حاجة "إسرائيل" إلى
المزيد من استقبال المستوطنين الجدد، وكما لا يخفى فإن يهود فرنسا
كانوا دائماً أصحاب الأرقام القياسية في تلبية هذه النداءات
الاستيطانية، فالأمر لإقناعهم لا يحتاج إلى أكثر من بضع تفجيرات
محدودة تقوم بها أجهزة (الموساد) نفسها للنفخ في (صور) اللاسامية
وتهيئة الأجواء بين الجالية اليهودية التي تتلقى تعبئة منظمة لتلبية
(الحاجات) الاستيطانية في (أرض الميعاد).
فخاخ للسياسة الدولية
يستغرب بعض
المراقبين النشاط التجسسي الإسرائيلي الذي يتناقض مع المزاعم
الإسرائيلية المستمرة بأنها دولة صغيرة، بل جزيرة «مستضعفة»
و«مستنيرة» في محيط من الكره العربي - الإسلامي، خصوصاً وأن حجم
النشاط التجسسي الإسرائيلي وجغرافيا تحركه وطبيعة أهداف هذا التحرك
لا تليق الا بدولة «ذات مصالح عالمية أوقوة كبرى تسعى إلى المحافظة
على سيطرتها الدائمة والواسعة في هذا العالم».
فهذا الكيان
الذي كرست الولايات المتحدة سياستها الخارجية لحماية أمنه فخاضت
حرباً قذرة على العراق لا تخدم المصالح الحيوية الأميركية نفسها
(أعني مصالح الشعب الاميركي)، ما فتئ ينصب الفخاخ لتوجيه السياسة
الدولية نحو المزيد من التوتر ودفع دول العالم إلى النزاعات
والصدامات مجهولة العواقب، ولعل الفخ الأكبر كان المشاركة
الإسرائيلية شبه المؤكدة في أحداث 11 سبتمبر 2001 لإطلاق آلة الشر
والتقنية العسكرية الأميركية المتوحشة لتحقيق أهداف صهيونية في
أفغانستان وباكستان وإيران والعراق والسعودية وسوريا وليبيا ومصر
وغيرها من الدول تشملها الجغراسياسية لما يسمى مشروع الشرق الأوسط
الكبير الصهيو – أميركي.
إن الصفحات
السرية من التحقيق في أحداث 11 سبتمبر، التي تم حظر نشرها تتعلق على
الأرجح بدور جهاز الموساد الهجومي المباشر وغير المباشر في هذه
الذريعة التي تم صنعها لشن حرب منظمة على كل الأهداف الاستراتيجية
العربية والإسلامية التي يعتقد صانعو القرار الصهيوني الاستراتيجي
بضرورة تدميرها، وبعد أن حققوا نجاحاً باهراً خصوصاً بتهيئة وضع دولي
لشن حربهم المنظمة على (الإرهاب)، بدأوا نصب فخاخ مكملة نعرف منها،
في الأقل، ما تم اكتشافه واعطابه، مثل اعتقال الجاسوسين الإسرائيليين
(اودي هارغوف) و(يغال داماري) متلبسين بالتجسس على ميناء قبرصي يتم
فيه افراغ شحنات عسكرية لقبرص اليونانية، وتبين للقبارصة أن
الجاسوسين كانا يجمعان المعلومات لتستخدمها "إسرائيل" في «تمتين
علاقاتها» مع تركيا أو ابتزازها، خصوصاً وأن الشحنات المعنية تتعلق
برادارات تكشف عن الطائرات المعادية، علما أن تركيا باتت مرتعا
للنشاط التجسسي الإسرائيلي الذي يلطأ خاصة في شركات سياحية للسفر
يقيمها الإسرائيليون في تركيا كما في شمال العراق غطاء لنشاطاتهم
المشبوهة، كما يمكن أن تكون هذه الشركات موجودة للغرض ذاته في العديد
من الدول العربية والإسلامية المستهدفة. ومعروف أنه تم القبض على
الجاسوس الإسرائيلي (اسحاق بينتال) عندما كان يحاول وضع أجهزة تنصت
في منزل لبناني في سويسرا، بعد أن فر زميلان له كانا يراقبان ممر
البناء خلال انشغاله في ربط أجهزة التنصت.
وفي السياق
نفسه لم يطو النسيان بعد حادثة العاصمة المكسيكية، حيث قبض الحرس
الخاص للبرلمان المكسيكي يوم 10-10-2001، أي بعد شهر من أحداث 11
سبتمبر 2001 على ضابطي موساد وسط مبنى البرلمان وفي حوزتهما حقيبة
تضم صواعق تفجير ومتفجرت وعددا من القنابل اليدوية ومسدسين، وحسب
تقارير الصحف المكسيكية آنذاك كان احد الضابطين برتبة مقدم احتياط
ويحمل جواز سفر إسرائيليا، بينما الثاني الذي يحمل الجنسية
الإسرائيلية أيضاً هو من أصل مكسيكي، وأراد الحصول على الجنسية
المكسيكية إلى جانب الجنسية الإسرائيلية لأغراض باتت واضحة، وحسب
تقارير الصحف المكسيكية نفسها فقد كانت خطة الموساد هي تفجير مبنى
البرلمان المكسيكي والادعاء بأن المجموعات الإسلامية الأصولية هي
التي فجرته، لكي يتسنى للولايات المتحدة تجنيد المكسيك إلى جانبها في
حرب بوش الصغير على الإرهاب، وحين اعتقل الجاسوسان وفشلت الخطة -
الفخ، اضطر شارون لارسال مبعوث خاص إلى الخارجية المكسيكية للإفراج
عن الإسرائيليين المعتقلين وطي القضية بسرعة.
وكالعادة لم
يجد الإعلام العربي ولا الدبلوماسية العربية وكذلك الإسلامية أن ثمة
فائدة في الربط بين ما جرى في المكسيك وما حدث في نيويورك وواشنطن،
خصوصاً وأن السيناريو كان واحداً تقريباً لقد اعترف أحد ضباط الموساد
سنة 1999 بأنه كان يبعث بمعلومات مزيفة عن سوريا من أجل تحريض
الحكومة الإسرائيلية نفسها (؟!) على القيام بعمليات عسكرية ضد دمشق
فهل نستغرب أن يكون في الموساد نفسه تيار على شاكلة هذا الضابط يفجر
البنتاغون وبرجي نيويورك ويرسل التقارير التي تتهم أصوليين إسلاميين،
يبدو أنه ضمن فخ الموساد كان أن يبلع بن لادن الطعم ويشارك في أحداث
11 سبتمبر 2001 بتسهيلات من الموساد نفسه، ودون أن يكون بن لادن وأي
من إخوانه على علم مسبق أو دراية ما بأغراض الموساد أو وقوفه كلياً
أو جزئياً خلف أحداث 11 سبتمبر؟! إن عدم تبصر أصوليي القاعدة
وتباهيهم بالتهمة التي لبسنهم جعل أنظار العالم بعيدة عن حقيقة الدور
الاستخباراتي الإسرائيلي في كثير من أحداث العنف التي يراد الصاقها
بالعرب والمسلمين بما في ذلك أحداث مدريد.
ما لجرح بميت إيلام
وإذا عدنا
الى المعالجة المصرية لقضية بل قضايا التجسس الإسرائيلي ضد مصالح
الشعب المصري، والتي لم ترق إلى حد قطع العلاقات مع تل أبيب، وإذا
سقنا فضيحة الموساد وفشله في اغتيال قائد حركة حماس خالد مشعل سنة
1997، والصفقة التي عقدتها الحكومة الأردنية آنذاك بعدم اعتقال ضابطي
الموساد اللذين حاولا اغتيال القائد الفلسطيني، بعد فرارهما إلى
السفارة الإسرائيلية في عمان، وتأمين عودتهما إلى "إسرائيل"! مقابل
الافراج عن الشيخ أحمد ياسين الذي كانت السلطات الإسرائيلية قد
اعتقلته في الأراضي الفلسطينية، لتغتاله في غزة لاحقاً.. في حين أن
كندا قررت احتجاجاً على استخدام الجاسوسين الإسرائيليين جوازي سفر
كنديين قررت سحب سفيرها من تل أبيب لفترة معينة. فإننا بأسف نلاحظ أن
رد الفعل العربي، والمعني هنا دول عربية تربطها علاقات دبلوماسية
بالكيان الصهيوني، ينطبق عليه قول الشاعر: ما لجرح بميت إيلام.
بؤر ضوء
وكي لا يبدو
سردنا وقائع الفخاخ التي ينصبها الموساد كلها يبعث على القنوط
والاحباط، لا بد أن نذكر على المستوى العربي الفخ المضاد الذي نصبه
حزب الله اللبناني سنة 2001 للعقيد الإسرائيلي أليحنان تيننباوم،
واحتجزه في لبنان عدة سنوات، إلى أن نجح في عقد صفقة تبادل مع
"إسرائيل"، أفرج عنه بموجبها مقابل الافراج عن عدد كبير من الأسرى
الفلسطينيين واللبنانيين كانوا نزيلي سجون العدو الإسرائيلي.
ومؤخراً سحبت
وسائل الإعلام الأضواء التي يستحقها عن حدث مثل ضربة قوية ومؤلمة
وجهتها السيادة والكرامة النيوزيلانديتان إلى الاستهتار الإسرائيلي
فبحسم يعكس مدى تماسك النيوزيلانديين واعتزازهم بذاتهم الوطنية
والقومية وحرصهم الشديد على عدم السماح لأي أجنبي أن يمس أياً من
رموز سيادتهم، تعاملت الحكومة النيوزيلاندية مع قضية الجاسوسين
الإسرائيليين اوريل كيلمان (37 عاماً) وإيلي كارا (50 عاماً) اللذين
يعملان لحساب الموساد.
الدرس النيوزيلاندي
بعد أن أعلن
شيراك في لحظة غضب أن شارون شخصية غير مرغوب فيها في فرنسا، بسبب
تحريضه يهودها على مغادرة بلادهم والهجرة إلى «إسرائيل»، عبر الرئيس
الفرنسي عن غبطته بما منحه إياه شارون من شهادة حسن سيرة وسلوك وهو
يستقبل مائتي مهاجر يهودي فرنسي إلى "إسرائيل"، عندما قال إن شيراك
يبذل جهده لمقاومة اللاسامية في فرنسا، وبردة فعل خرقاء في سياق
ابتهاج شيراك بصك الغفران الشاروني الذي هبط عليه قام بمنع بث برامج
قناة «المنار» التليفزيونية الفضائية اللبنانية في فرنسا بتهمة أن
برامج هذه القناة معادية للسامية، فهل سبق وأن أهينت عاصمة النور على
يد حكامها أقسى من هذه الاهانة ارضاء للمدللة في الغرب الأوروبي
والأميركي «إسرائيل»؟!، وفي وقت أعلنت خلاله شعوب الاتحاد الأوروبي
أن هذه «الإسرائيل» تمثل الخطر الأول على السلام في العالم؟! إلا أن
الأمور في نيوزيلاندا المتحضرة التي لا ترهبها فزاعة اللاسامية كانت
مختلفة عن فرنسا التي تحاكم «المنار» لبثها مسلسل «الشتات» الذي بثته
في أكتوبر الماضي وفق قانون صدر في 9 يوليو الماضي، أي بمفعول رجعي!
فبعد القبض
على الجاسوسين المذكورين أعلاه فيها بتهمة السعي إلى الحصول على
جوازات سفر نيوزيلاندية بطرق غير مشروعة ولغرض التجسس، تم تقديمهما
الى محكمة أوكلاند العليا، حيث أقرا بالتهمة الموجهة إليهما، كما
اعترفا بأنهما منخرطان في عصابة صهيونية من عصابات الجريمة المنظمة،
وقد حكمت عليهما المحكمة النيوزيلاندية بسجن كل منهما ستة أشهر، وأن
يدفع علاوة على عقوبة السجن، غرامة قدرها خمسون ألف دولار
نيوزيلاندي، أي (32800 دولار أميركي) إلى مؤسسة خيرية نيوزيلاندية،
وقد صدر الحكم بعد أسبوعين من اعتراف المتهمين، وقال القاضي
النيوزيلاندي عند أصداره قرار الإدانة: «إن الغاية من الحصول على
جواز سفر نيوزيلاندي مزيف باسم مواطن نيوزيلاندي لرجل إسرائيلي هي
استخدامه لمخالفة جنائية كبيرة بل وخطيرة جداً»، لكن الحكومة
النيوزيلاندية لم تكتف بذلك، فرئيسة الوزراء السيدة هيلين كلارك لم
تشأ أن تنحصر المسألة بشخصي الجاسوسين فأعلنت في مؤتمر صحفي أن
"إسرائيل" خرقت سيادة نيوزيلاندا والقانون الدولي عندما أرسلت عميلين
من جهاز مخابراتها في مهمة إلى نيوزيلاندا، وبينت أن عميلي الموساد
جعلا النيوزيلانديين يواجهون الآن صعوبة في عرض جوازات سفرهم في
مختلف البلدان، وقالت كلارك غاضبة: «لقد طلبنا من حكومة :إسرائيل"
تقديم توضيح واعتذار منذ ثلاثة أشهر ولم نتلق شيئاً»، لذا قررت
معاقبة الحكومة الإسرائيلية التي تقف وراء عملية التجسس، وحملتها
مسؤوليتها في هذه الجريمة، فأعلنت كلارك فرض عقوبات دبلوماسية على
"إسرائيل"، تتمثل في وقف جميع الزيارات رفيعة المستوى من وإلى الكيان
الصهيوني، ومطالبة أي إسرائيلي يزور نيوزيلاندا بصفة رسمية أن يستخرج
تأشيرة دخول، وتأجيل اعتماد أوراق تعيين السفير الإسرائيلي الجديد
لدى نيوزيلاندا، بل أعلنت هيلين كلارك أن بلادها لم تعد مستعدة
لاستقبال رئيس الكيان الصهيوني موشيه كتساف في أغسطس المقبل ضمن
جولته التي تشمل أيضاً استراليا التي فيها أيضاً اسست الشبكة التي
ينتمي إليها كارا وكيلمان وتضم جاسوسين آخرين فرا من نيوزيلاندا، حيث
كانوا أسسوا شركة سفر سياحية وهمية في نيوزيلاندا واستراليا لتغطية
نشاطهما في هذين البلدين وكل من كندا والفلبين!
وبعد إعلان
هذه العقوبات والطلب النيوزيلاندي من "إسرائيل" أن تعتذر، لم يفعل
وزير الخارجية الإسرائيلي سيلفان شالوم غير محاولة التقليل من أهمية
الخلاف عندما عبَّر عن اسفه للإجراءات التي اتخذتها نيوزيلاندا بعد
الحكم على ايلي كارا وأورييل زوشي كيلمان، وأكد أن "إسرائيل" ستقوم
بكل ما في وسعها لإعادة العلاقات إلى طبيعتها، وخصوصاً الطلب من بعض
اليهود الأميركيين والاستراليين استخدام نفوذهم والضغط من أجل عدم
توريط الحكومة الإسرائيلية رسمياً، لكن هيلين كلارك رفضت تعليقات
الوزير الإسرائيلي وأصرت على مطالبتها "إسرائيل" بتقديم اعتذارات
علنية، إلا أن متحدثاً باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية قال: لن نقدم
اعتذارات علنية أبعد من تلك التي عبر عنها وزير الخارجية سيلفان
شالوم.
قد يندرج
موقف هيلين كلارك في سياق حملة انتخابية، ذلك أن صورة "إسرائيل" ليست
محببة إلى وجدان الرأي العام النيوزيلاندي، يعزز ذلك ربما ما أعلن في
اليوم نفسه الذي أعلنت خلاله كلارك فرض عقوبات دبلوماسية على
"إسرائيل" من أن ستة عشر قبراً من مقبرة يهودية في العاصمة
النيوزيلاندية «ويلنغتون» تعرضت لعملية تخريب غداة صدور الحكم ضد
الإسرائيليين كيلمان وكارا، وقد دمرت القبور في مقبرة شارع فيكتوريان
بولتن ورُسم صليب معقوف على الأرض. وأكد رئيس المجلس اليهودي في
نيوزيلاندا ديفيد زوارت أن هذه الأحداث كانت رد فعل على ثبوت إدانة
الجاسوسين الإسرائيليين بمحاولة الحصول على جوازات سفر نيوزيلاندية
مزورة تستخدم لأغراض تسيء إلى رمز من رموز سيادة نيوزيلاندا ربما
لإبعاد التهمة عن تورط الموساد في حفر قبور اليهود!
ولكن مَن
يتعلم؟
قد تتطور
أحداث هذه القضية نحو المزيد من التصعيد والتوتر، وقد يوجد لها حل
سلمي، لكن الأكيد أنها في هذا الوقت بالذات، بقدر ما توجه ضربة قوية
إلى الغطرسة الإسرائيلية ووراءها الغطرسة الأميركية التي تتوهم أنها
قضت نهائياً على الإرادات الوطنية للدول المستقلة - علماً أن ثمة
مفارقة هنا وهي أن السيادة الأميركية في الولايات المتحدة نفسها لم
تسلم من نشاط الموساد! - في الوقت نفسه تدفع إلى الحائط تلك الحكومات
العربية التي تربطها علاقات بإسرائيل ولم تجرؤ حتى على التهديد
بتعليقها أو قطعها، رغم النشاط الاستخباراتي الإسرائيلي العلني على
أراضيها كما هو الحال في القاهرة ونواكشوط وعَمّان ناهيك عن بغداد
المحتلة.
إن الرد
الحكومي النيوزيلاندي، لم يأبه لامكانية الوصم التقليدي بعداء
السامية، ثم من يمكنه وصف «ويلنغتون» بأنها عاصمة غير حضارية مثلما
توصف عادة العواصم العربية والإسلامية عندما تحاول الاحتجاج بتلكؤ
وتحرج على الجرائم الصهيونية والأميركية في فلسطين والعراق وغيرهما
من الأراضي العربية والإسلامية المحتلة؟!
معاداة السامية اختراع صهيوني
لقد أعلن
ثيودور هيرتزل الذي أسس الحركة الصهيونية في مذكراته: «ثمة ضرورة
جوهرية تدعو الحركة الصهيونية إلى تحويل معاناة اليهود في أوروبا إلى
الأسوأ دوماً لأن ذلك سوف يساعدنا على تنفيذ خطتنا ومشروعنا في إنشاء
دولة يهودية» وقال هيرتزل الذي مرت مؤخراً الذكرى المائة لوفاته «..
وأنا لدي خطة ممتازة في توليد العداء لليهود من أجل إزالة الثروة
اليهودية من أوروبا، ولا شك أن من يمارس «معاداة اليهود» سوف يقدم
خير مساعدة لنا، لأنه يعزز شعور اليهود بالاضطهاد والقمع (للاقتناع
بالهدف الصهيوني) ولذلك لا بد من اعتبار المعادين لليهود في مقدمة
أصدقائنا»، ولاحقاً قال مؤسس دولة "إسرائيل" ديفيد بن غوريون «أنا لا
أعارض دوماً وفي كل مكان معاداة السامية».
إن قادة
الصهاينة السابقين والحاليين يعدون انتهاء «معاداة السامية» أكبر خطر
على هجرة اليهود إلى "إسرائيل"، ولذا لا يتورع الإسرائيليون على
الوقوف وراء جميع مظاهر (العداء للسامية) في أوروبا وغيرها، ناهيك عن
تورطهم في قضايا تجسس على تقنية الصناعات الحربية الاميركية وبيعها
إلى دول يتطلعون إلى نسج علاقات متميزة معها كالصين والهند، وفي
الوقت نفسه يتدخلون لمنع واشنطن من بيع صواريخ جو - جو إلى الأردن
التي تقيم مع تل أبيب أوثق العلاقات الدبلوماسية وغير الدبلوماسية،
بل إنه بات ثابتاً أن الموساد كان وما يزال يقف وراء أحمد الجلبي
وسالم الجلبي اللذين يقيمان علاقات وثيقة مع يهود بريطانيا أفضت بهما
إلى علاقات اوثق مع الموساد بحيث زودت المخابرات الإسرائيلية أحمد
الجلبي بمعلومات زائفة اتخذت ذريعة لشن الحرب الأنجلو - أميركية على
العراق واحتلاله، ومن المرجح أن يكون الموساد وراء الكثير من
التفجيرات في العراق لإثارة فتنة طائفية وتشويه صورة المقاومة
الوطنية العراقية.
إنه درس واضح
لمن يريد أن يتعلم ويفهم ويعتبر ويتعظ، لا لبس ولا غموض في أي من
فقراته، ولكن التجاهل وليس الجهل ربما، صار ديدن عواصمنا العربية
والإسلامية.
لقد قامت
بكين باعتراض طائرة أميركية في المجال الجوي الصيني وأسرتها
بملاحيها، ولم تفرج عنهم إلا بعد أن مرغت أنف التقنية العسكرية
والغطرسة السياسية الأميركيتين في التراب الصيني.
ومؤخراً فعلت
طهران شيئاً مشابها نسبياً عندما احتجزت في مياهها الإقليمية زوارق
عسكرية بريطانية بطواقمها، ولم تفرج عنها إلا بعد أن حققت معهم
واعتذرت لندن وربما أبرمت صفقة مع طهران الخبيرة في هذا المجال.
لكن عندما
يتعلق الأمر بمس السيادة والكرامة العربيتين، فإن المعنيين لا يملكون
غير الشجب اللفظي الذي لا يُغبِّر حذاء من يستبيحهما مطمئناً إلى أن
أحداً لن يعترضه أو يعاقبه، فالنفوذ الصهيوني الذي لا يحسب له حساب
عند هيلين كلارك في ولينغتون، يرمي ظلاله الأميركية في العواصم
العربية والإسلامية ويعيث فيها فساداً يتحرك حالياً بأقنعة «الإصلاح»
ساخراً من مقومات وجود هذه الأمة، وحاجباً عنها معالم الطريق إلى حجز
مكان في مستقبل البشرية، بدخان الحروب العدوانية وضباب المشاريع
المملاة التي لا تقل عدوانية عن الغزو العسكري!
|