إنهم يبنون القفص
بقلم: عبد العزيز آل محمود*
صحيفة
البيان الإماراتية 28/1/2004
بني مورس،
مؤرخ إسرائيلي مرموق، وأستاذ التاريخ في جامعة بن غوريون في بئر
السبع، له نظرة تجمع بين اليسارية اليهودية والتعصب العرقي، بصدد نشر
كتاب قد يؤدي إلى الكثير من اللغط بعنوان: ولادة أزمة اللاجئين
الفلسطينيين، وفي لقاء له مع صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية ذكر بعض
الأمور التي أوردها في كتابه واعتقد أن من الواجب علينا معرفتها،
فمرجعه في بحثه كان أرشيف الجيش الإسرائيلي الذي ليس متيسراً للجميع.
يقول
البروفسور مورس إن هناك أربعة وعشرين مذبحة حصلت خلال حرب 1948، في
بعض المذابح كان الضحايا لا يتعدون الأربعة أو الخمسة وفي بعضها
الآخر تجاوز المئة، وكان هناك الكثير من القتل العشوائي، ففي دير
ياسين تم حصد حوالي المئة قتيل وفي اللد حوالي 250 قتيلاً، في يافا
حصلت مذبحة لم يعرف عنها أحد حتى الآن، وفي بعض القرى صف الناس على
الجدار وحصدوا بالرصاص، وكان هناك ضوء أخضر للقيام بتلك المذابح من
بن غوريون شخصياً لإجبار الشعب الفلسطيني على ترك مدنه وقراه، وهذا
ما تم بالفعل.
في 31 أكتوبر
من عام 1948 زار بن غوريون الجبهة الشمالية واجتمع مع قائدها موشيه
كارمل، وبعد مغادرة بن غوريون أصدر كارمل أوامره بتهجير العرب من قرى
الشمال الفلسطيني، وهناك أمر آخر وقعه إسحاق رابين في يوليو من نفس
العام بعد زيارة بن غوريون له لتنفيذ نفس الأمر.
بعد السرد
التاريخي للمذابح وعمليات التهجير التي قام بها الجيش الإسرائيلي
خلال حرب 48 تطرق الباحث إلى الأسباب الداعية لبناء جدار الفصل
العنصري.
ودعوني اختار
لكم بعض ما قاله هذا البروفسور خلال ذلك اللقاء:
كان بن
غوريون على حق، لو لم يفعل ما فعل ما كانت "إسرائيل" ستقوم، هذا يجب
أن يكون مفهوماً، ومن المستحيل تجاهله، بدون طرد الفلسطينيين لم تكن
دولة "إسرائيل" لتقوم.
ليس هناك
مبرر للاغتصاب أو المذابح، هذه جرائم حرب، ولكن في بعض الحالات الطرد
ليس جريمة حرب، ولا اعتقد أن إبعاد الفلسطينيين في حرب 48 كان جريمة
حرب فأنت لا تستطيع أن تعمل عجة البيض بدون أن تكسر البيض، لابد أن
توسخ يديك.
إن المجتمع
الذي يهدف إلى تحطيمك يجبرك على تحطيمه، عندما يكون أمامك خيار بين
أن تحطم أو يتم تحطيمك فمن الأفضل أن تحطم.
هناك ظروف في
التاريخ بررت التطهير العرقي، اعلم أن هذا المصطلح غير مقبول في
القرن الحادي والعشرين، ولكن عندما نختار بين التطهير العرقي
والمذابح التي قد يتعرض لها قومك، فإني أفضل التطهير العرقي.
إني أتعاطف
مع الفلسطينيين الذين عانوا الكثير، ولكن إذا كانت هناك نية لإقامة
دولة يهودية فليس هناك خيار آخر، من المستحيل ترك طابور خامس ضخم من
العملاء في البلاد. تذكر أن العرب حصلوا على حصة ضخمة من الكوكب ليس
بسبب مهارتهم بل لأنهم احتلوا وقتلوا وأجبروا الأمم التي احتلوها على
التحول خلال أجيال عدة، وفي النهاية حصل العرب على 22 دولة، ولم يحصل
اليهود على دولة واحدة، وليس هناك سبب مقبول لعدم حصولهم على تلك
الدولة، وفي رأيي أن الحاجة لإنشاء الدولة اليهودية على هذه الأرض
يبرر كل الظلم الذي وقع على الفلسطينيين.
لأن بن
غوريون لم يكمل المهمة التي بدأها عام 48، ولم يبعد الفلسطينيين بشكل
كامل، وترك مخزوناً بشرياً ضخماً في الضفة وقطاع غزة وفي "إسرائيل"
نفسها فإن النهاية غدت كئيبة لليهود. عندما تتعامل مع قاتل محترف،
ليس من المهم معرفة سبب تحوله إلى قاتل محترف، المهم هو قتله والتخلص
منه.
يتوجب علينا
إعادة تأهيل الفلسطينيين، ربما الزمن وإنشاء دولة فلسطينية سيساعدان
على شفاء هذا الشعب، ولكن حتى ذلك الحين وحتى حصولنا على الدواء لابد
من احتواء هذا الشعب حتى لا ينجح في قتلنا. ربما شيء يشبه القفص
لنضعهم فيه، أعلم أن هذا شيء كريه، ولكن ليس هناك خيار، هناك حيوان
شرس طليق ولابد من حبسه بطريقة أو أخرى.
أتمنى أنكم
تكونوا قد استمتعتم بقراءة هذا اللقاء مع البروفسور مورس، وبعد
استيعاب وجهة نظر أستاذ التاريخ هذا، تأملوا في الجدار الفاصل الذي
تبنيه "إسرائيل" حالياً، وأنا على يقين أن الكثير من القراء العرب لا
يعيرون هذا الجدار اهتماماً، ولا يعرفون أن "إسرائيل" تبني قفصاً
لحبس الشعب الفلسطيني، فإسرائيل ضد عدو شرس لا يرحم يبرر عمليات
القتل والتهجير والتطهير العرقي بطريقة تثير الحنق والاشمئزاز.
* رئيس تحرير «الجزيرة نت»
|