عندما انفعل السفير!
بقلم: أحمد عمرابي
صحيفة
البيان الإماراتية 21/1/2003
هل يجوز
للدبلوماسي في موقف ما أن يفقد أعصابه؟ الإجابة: لا. على الإطلاق.
فعلى رأس الشروط المهنية التي بموجبها يعين الدبلوماسي في منصبه
القدرة على ضبط الأعصاب في أي موقف مهماً بلغت درجة الاستفزاز، وحتى
في المواقف النادرة التي يعبر فيها الدبلوماسي عن أقصى درجات الغضب
فإنه في هذه الحالة يكون «غضباً» مهنياً مدبراً سلفاً بعناية كاملة
وفق تعليمات محددة. لذا فإنه عندما يفقد الدبلوماسي أعصابه فعلاً
بصورة عفوية مستسلماً لانفعاله البشري الطبيعي فإنه قد يأتي في هذا
الموقف بأقوال أو أفعال من شأنها أن تضع حكومته في حرج.
هذا بالضبط
ما جرى لسفير "إسرائيل" لدى السويد (زيفي مازيل) يوم الجمعة الماضي
في العاصمة السويدية استوكهولم، لكن ما يوحي به مسلك السفير هو أكبر
من مجرد إحراج لحكومته، ولننظر في الحكاية من أولها:
لقد دخل
السفير مازيل مع غيره من السفراء الأجانب في استوكهولم «متحف الآثار
الوطني» بناء على دعوة رسمية للسفراء لمشاهدة معرض فني أقيم في فناء
المتحف كتمهيد لمؤتمر دولي حول الإبادة تنظمه حكومة السويد، وفقد
السفير الإسرائيلي أعصابه عند رؤيته عملاً فنياً مجسماً يعكس تمجيداً
لفتاة استشهادية فلسطينية.
هذا العمل
الفني عبارة عن قارب خشبي مصغر ركبت عليه صورة وجه باسم للمحامية
الفلسطينية هنادي جرادات التي نفذت عملية استشهادية داخل "إسرائيل"
فقدت فيها حياتها بعد أن أخذت معها إلى القبر أكثر من عشرين يهودياً
إسرائيلياً، والقارب الخشبي الذي ثبتت عليه صورة الاستشهادية الباسمة
يطفو داخل حوض فوق سائل أحمر اللون.. كناية عن الدم.
فماذا فعل
السفير الإسرائيلي؟
لقد هجم
السفير على هذا المجسم الفني وقام بنزع الأسلاك الكهربائية الموصلة
بأنوار كاشفة مسلطة على المجسم وتلفظ بألفاظ غاضبة لا تليق به ولا
بالقائمين على المعرض ولا بالحكومة المضيفة، فلم يملك مديرو المعرض
إلا أن يطردوه.. وقد فعلوا.
وسرعان ما
أخذ الأمر يتحول إلى أزمة دبلوماسية بين السويد و"إسرائيل"، فقد
استدعت الخارجية السويدية السفير على الفور «ليقدم تفسيراً رسمياً»
وقالت الناطقة باسم الوزارة إن تدمير أعمال فنية «تصرف غير مقبول»،
و«الاستدعاء» في مثل هذه الحالة يعني أن الأزمة الدبلوماسية بين
الدولتين بدأت بالفعل.. وقد تتفاقم خلال الأيام التالية.
ولم يخل
الأمر من تداعيات أخرى، فقد رفض مدير متحف الآثار السويدي تلبية طلب
من الحكومة الإسرائيلية بسحب المجسم الفني الذي أغضب السفير، ومن أجل
إحراج السفير وحكومته فيما يبدو وجه مدير المتحف دعوة إليه «للمشاركة
في نقاش جاد حول هذا العمل الفني وحول تصرفاته وحول الفن وحرية
التعبير» وكأنما أراد المدير أن يستدرج الإسرائيليين إلى حلبة نقاش
يواجهون فيها أنصار الشعب الفلسطيني من الشخصيات السويدية البارزة.
لكن للقصة
مغزى أكبر في أكثر من وجه، فالسماح بعرض مجسم فني يحمل رمزاً معادياً
للدولة اليهودية الإسرائيلية في إحدى العواصم الاسكندنافية التي
اشتهرت لعقود متصلة من السنين بالتعاطف مع "إسرائيل" واليهود على
الصعيدين الحكومي والشعبي يعكس إلى أي مدى تغير الزمن والظروف في
أوروبا، لقد انتهت تلك الأيام التي كانت المؤسسات والجماهير السويدية
تخرج في مظاهرات عارمة تأييداً لإسرائيل كلما اندلعت حرب عربية
إسرائيلية.
ومن هذا
المنظور يبدو أن «تجرؤ» مديري المتحف السويدي على عرض عمل فني بارز
ينطوي على تمجيد العمل الاستشهادي الفلسطيني ضد الإسرائيليين يندرج
في سياق الصحوة الشعبية العامة التي أخذت تنظم شعوب أوروبا ضد
الارتهان غير المبرر للحكومات الأوروبية إلى السياسات الإسرائيلية
وابتزاز المؤسسات اليهودية في أوروبا.
هكذا نظر
السفير الإسرائيلي إلى الأمر، وفقدانه أعصابه بصورة عفوية أمام
المشهد إنما هو من قبيل الصدمة الناشئة عن الاندهاش من أن «معاداة
السامية» في أوروبا بلغت هذا الحد الخطير.
وهكذا أيضاً
نظر رئيس حكومته إلى الأمر، فقد قال شارون في تعليقه على الحادثة:
«إننا نشهد تصاعداً في معاداة السامية في العالم أجمع ولاسيما في
أوروبا حيث تأخذ هذه الظاهرة حجماً خطيراً».
حقاً.. لقد
كان مشهداً فوق الاحتمال!
|