السامية المضادّة ومشكلات المؤسسات الدولية
د. رضوان السيد
صحيفة
الاتحاد الإماراتية 24/10/2004
في الوقت
الذي كان فيه الرئيس الأميركي جورج بوش يعلن عن تكليف وزارة الخارجية
الأميركية بمراقبة "العداء للسامية" في العالم، كان الصحافي
والإعلامي الفرنسي المعروف "آلان مينارك" يستقيل من منصبه الإعلامي
تحت ضغط الحكومة الفرنسية، والجهات اليهودية في فرنسا. والعداء
للسامية ممنوعٌ بالقانون في الولايات المتحدة، شأنه في ذلك شأن فرنسا
وألمانيا وهولندا ودول أُخرى في القارتين الأوروبية والأميركية
وأستراليا. إنما الذي حصل أنّ مراقبة "العداء للسامية" لن تقتصر على
الداخل بل ستشمل العالم كلَّه، وإن لم تترتبْ عليها نتائج قانونية
حتى الآن. واعتقاد الولايات المتحدة بحقّها في فرض أفكارها
و"رسالتها" على الآخرين ما تزعزع منذ حوالي المئة عام، ولا فرقَ في
ذلك بين الحكومات الديمقراطية والجمهورية. إنما الجديد أنّ
الديمقراطيين كانوا هم الأكثر ميلاً للتدخل بالخارج عسكرياً أو
سياسياً أو ثقافياً أو إعلامياً، وكان الجمهوريون يميلون للانكفاء
استناداً أيضاً إلى "خصوصية" الولايات المتحدة ونأيها بنفسها عن
ضلالات العالم ومساوئه، باعتبارها "المدينة على الجبل" التي تحدَّث
عنها الإنجيل.
وتحت وطأة
وتأثير المحافظين الجدد والإنجيليين الجدد، صار الجمهوريون (الجدد
أيضاً) أكثر ميلاً للتدخل، والتدخل العنيف. وعندهم قانون يُطبَّقُ في
الداخل، وتقوم وزارة الخارجية بالمراقبة في الخارج وإصدار تقرير سنوي
في الموضوع، هو المتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان في العالم. وقبل خمس
سنوات، أي في أيام كلينتون، صدر قانون "الحريات الدينية"، وكُلّفت
وزارةُ الخارجية بالمراقبة وإصدار تقرير سنوي عن ذلك. ومن الطرافة
بمكانٍ هنا أنَّ كثيرين منا بلبنان والبلاد العربية قلنا وقتها إنّ
التقرير موجَّهٌ ضدَّ المسلمين، فقام مفوَّضُ الحكومة الأميركية
بوزارة الخارجية لشؤون الحريات الدينية بزياراتٍ للدول العربية لشرح
القانون وخلفياته وسياسة الولايات المتحدة المنفتحة إزاء الأديان.
وعندما جاء إلى لبنان دُعيت مع عددٍ من المثقفين والمعنيين بالشأن
العامّ لمقابلته وفوجئنا بوجود الدكتور عبد الرحمن العمودي بمعيته،
والذي استفاض باعتباره أحد كبار الجالية العربية والإسلامية
بالولايات المتحدة في شرح فضائل أميركا، وكيف أنها أعطت المسلمين
كلَّ حقوقهم وأكثر؛ لكنهم هم مقصِّرون في استعمالها.
أما مشكلة
الصحافي الفرنسي مينارك فهي" أمرُّ وأدهى". إذ سمح لنفسه بانتقاد
تصرفات شارون وأعماله في السنوات الأربع الماضية. وقال إنّ
الإسرائيليين يقتلون الفلسطينيين فيصيرون أبطالاً، لكنْ عندما يقاوم
الفلسطينيون ذلك يُعتبر إرهاباً. وتابع: كيف تكون "إسرائيل" دولةً
ديمقراطية وقانون العودة فيها تمييزيٌّ عنصريٌّ إذ يُعطي هذا الحقَّ
لليهود فقط، أياً تكن أصولهم وانتماءاتهم الوطنية والقومية، ويحرم
الفلسطينيين من العودة إلى وطنهم أو يجعلهم رهائن تحت الاحتلال منذ
عقودٍ وعقود.
وهكذا يكون
مينارك أحد أولئك الذين ضاقت بهم السُبُل مثلنا نحن تماماً، الذين
نراقب على شاشات التلفزة ما يفعله الإسرائيليون بالفلسطينيين بشراً
وحجراً وشجراً. وقد سبق لعدة فرنسيين أن حوكموا في السنوات الماضية
بتهمة معاداة السامية، وحُكم عليهم بالسجن أو الغرامة. لكنّ حالتَهم
تختلف عن حالة مينارك. إذ المعروف أنّه منذ الحرب العالمية الثانية؛
فإنّ اليهود واليهودية مَصُونان من أي تعرضٍ وانتقاد بسبب تعرضهم
للمحرقة النازية أيام هتلر (1936-1945). والتعرضُ لهم عنى إنكار حدوث
المحرقة، أو التقليل من عدد ضحايا الهولوكوست (الذين تقول الرواية
الرسمية إنهم بلغوا ستة ملايين).
وهذه جريمةٌ
هائلةٌ تكاد تستعصي على التصور. لكنها جريمةٌ ضد الإنسانية، وينبغي
أن تُقاتَلَ باعتبارها كذلك. فقد قُتل من
الغجر أكثر مما قُتل من اليهود. وما دفع ذلك لا لإقامة دولةٍ لهم،
ولا لملاحقة الناس باسم حمايتهم. ومع ذلك فقد منعت أكثر الدول
الأوروبية البحث في المسألة، وخالفت مبدأ حرية التعبير بشأنها. وكان
الهولوكوست كما هو معروفٌ مُستند سائر دول العالم، وبالذات
الأميركيين والأوروبيين والروس، في إقامة دولة "إسرائيل".
وقد يمكن أن
نفهم منع التمييز ضد اليهود، والتصريح ضدّهم، باعتبار أنّ ذلك كان
الأساس لمذبحةٍ عنصريةٍ هائلةٍ في حقهم. لكنّ الذي لا يمكن فهمُهُ أن
تصبح سياسات الدولة العبرية مقدَّسةً أو بمنأى عن النقد. فكل
المقاومة ضد "إسرائيل" إرهاب إذا جاءت من فلسطينيين أو عرب، أما إذا
جاءت المقاومة أو النقد من غير عرب، فهي معاداة للسامية. عندما قال
مينارك ما قاله، انصبَّ عليه هجوم المنظمات اليهودية. أمّا وزارة
الخارجية الفرنسية فقد قالت إنّ كلامه غير مقبول! وبسبب الأجواء
الملبَّدة بعد 11 سبتمبر والضغوط المتضاربة والمتناقضة زادت الحوادث
ضد المسلمين وضد اليهود. وتُصرّحُ الجهات الفرنسية بأنّ أكثر الحوادث
ضد اليهود صارت تأتي من جانب المسلمين، وليس من العنصريين واليمينيين
المتطرفين كما كان عليه الأمر سابقاً. بيد أنّ الحوادث الثلاثة
الأخيرة ثبت أنّ القائمين بها ضد مؤسساتٍ يهوديةٍ هم من اليهود أو من
اليمينيين. وكانت حكومة شارون قد أثارت ضجةً ضد فرنسا، داعيةً اليهود
للهجرة منها بحجة أنهم غير آمنين هناك. والحوادث ضد اليهود بفرنسا
ليست أكثر من ألمانيا أو بريطانيا. لكنّ الإسرائيليين منزعجون من
سياسة فرنسا تجاه الاحتلال الإسرائيلي، وعملها الدائم على العودة
للمفاوضات، من أجل إنفاذ خريطة الطريق، ولذلك أتوها من نقطة الضعف
التي يستسلم لها الأوروبيون والأميركيون: العداء لليهود أو عدم
صَونهم وحماية أمنهم وممتلكاتهم! وينطوي ذلك على مغالطتين: اعتبار
"إسرائيل" ممثِّلةً ليهود العالم واعتبار أنّ النزعة العنصرية
الرئيسية في عالم اليوم هي تلك الموجهة ضدَّ اليهود، وليس ضد النساء
أو السود مثلاً!
وتشكل هذه
الوسوسة بشأن العداء للسامية داءً يتصاعدُ خَطَرُهُ على الحريات وعلى
حقوق الناس وحريات تعبيرهم، وعلى ولاء الناس لأوطانهم، وتغطيةً
للجرائم التي تُرتكبُ في فلسطين. كما تشكّل هذه الوسوسة والممارسات
تحدياً للمؤسسات الدولية وللقيم الإنسانية العالمية وللمساواة بين
البشر. فقد تحدث العربُ طويلاً عن ازدواجية المعايير وكانوا يعنون
بذلك الكيل بمكيالين في مجال تعامُل المؤسَّسات الدولية معهم عندما
يتعلق الأمر بإسرائيل. بيد أنّ الأمر تجاوز ذلك في التسعينيات إلى
إعراضٍ عن المؤسسات الدولية التي تؤمِّنُ الحدَّ الأدنى الذي لا يحظى
أيضاً برضا "إسرائيل".
وقد تجاهلت
الولاياتُ المتحدةُ الأمم المتحدة في حربها الاستباقية على العراق
وظلت لأكثر من عامٍ تعطّل إصدار خريطة الطريق التي رسمتها لجنة
الأربعة التي شاركت الولايات المتحدة في كل خطواتها. وكما كانت
الحربُ على العراق انحيازاً لإسرائيل وأهدافها؛ فقد كان قبول
الأوروبيين وروسيا بعزل الأمم المتحدة والعرب في صياغة خريطة الطريق
خطأً كبيراً أمكن لشارون استثماره لإثبات التفوق الإسرائيلي وعدم
الاهتمام بالأمم المتحدة أو القانون الدولي أو الدول الكبرى، ما دامت
الولايات المتحدة إلى جانبه. وبعد سنةٍ على "خريطة الطريق" التي لا
يدري أحدٌ إن وافقت عليها "إسرائيل" أم لا، أعلن شارون عن خطته
للانسحاب المنفرد من غزة متخلياً رسمياً عن خريطة الطريق، وعن عملية
السلام (كما أعلن مستشاره فايسغلاس قبل أسبوعين) بحجة عدم وجود شريكٍ
من الجانب الفلسطيني وهو الأمر الذي وافقته الولايات المتحدة عليه.
قبل أسابيع
سمّت مجلة "نيوزويك" الأميركية الشهيرة القرن العشرين قرناً يهودياً.
ففي مطالعه شارك العلماء اليهود في صناعة حداثته وفي أواسطه حدثت
المذابح النازية ضد اليهود جاعلةً من اليهود مسؤوليةً أخلاقيةً
عالمية. وفي النصف الثاني منه قامت دولة "إسرائيل" تعبيراً عن
انتصارٍ يهودي عزَّ نظيره منذ أكثر من ألفي عام. و"التفوق الأخلاقي"
اليهودي هو مثل "الرسالة الأميركية" فوق القانون الدولي وفوق
اعتبارات الحوار والتفاوض العالمي. وقد جاءت أحداث سبتمبر لتسوِّغَ
كل شيء في مواجهة العرب والفلسطينيين على الخصوص. لكنّ التفوق
الإسرائيلي يوشك أن يكونَ مشكلةً للعالم وليس للعرب فحسْب كما صار
الإسلام مشكلةً عالمية إنما هذا باتجاه الإيجاب وذاك باتجاه السلْب.
وقد كان العالم مُحرجاً تجاه التفوق الإسرائيلي ذي الدعوى الأخلاقية،
أمّا الآن فلا إحراج لدى الدول بعد 11 سبتمبر وإنما الإحراج لدى
الأفراد ذوي الضمير الحي مثل مينارك. والأفراد هؤلاء يمكن تجاهُلُ
صُراخهم بحجة العداء للسامية، ولليهود؛ في حين أنّ مشكلاتهم مع
الاحتلال والعدوان الإسرائيلي لا غير.
|