معاداة السامية: ابتكار صهيوني للإرهاب المعنوي
الدول
بقلم: د. فتحي البرادعي
رئيس لجنة
الشئون العربية والخارجية والأمن القومي بمجلس الشورى
صحيفة
الأهرام 19/2/2004
لا أعتقد أن
هناك ابتكاراً سياسياً فلسفياً أصاب هدفه مثل تلك الفكرة الخادعة
التي كانت بدايتها عندما أطلق اللاهوتي اليهودي النمساوي شلوتزر عام
1781 لقب السامية على الشعوب اليهودية التي يقال إنها انحدرت من صلب
سام بن نوح الوارد ذكره في التوراة رغم أنها مغالطة تاريخية فادحة
لها مجال آخر لتحليلها وتفنيدها، حيث أن المستقر تاريخياً هو أن
الأصول العربية هي أصول السامية.
ثم في عام
1879 بعد الحرب الروسية الفرنسية استخدم الصحفي الألماني ولهلم
مارهو مصطلح معاداة السامية لإلقاء اللوم على اليهود باعتبارهم سبب
الانهيار المالي للألمان بعد هذه الحرب، وقد تلقف تيودور هرتزل
مؤسس الحركة الصهيونية فكرة معاداة السامية واعتبرها أداة في خدمة
الصهيونية لدفع الهجرة إلى فلسطين، حيث بدأ يستخدمها بشكل معاكس
لإشعار اليهود في كل دول العالم بأنهم مستهدفون وأنهم محاطون بمخاطر
العداء لهم مما يشكل ضغطاً عليهم يؤدي إلى هجرتهم إلى أرض فلسطين وقد
كانت هذه هي المرحلة الأولى لاستخدام هذا المصطلح وهو استخدام يدعو
لانتشار العداء للسامية في البلاد التي يعيش فيها اليهود لتخويفهم
ودفعهم للهروب إلى فلسطين.
ثم جاء الوجه
الآخر لاستخدام هذا المصطلح بعد استقرار الدولة اليهودية وتجمع أعداد
كبيرة من اليهود بها وهو الاستخدام الهادف إلى ابتزاز العالم وتخويفه
لدفعه إلى عدم الوقوف في وجه السياسات الإسرائيلية العنصرية
والعدوانية تجاه المنطقة العربية وقد استخدمت هذه المرحلة موضوع
المحرقة اليهودية لربطه بهذا المصطلح والتذكير به إعلاء لعقدة الشعور
بالذنب تجاه اليهود خاصة في الدول الغربية.
وقد تم تسخير
كافة القوى الاقتصادية والإعلامية الصهيونية المسيطرة في العالم
للوقوف بقوة وراء هذا الاتجاه حتى نجحت في نشر هذا المنطق الإرهابي
في مواقع صنع القرار الغربي بالإضافة إلى الكنائس المسيحية والأدباء
والمفكرين والسياسيين مما مكن "إسرائيل" من السيطرة على هذه المواقع
وتخويفها برفع هذا الشعار المبتكر في وجهها كلما احتاج الأمر، حتى
تحول هذا الشعار إلى محور من أهم محاور السياسة الخارجية الإسرائيلية
ولم يسلم العالم من هذا السلاح المشهر تجاه أدنى محاولات النقد لأي
تصرف إسرائيلي، فقد نال منه رؤساء أمريكيون كان أخرهم بوش الأب
عام 1991 عندما لم يستجب لمطالب ضمانات قروض لإسرائيل بعشرة
مليارات دولار، ورؤساء أوروبيون كان أخرهم الرئيس الفرنسي شيراك
عندما عرقل إصدار قرار أوروبي بإدانة تصريحات الرئيس الماليزي مهاتير
محمد والذي شنت ضده أيضاً حملة عنيفة أشهر فيها سلاح معاداة السامية
بأشرس صورة لمجرد إعلانه لحقيقة أن اليهود يديرون العالم بالوكالة،
وأيضاً كانت محاكمة الفيلسوف والمفكر الفرنسي روجيه جارودي في فرنسا
عام 1998 بتهمة معاداة السامية وإنكار أسطورة أفران الغاز، وكذلك
المؤرخ البريطاني الشهير ديفيد ايرفنج الذي تمت ملاحقته لسنوات بنفس
التهمة إلى أن أشهر إفلاسه.
إن الجامعة
العربية أصبح أمامها الآن تحد قانوني كبير فإذا كانت المواجهة مع
"إسرائيل" قد أصبحت غير متاحة في نواح كثيرة نتيجة للحصانة الخاصة
التي تعطي لإسرائيل من الولايات المتحدة الأمريكية علي وجه الخصوص،
وأيضاً من الدول الأوروبية مما أعطاها مساحة ضخمة من الحركة بقوة
غاشمة ضد كل من يقف في مواجهة طغيانها وتهديداتها لأمن وسلام
المنطقة، لذلك كله فإن الملاحقة القضائية وتحريك الضمير العالمي
أصبح هو المنفذ الوحيد في هذه الظروف ولعلنا نتذكر أن بعض الناشطين
قد نجحوا في إحداث قلق كبير لدى السلطات الإسرائيلية عندما تقدموا
بدعواهم ضد شارون أمام المحاكم البلجيكية.
أعتقد أن
مجلساً قانونياً تابعاً للجامعة العربية يضم نخبة من رجال القانون في
الدول العربية أصبح يفرض نفسه في هذا التوقيت، بحيث يستطيع أعضاؤه
أن يقوموا بعمل جاد في ثلاثة اتجاهات:
أولاً:
الملاحقة القانونية للقيادات الإسرائيلية التي تنكل بالشعب الفلسطيني
وتعتدي على مقدساته وحرماته وترتكب بذلك جرائم يومية تعد انتهاكاً
فاضحاً لحقوق الإنسان.
ثانياً:
الدفاع عن أولئك الذين تلصق بهم التهم ويتم التشهير بهم وتجريحهم
عمداً في أي موقع في العالم تحت مسمى الاتهام بمعاداة السامية إذا
تجرأوا بالتحرك دفاعاً عن المبادئ والحقوق الفلسطينية ضد الممارسات
العدوانية والسياسات الإسرائيلية الغاشمة.
ثالثاً:
المبادرة بتوجيه اتهامات مضادة بالتشهير والقذف وبالبلاغ الكاذب وطلب
التعويض ضد من يوجه مثل هذه الاتهامات.
بغير ذلك
فإننا نكون قد تركنا الساحة الدولية مفتوحة على مصراعيها للقوي
الصهيونية لممارسة الابتزاز الدولي والإرهاب الفكري على كافة
المستويات في العالم تحت التهديد المستمر بإشهار ذلك السلاح الحاد
رغم كونه وهمياً هلامياً وهو معاداة السامية.
|