الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

الترسانة النووية الإسرائيلية

فاطمة شعبان*

صحيفة الوطن السعودية 11/3/2004

 

تنشغل "إسرائيل" اليوم بحكومتها وأجهزتها الأمنية وجهازها القضائي في إيجاد الوسائل من أجل تقييد حركة (مردخاي فعنونو) الخبير النووي الإسرائيلي المعتقل منذ ثمانية عشر عاماً بتهمة تسريب أسرار "إسرائيل" النووية، والذي سيطلق سراحه بعد حوالي شهرين، خوفاً من تسريب أسرار جديدة. وبالتزامن مع هذا الانشغال للحكومة الإسرائيلية، كشف كتاب أمريكي جديد أن الاستخبارات العسكرية الأمريكية قدرت في نهاية التسعينات من القرن الماضي أن عدد الأسلحة النووية التي تملكها "إسرائيل" يراوح بين 60 و80 قنبلة وأن هذا العدد قـد يصل إلى 85 سنة 2020. والكتاب وعنوانه "حرب رامسفيلد" ألفه روان سكاربورو مراسل صحيفة "الواشنطن تايمز" لدى وزارة الدفاع "البنتاجون".

 

وفي منتصف عام 2001 طالب رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ووزير المالية الحالي بنيامين نتانياهو بالكف عن سياسة الغموض بشأن السلاح النووي التي تعتمدها "إسرائيل"، والكشف عن الترسانة النووية الإسرائيلية من أجل ردع أقوى للعرب، واستثمار هذا الكشف في هذا الإطار، لأن سياسة الغموض حول الترسانة النووية الإسرائيلية لم تعد فعالة. وفي حينها هدد رئيس الوزراء الإسرائيلي أرئيل شارون بإرسال نتانياهو إلى السجن في حال كشفه مثل هذه الأسرار التي تتعلق بأمن "إسرائيل".

 

رغم التأكيدات من جميع الأطراف وآخرها وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد، بالدفاع عن حق "إسرائيل" بامتلاك السلاح النووي، فإن "إسرائيل" ما زالت تعتمد سياسة الغموض النووي كسياسة رسمية تقترب أحياناً من الاعتراف الرسمي، وتبتعد أحياناً إلى درجة تقترب من النفي، وتعتقد السياسة الإسرائيلية أن الغموض هو السياسة الأمثل تجاه المخاطر الخارجية. وقد كشفت الصحف الإسرائيلية قبل أشهر المناورة الإسرائيلية الكبرى في حرب السادس من تشرين، والتي تقول إنها عرَّضت السلاح للشمس لتراه الأقمار الصناعية الأمريكية وكانت هذه المناورة العامل الحاسم في حصول "إسرائيل" على الجسر الجوي الأمريكي الذي قلب نتائج الحرب.

 

رغم سياسة الغموض النووي الإسرائيلي وعدم الكشف عن سلاحها الذي لم يعد سراً على أحد بعد الكم الهائل من المعلومات التي تسربت عنه. إلا أن "إسرائيل" لم ترغب في الإعلان عنه طوال العقود الماضية، ولم تكشف الوثائق المتعلقة بهذا البرنامج في إطار القانون الإسرائيلي الذي يكشف عن الوثائق بعد ثلاثين عاماً وبقيت طي الكتمان.

 

وقد كشف شمعون بيريز رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق وأبو المشروع النووي الإسرائيلي في مطلع عام 2002 عن امتلاك "إسرائيل" لقدرات نووية. وقد تجاوز بيريز الحدود التي وصل إليها أي مسؤول إسرائيلي سابق بالاعتراف علناً بأن "إسرائيل" تمتلك قدرات نووية كبيرة تعود إلى التعاون الإسرائيلي - الفرنسي في المشروع النووي الإسرائيلي.

 

يعود التعاون النووي الإسرائيلي - الفرنسي إلى الخمسينات من القرن الماضي، ففي تلك الفترة أصبحت العلاقات بين البلدين أكثر قوة بسبب رغبتهما المشتركة في القضاء على حركات التحرر الوطني في المنطقة. فقد خشيت "إسرائيل" من أن يقود صعود نجم الرئيس المصري جمال عبد الناصر إلى إعطاء الدفع للمنطقة بخلق خصم مخيف لها، فيما واجهت فرنسا ثورة الجزائر المدعومة من عبد الناصر.

 

وسرعان ما اتحدت مصالح الطرفين في عام 1956 عندما وافقت "إسرائيل" على مساعدة فرنسا وبريطانيا في الحرب لمعاقبة عبد الناصر على خطوة تأميم قناة السويس. وفي نهاية أيلول عام 1956 وفي مدينة سيفرس القريبة من باريس رافق شمعون بيريز الذي كان مسؤولاً في وزارة الدفاع آنذاك ديفيد بن غوريون أول رئيس وزراء إسرائيلي للالتقاء بوفود بريطانية وفرنسية ومناقشتها حول ما يتوجب عمله خلال أزمة السويس. وقد انتظر الإسرائيليون مغادرة الوفد البريطاني قبل أن يطرحوا على الفرنسيين طموحاتهم النووية.

 

ويقول بيريز: "بعد أن انتهى الأمر تقريباً في سيفرس، أخبرت بن غوريون أن هناك أمراً واحداً لم نناقشه حتى الآن وهو الموضوع النووي، وطلبت منه أن يوكل هذه المهمة إليّ" ويضيف "من بين الدول الأربع التي كانت تملك قدرات نووية في ذلك الوقت وهي أمريكا وبريطانيا والاتحاد السوفيتي وفرنسا، وحدها فرنسا أبدت رغبتها في مساعدتنا".

 

ولدى سؤال بيريز عما إذا كانت "إسرائيل" قد طلبت مساعدتها في الحصول على مفاعل نووي، أجاب "لقد طلبت أكثر من ذلك، وطلبت أموراً أخرى أيضاً، مثل اليورانيوم وغيره، وخلال أيام قليلة ذهبت إلى بن غوريون وأخبرته أن الأمر سار على ما يرام". وبالفعل وافق بن غوريون على اشتراك "إسرائيل" في العدوان الثلاثي على مصر، وتم إنزال 400 مظلي إسرائيلي في شبه جزيرة سيناء كمرحلة أولى من الهجوم على مصر. وقد كانت الاتفاقية التي وقعتها "إسرائيل" مع فرنسا هي الأولى من نوعها، فحتى ذلك الوقت لم تقم أية دولة نووية بمساعدة دولة أخرى على تطوير قدراتها النووية.

 

يعيد فتح قضية فعنونو من جديد إلى الواجهة السلاح النووي الإسرائيلي، ويعيد الاعتراف الضمني الرسمي الإسرائيلي إلى الواجهة أيضاً. ويبدو أن "إسرائيل" تعتقد أن هذا الكشف الجزئي يأتي في الوقت المناسب، دون أن تدفع ثمناً سياسياً كبيراً كان يمكن أن تدفعه في ظروف دولية أخرى، ودون أن تتسبب في إشعال سباق تسلح في المنطقة، الدول العربية غير قادرة عليه في ظل الضغط الأمريكي الشديد عليها. وهي تسعى بذلك، إلى تعزيز قدراتها الردعية الآخذة بالتآكل.

 

ومن جانب آخر يبدو أن "إسرائيل" باتت تعتقد أن سياسة الغموض النووي التي اعتمدتها خلال العقود الماضية لم تعد تؤدي وظيفتها، وبالتالي فقدت مبرراتها، ويجب إعادة توظيف هذا السلاح الردعي من خلال الكشف عن وجوده الفعلي ومن مصادر رسمية إسرائيلية.

 

* كاتبة فلسطينية