مطاردة عرفات ميتاً
عبد الباري
عطوان
صحيفة
القدس العربي اللندنية 29/11/2004
من محاسن
الصدف، أن القضية الكبرى التي تستحوذ على اهتمام الإسرائيليين
وحكومتهم هذه الأيام هي مكان ميلاد الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر
عرفات. والشغل الشاغل لسفير هذه الحكومة في باريس هو كيفية إجبار
الحكومة الفرنسية على تصحيح خطأ تاريخي خطير وقعت فيه عندما قالت في
شهادة وفاته إنه من مواليد مدينة القدس وليس القاهرة، فياسر عرفات
يشكل رعباً للدولة العبرية في مماته مثلما كان عليه الحال في حياته.
هذه الوقاحة
الإسرائيلية المقززة بكل المقاييس، تكشف عن عقلية عنصرية حاقدة، وروح
انتقامية تريد الثأر من الرجل حتى بعد وفاته، بعد أن حاصروه في
حياته، وفرضوا عليه ظروفاً معيشية مهينة أدت إلى استشهاده مسموماً.
نسأل عن هذا
الخطر العظيم الذي يمكن أن يلحق بالدولة العبرية وحكومتها وشعبها إذا
بقيت شهادة وفاة الرئيس الفلسطيني على حالها، وما هو الإنجاز العظيم
الذي ستحققه حكومة شارون إذا أثبتت أنه مولود في القاهرة، وليس في
القدس المحتلة؟
كردية صلاح
الدين الأيوبي لم تنقص شيئاً من بطولاته التاريخية في تحرير القدس من
المحتلين الصليبيين، بل أكدت علي عمق عرى التلاحم الإسلامي في مواجهة
الخطر الخارجي وضربت مثلاً مشرفاً في التفاني من أجل استعادة الأماكن
المقدسة، كما أن سورية عزالدين القسام لم تقلل مطلقاً من جهاده في
فلسطين وهكذا.
الرئيس عرفات
رمز فلسطيني، وزعيم قاد مسيرة شعبه النضالية على مدى أربعين عاماً،
تحمل خلالها الكثير من المصاعب من قبل الأصدقاء والأعداء معاً، وكونه
ولد في القاهرة أو دمشق أو صنعاء أو القدس المحتلة لن يغير شيئاً من
احترام شعبه ومحبة مئات الملايين التي نعته في جميع أنحاء العالم،
وودعته بدموعها إلى مثواه المؤقت متنقلاً بين باريس والقاهرة ورام
الله.
لا نعرف كيف
سيعقد الشعب الفلسطيني سلاماً مع أناس على هذه الدرجـــة من العنصرية
والكراهية، يطاردون زعيمه حتى في قبره، ويتعمدون الإساءة إليه،
وتشويه سمعته، واستفزاز مشاعر كل من كان على صلة به، سياسية كانت أو
شخصية.
إن مثل هذه
الممارسات الحاقدة، التي تفتقر إلى أبسط قواعد اللياقة، والذوق، هي
التي تقتل الاعتدال وتشجع التطرف في الأوساط الفلسطينية، وتوفر
الأرضية الملائمة لتجنيد مئات وربما آلاف الاستشهاديين الفلسطينيين.
فمن كان
يتصور أن مركزاً يهودياً مثل مركز روزنتال المتخصص في مطاردة النازية
والنازيين يركز كل جهوده من أجل إثارة حملة ضد الحكومة الفرنسية
لإجبارها علي تغيير شهادة وفاة زعيم يملك رصيداً كبيراً من المحبة في
أوساط مئات الملايين في العالم، ولأسباب سطحية تافهة.
فعرفات لم
يكن نازياً، ولكن الصهيونية هي التي فعلت بالشعب الفلسطيني ما لم
يفعله النازيون باليهود، حيث يتعرضون بصفة يومية للموت والإذلال
وتدمير البيوت والمزارع، الفرق فقط في أدوات القتل وطرقه.
إن هذه
المواقف هي التي تؤدي إلى تصاعد موجة المعاداة للسامية، ليس فقط في
أوساط العرب والمسلمين، وإنما في أوساط الغربيين حلفاء "إسرائيل"،
ولهذا لم نفاجأ عندما أعرب ستون في المئة من الأوروبيين، في استطلاع
أجرته مؤسسة تابعة للاتحاد الأوروبي، عن اعتقادهم الراسخ بأن الدولة
العبرية وممارساتها الوحشية ضد الفلسطينيين هي أحد أبرز أسباب زيادة
العنف، إضافة إلى كونها مصدر خطر على أمن العالم واستقراره وسلامته.
إنه إرهاب
إسرائيلي للأموات، بعد أن اكتملت فصول إرهاب الأحياء من أبناء الشعب
الفلسطيني، وولغوا في قتل الأطفال والنساء وسفك دمائهم، وابتزوا
العالم بأسره بسبب معاناتهم، واستخدموا هذه المعاناة كجواز مرور
لارتكاب أبشع المجازر في حق شعب ضعيف أعزل.
لا يضيرنا
شيئاً أن يكون الرئيس عرفات مولوداً في القاهرة أو جاكرتا أو مراكش
أو صنعاء، بل يزيدنا هذا شرفاً على شرف، فنحن كشعب فلسطيني ننتمي إلى
أمة عربية عريقة، وأمة إسلامية أكثر عراقة، مثلما يشرفنا أن تكون أرض
فلسطين الطاهرة احتضنت الآلاف من الشهداء العرب والمسلمين الذين
انخرطوا في مسيرة التحرير، ولبوا نداء الواجب المقدس. ولكن ليقل لنا
السفير الإسرائيلي في باريس من أين جاء أكثر من تسعين في المئة من
مستوطني "إسرائيل"، بمن في ذلك مناحيم بيغن وشمعون بيريس وليفي اشكول
وناحوم غولدمان إلى آخر القائمة الطويلة.
نتمنى أن لا
تخضع الحكومة الفرنسية لمثل هذا الابتزاز الإسرائيلي، وأن ترفض كل
هذه المطالب غير الأخلاقية التي لا تحترم حرمة الأموات، مثلما لم
تحترم حرمة الأحياء، من أبناء الشعب الفلسطيني. فقد قدمت مثلاً
رائعاً في الكرم والتعاطف مع هذا الشعب عندما احتضنت زعيمه في لحظات
مرضه، وقدمت له كل الرعاية والتكريم حياً وميتاً.
أي تاريخ هذا
الذي يريدون تصحيحه، وهم الذين زوروا التاريخ وغيروا الجغرافيا
وكذبوا على العالم بأسره عندما قالوا إنه لا يوجد شيء اسمه الشعب
الفلسطيني، وأن فلسطين صحراء بلا شعب!
مرة ثانية
وعاشرة، نؤكد أن السلام والتعايش مع عقلية كهذه تحمل كل هذا الكم من
الكراهية والحقد، أمر صعب للغاية لأنها عقلية تحرض على الإرهاب
والتطرف، وتزرع بذور عدم الثقة، وترسخ الفصل العنصري. ولهذا نجد
أنفسنا أمام مستقبل قاتم، ومتشائمين كلياً في ما يتعلق بمسألة السلام!
|