الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

الأسيرات العربيات المغتصبات .. التحدي والاستجابة

 

بقلم: عوني فرسخ

 

صحيفة البيان الإماراتية 26/5/2004

 

قبل نحو شهرين أجرت «هآرتس» حواراً معمقاً مع كبير المؤرخين الإسرائيليين الجدد بني موريس، بمناسبة قرب صدور كتابه الجديد «إطلالة جديدة على مشكلة اللاجئين الفلسطينيين». ومن بين ما قاله إنه بعد بحث معمق في أرشيف الجيش الإسرائيلي تبين له أنه خلال شهري أبريل ومايو 1948 صدرت أوامر شفوية من بن غوريون لقادة الهاجاناه لاقتلاع الفلاحين العرب وطردهم من قراهم وتدمير القرى. وأنه كانت هناك عدة حالات اغتصاب لفتيات عربيات.

 

كان يشترك في العملية أكثر من جندي واحد. وعادة كان عدد الفتيات العربيات يبلغ واحدة أو اثنتين، وفي نسبة كبيرة من الحالات انتهى الأمر بالقتل. وبسؤاله عن عدد حالات الاغتصاب التي حدثت سنة 1948 أجاب: اثنتا عشرة حالة تقريباً، وبعد أن أشار لبعض حالات الاغتصاب التي اقترفت في يافا وقرى الجليل ووسط البلاد، أضاف وهناك حالات أخرى، ثم أردف موضحاً:

 

«ونظراً لأنه لم تكن هناك رغبة لا لدى الضحايا ولا لدى المعتدين بالإبلاغ عن هذه الحوادث، فإن علينا أن نفترض أن حالات الاغتصاب التي تم الإبلاغ عنها، وعثرت عليها، لا تمثل الحكاية كلها، وإنما هي مجرد القمة من جبل الجليد ».

 

ذلك ما حصل في فلسطين سنة 1948، ولأن تكنولوجيا التصوير والتسجيل لم تكن يومذاك قد حققت التقدم الذي نعايشه لم يجر تسجيل ذلك على أشرطة الفيديو كما حدث للأسيرات العراقيات في سجن أبي غريب وغيره من سجون ومعتقلات قوات الاحتلال في طول العراق وعرضه. ولكن فلسطين لم تحرم نصيبها من ثمار التقدم التكنولوجي الذي تمتلكه قوات الاحتلال.

فقد أفادت إحدى الأسيرات المحررات مؤخراً، والتي لم ترد الكشف عن اسمها، أن خمس عشرة أسيرة اغتصبن في أحد السجون الإسرائيلية. فيما أفادت أسيرة أخرى محررة أن المحقق هددها بالاغتصاب من قبل جندي ضخم الجثة إذا لم تعترف. وإنها بينما كانت في طريقها لزيارة الأردن فوجئت في نقطة الحدود على جسر الملك حسين التي يشرف عليها الصهاينة بأن عرضت عليها الصور التي أخذت لها وهي عارية، في تهديد كي تلتزم الصمت ولا تتحدث عما تعرضت له وزملاؤها وزميلاتها من تعذيب.

 

وقد أفاد السجناء العراقيون المفرج عنهم أن أسيرات عراقيات، كن قد حملن سفاحاً إثر اغتصابهن، وضعن مواليدهن في السجن مؤخراً. مما يدل على أن جريمة الاغتصاب في سجون ومعتقلات العراق المحتل استخدمت في انتزاع اعترافات الأسيرات والأسرى منذ أيام الاحتلال الأولى.

 

الأمر الذي يعني أنها من جملة الإجراءات الموصى باعتمادها من قبل المحققين لإطلاق ألسنة الأسرى والأسيرات الممتنعين عن البوح بما يكتمونه من أسرار. والجدير بالتنبه إليه عند البحث في جرائم الاغتصاب التي مورست في فلسطين سنة 1948، وتلك التي لما تزل تمارس في سجون ومعتقلات فلسطين والعراق المحتلين، تميزها بكونها جرائم اغتصاب سياسي مختلفة كيفياً عن جرائم الاغتصاب التي تقترف أحياناً في الحروب والثورات، بما في ذلك تلك التي اقترفها الجنود الأميركان في الحرب العالمية الثانية وحرب فيتنام. ذلك لأنها جرائم اغتصاب سياسي الدوافع والغايات، لم يمارسها مقترفوها لإشباع غرائز جنسية مكبوتة وإنما للإذلال والإكراه لغايات التحقيق، إذ هي صدرت عن جنود في جيوش تشارك فيها المرأة بنسبة ملحوظة، ففي ربيع سنة 1948 بلغت القوات الصهيونية من مختلف التنظيمات مائة ألف بينهم عشرون ألف فتاة. فضلاً عن أن الممارسات الجنسية متحررة إلى حد بعيد من الضوابط الاجتماعية لدى كل من التجمع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين والمجتمع الأميركي.

 

وعليه يمكن القول، وبكثير من الثقة، إن الدافع الذاتي الجنسي شبه منعدم، إن لم يكن منعدماً تماماً، في الحالتين الصهيونية والأميركية. وحين ترتبط عمليات الاغتصاب في فلسطين سنة 1948 بعوامل اقتلاع المواطنين العرب من مدنهم وقراهم. وحين لا يأتي المؤرخ المدقق بني مورس وغيره من المؤرخين الإسرائيليين الجدد، على ذكر العقوبات التي أنزلت بمقترفي جريمة اغتصاب الفتيات العربيات وقتلهن يومذاك. ففي ذلك دلالة على أن عمليات الاغتصاب تلك إنما كان موصى بها هي الأخرى، كي تسهم مع المجازر، التي أوصى باقترافها بن غوريون وغيره من القادة، في إفراغ أرض فلسطين من شعبها العربي تحقيقاً للشعار الصهيوني «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض».

 

ولا أحسب أنها جاءت عفوية التوصية باعتماد جريمة الاغتصاب للإسراع في تهجير المواطنين العرب سنة 1948، ولا لانتزاع الاعترافات المطلوبة من الأسيرات في سجون ومعتقلات فلسطين والعراق المحتلين. وإنما هي نتاج دراسة للثقافة والقيم وأنماط السلوك العربية، وإدراك أهمية شرف المرأة عند الإنسان العربي، ذكراً كان أم أنثى، متعلماً كان أم أمياً. وكل من عايش نكبة 1948 لابد أنه يذكر الأثر السلبي الكبير للشائعات التي أطلقت يومذاك حول اغتصاب الصهاينة للنساء العربيات. ولكم تردد في تلك الأيام السوداء المثل الشعبي العربي «الأرض ولا العرض» . ويمكن الجزم أن تقديم الحرص على شرف النساء وعروضهن على الصمود في الأرض كان من أبرز العوامل التي تسببت بالهجرة على نطاق واسع، خاصة في الريف الفلسطيني.

 

وكثيرة هي الروايات الفلسطينية في أعقاب نكسة 1967 عن استغلال صور الفتيات العربيات العاريات والممارسات الجنسية الشاذة للعديد من الشباب، في إيقاع كثير من الشباب والفتيات في شباك الاستخبارات الصهيونية، وتحويل غير يسير منهم بالإكراه المعنوي إلى عملاء وعميلات، يكلفون برصد أنشطة المقاومة وتنقلات قادة المنظمات، ويسارعون بالإبلاغ عنهم، تحسباً من الفضيحة الاجتماعية المتوقعة بنشر تلك الصور إن هم تقاعسوا عن القيام بالمهام المسندة إليهم.

 

وأن يكون الواقع كذلك في الماضي كما في الحاضر فنحن أمام ظاهرة استغلال الثقافة الشعبية والقيم الحضارية العربية. الأمر الذي يشكل تحدياً للمجتمع كما للفرد العربي. وهو تحد يفرض على مثقفي الأمة، وبخاصة علمائها الاجتماعيين، تقديم الاستجابة المؤهلة للحيلولة دون استغلال الأعداء لأحد أنبل القيم العربية، ألا وهي قيمة احترام المرأة وتقديس طهرها. وبحيث لا يسمح لعدو لا يقيم لشرف المرأة أي اعتبار مواصلة استغلال ثقافتنا الشعبية وقيمنا الاجتماعية في تحقيق أغراضه. وأول ما ألاحظه في محاولة الاجتهاد بتقديم الاستجابة للتحدي الذي يمثله العدوان على شرف الأسيرات في فلسطين والعراق المحتلين، أن هذه النخبة المتميزة من النساء والفتيات العربيات لم يلق بهن من السجون والمعتقلات في جريمة أو جنحة تعيب أيا منهن، وإنما لممارسة بعضهن للمقاومة الواجبة شرعاً والمجازة في القانون الدولي. وإما لأنها قريبة مناضل عجزت قوات الاحتلال عن اعتقاله أو استنطاقه. وعليه فجميعهن، ومن غير استثناء، ينتسبن لأنبل ظاهرة في التاريخ العربي المعاصر، ألا وهي ظاهرة المقاومة في الأراضي العربية المحتلة.

 

وفضلاً عن ذلك ما كانت إحداهن لتعذب أو تغتصب لولا أنها امتلكت شجاعة تحدي المحققين والمستجوبين، واحتفظت بإرادتها عصية على الاستلاب، ورفضت بإباء وشمم كل الاغراءات التي في حكم المؤكد أنها عرضت عليها. فمنهن من امتنعت عن الإفصاح بما تعلمه من أسرار المقاومة التي شاركت فيها. ومنهن من تكتمت على أخبار مقاومين مطلوبين. ومنهن من تقدم شرف الوطن عند قريبها على شرفه الشخصي فآثر أن يشهد اغتصاب أخت أو ابنة أو أم ولا يخون القضية التي نذر لها نفسه. وعليه فالأسيرات المغتصبات، جميعهن ومن غير استثناء، مناضلات ورموز بطولة.

 

وأن يكون هذا هو التوصيف الحقيقي والواقعي للأسيرات المغتصبات، وهو كذلك يقيناً، فإن لكل منهن حقاً واجباً على كل عربي وعربية يقدران الشرف والمقاومة. وأول ما يتوجب لهذه النخبة المتميزة من كرائم نساء العرب وفتياتهم النظر إليهن في ضوء حقيقة أنهن لم يقترفن جرماً، ولا جاءت إحداهن بفاحشة، وإنما تميزن بصلابة الإرادة وشرف الإباء والامتناع عن السقوط.

 

بل وأن ينظر لاغتصابهن باعتباره الثمن الغالي الذي دفعنه في معركة الأمة ضد التحالف المضاد بكل أجنحته الإقليمية والدولية والمحلية وفضلاً عن ذلك كله، هل كانت الأسيرات العربيات في فلسطين والعراق قد تعرضن للاغتصاب لو لم يكن شرف الأمة مغتصباً، وأمنها منتهكاً قطرياً وقومياً، وأرضها مستباحة من كل باغ وطامع ؟!!

وأليست جريمة اغتصاب الأسيرات إلا من بعض نتائج عجز الأمة العربية عن تقديم الاستجابة الفاعلة في مواجهة تحدي الاستعمار الاستيطاني الصهيوني والهيمنة الأميركية ؟!! .

 

وبالتالي فهذه الفئة المتميزة من النساء العربيات اللائي تعرضن للاغتصاب لا تعدو كونهن ضحايا عجز صناع القرار العربي، الرسمي والشعبي، عن توظيف الإمكانيات والقدرات المتوفرة والمتاحة التوظيف الأمثل، وقصورهم بالتالي عن تقديم الاستجابة الفاعلة في مواجهة الإشكاليات الداخلية والتحديات الخارجية. 

 

ثم هل تدنيس شرف وامتهان كرامة الأسيرات العربيات في سجون ومعتقلات فلسطين والعراق قاصر على من وقعت عليهن جريمة الاغتصاب أم أن شرف الأمة هو الذي دنس وكرامتها هي التي امتهنت في شخص هذه الفئة المتميزة بنضالها وإبائها وصمودها من النساء العربيات؟ وهل إن الدور الذي لعبه شعار «الأرض ولا العرض، في تهجير عرب فلسطين سنة 1948 اقتصرت آثاره الكارثية على الشعب العربي الفلسطيني. أم أن الأمة جمعاء لما تزل تدفع ثمناً غالياً لغياب إدراك أن التفريط بالأرض يؤدي إلى التفريط بالأعراض والمحارم والمقدسات كلها، وأن شرف البنت فرع عن الشرف الوطني. وأن تكون دوافع وغايات جريمة اغتصاب الأسيرات العربيات سياسية بالدرجة الأولى، فإنها في التحليل الأخير جريمة تستهدف الشعب العربي في فلسطين والعراق بداية وعلى مدى الوطن العربي في النهاية.

 

والتحدي الذي تمثله جريمة الاغتصاب بالتالي وطني وقومي، وليس تحدياً شخصياً أو عائلياً قاصراً على الأسيرات المغتصبات وذويهن. وأن يكون الأمر كذلك، وهو كذلك بيقين، فإن الشعبين الفلسطيني والعراقي، والأمة العربية من بعدهما، المسؤولون أخلاقياً وتاريخياً عن تقديم الاستجابة المطلوبة في مواجهة تحد هو وطني وقومي بدوافعه وغاياته.

والاستجابة الفاعلة لا تكون فقط بشجب الجريمة النكراء، وإدانة مقترفيها، وتعميم الشجب والإدانة بكل وسائل الإعلام المتاحة. كما أنها لا تقتصر على فضح الثقافة العنصرية المسكون بها حتى النخاع صناع القرار وموجهو الثقافة والإعلام الصهاينة والمحافظون الأميركيون الجدد.

 

وإنما قبل الشجب والفضح وأهم منهما مراجعة المفاهيم والمقولات والممارسات العربية ذات الصلة بالمرأة والشرف في ضوء متغيرات ومستجدات زمن التغول الأميركي والعربدة الصهيونية والتصاعد المتنامي للمقاومة العربية، والذي من أبرز مستجداته على هذا الصعيد تزايد مشاركة المرأة العربية في مقاومة المحتلين وأداء فتيات في ربيع العمر وروعة الصبا مهام في غاية الأهمية والخطورة.

 

وأن تغدو المرأة العربية مشاركة تتزايد أهمية دورها في الحراك السياسي عامة، والمقاومة خاصة، فمعنى ذلك أن المجتمع العربي بات مرشحاً لأن يشهد تزايداً طردياً في أعداد الأسيرات، ليس في فلسطين والعراق فحسب، وإنما في الأقطار العربية الأخرى المرشحة للغزو والاحتلال.  وحيث مدد مجلس الأمن قرار عدم مساءلة الجنود والمرتزقة الأميركيين عما يقترفونه من جرائم خارج بلادهم إلا أمام المحاكم الأميركية، غير البريئة من المشاعر العنصرية. فضلاً عن عدم مبالاة الصهاينة بالرأي العام العالمي وانتهاكهم المتواصل لاتفاقية جنيف لسنة 1949 وأحكام القانون الدولي. وفي ضوء هذه الحقيقة وتلك، والتعاطي الرسمي الأميركي والبريطاني مع ما تكشف من فضائح التعذيب والاغتصاب.

 

الاحتمال الأرجح أن تتواصل عمليات التعذيب والاغتصاب في السجون والمعتقلات الصهيونية والأميركية ـ البريطانية على الأرض العربية. وأول ما هو مطلوب اجتماعياً في مواجهة التحدي القائم والمتوقع إنما هو استيعاب كل أسيرة مغتصبة في محيطها الاجتماعي، لا باعتبارها ضحية وإنما بصفتها مناضلة، دفعت ثمن رفضها استلاب إرادتها وتحولها إلى عميلة للعدو المغتصب.

 

وهذا يعني إعادة النظر جذرياً فيما اعتادته المجتمعات العربية تجاه حالات الاغتصاب العادية. ذلك لأن الاغتصاب حين يكون سياسي الدوافع والغايات فان ما يصح تجاه ضحيته يجب أن يرقى لمستوى الموقف البطولي الذي بسببه اغتصبت. ولنضع في الاعتبار أن إشعار ضحايا الاغتصاب باحترام مجتمعهن لهن. وتقديره للموقف الذي دفعن فيه الثمن الغالي. هذا التقدير وذاك الاحترام حين يصدران عن أسرة الضحية ومحيطها الاجتماعي في غاية الأهمية لتمكينها من مواجهة كل محاولات الابتزاز التي قد تتعرض لها من زبانية العدو وعملائه.

 

وقد يقول قائل ليس سهلاً أن يتقبل المجتمع العربي، خاصة على الصعيد الشعبي، ما تدعو إليه من التعامل مع جريمة الاغتصاب السياسي على نحو متميز عما اعتاده تقليدياً. ولكن أليست «الضرورات تبيح المحظورات» كما قال كبار فقهائنا؟ وأليس ما أدعو له هو الوسيلة الأمثل والأكرم لمواجهة المآسي القائمة والحيلولة دون مآس أفظع قادمة ؟

 

ثم ألم تجر العادة في مجتمعنا على أن يقوم ابن العم بستر فضيحة ابنة عمه بالزواج منها ؟ فهل تجد هذه الفئة المتميزة بحق من الفتيات العربيات مناضلين متطوعين للزواج منهن، ليس لستر عارهن، إذ حاشاهن أن يكون قد مسهن العار، وإنما لتمكينهن من ممارسة الحياة الطبيعية في كنف زوج يتفهم حالتهن ويقدر نضالهن، ويؤمن لهن دفء العائلة، فضلاً عن تحصينهن ضد كل محاولات الابتزاز والإغواء؟

 

وفضلاً عن ذلك كله فإنه للحيلولة دون أن يكون للعرب في مقبلات الأيام أسيرات مغتصبات وأسرى مهانين، ليس غير العمل الجاد والصادق لتحقيق كل ما من شأنه استعادة المنعة الوطنية والقومية. الأمر المستحيل تحقيقه عملياً إذا ما تواصل واقع التجزئة والتخلف والتبعية. وعليه يغدو مبرراً ومنطقياً القول بأن الاستجابة للتحدي المتمثل في اغتصاب الأسيرات العربيات لن تكون فاعلة ومجدية إلا بالعمل الجاد والصبور لتحقيق التكامل القومي وإقامة «الاتحاد العربي» الديمقراطي، المتقدم اقتصادياً والمستنير فكرياً والمتطور ثقافياً، والملتزم بشعار «حماية الأرض سبيل صيانة العرض». ودون ذلك بكائيات لا تجدي في زمن التغول الأميركي والعربدة الصهيونية.