الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

أطفال فلسطين:

وقائع العذاب بين السجن الأكبر والسجن الأصغر

 

صحيفة الاتحاد 2./3/2..4

 

"دخل ثلاثة رجال مقنّعون آخرون إلى الغرفة وعصبوا عيني ووضعوا رأسي في كيس...ثم انهالوا عليّ بالصفعات والرفسات وضربوني بأنبوب وبكل ما وقعت عليه أيديهم. لم أرَ شيئاً لأنني معصوب العينين. فقدت الشعور بكل شيء إلا الضربات. دام الأمر 15 دقيقة أجلسوني بعدها على كرسي وأمروني بالإمساك بأنبوب مثبت إلى الجدار، ثم أزاحوا من تحتي الكرسي وتركوني معلقاً في الهواء ويداي المكبلتان بالأغلال ممسكتين بالأنبوب وثقل جسمي المتدلي في الهواء يشد ذراعي إلى أسفل".

 

المشهد يا سادة ليس من فيلم آلام المسيح، ولا المتحدث أنا ولا هو سجين سياسي عربي معتّق، ولا سفّاح في الغرب ذبح مئة امرأة ثم سلخ جلودهن وصنع منها معطفاً. أما تعليق الراوي في الهواء كالخروف بعد ذبحه فإنه لا يحدث إلا هنا، وهنا حصراً، في بلد حوله 3.. مليون إنسان معظمهم مكبلٌ ورهين مختلف السجون، لكن ليس كمحدّثنا الطفل إسماعيل سباتين الذي لا يتجاوز عمره الآن 17 عاماً، والذي روى للتو فصلاً ضئيلاً من تجربته في السجون الإسرائيلية التي أحالت حياة كثير من الأطفال الفلسطينيين إلى جحيم لا يطاق وشكّل محور كتاب هو الأول من نوعه وصدر منذ أيام تحت عنوان: (الشباب المسروق: سياسات "إسرائيل" في احتجاز الأطفال الفلسطينيين)، وهو ثمرة لعمل ضخم قام به ثلاثة مؤلفين من الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال-فرع فلسطين، وهم كاثرين كوك منسقة وحدة الإعلام والبحث في المنظمة غير الحكومية، وآدم هنية منسق الدفاع في الحركة، وأداه كي الذي عمل في صفوف الحركة كمتطوّع.

 

ويستند الكتاب إلى معلومات موثّقة مستمدة مباشرةً من جماعات حقوق الإنسان والمنظمات غير الحكومية المحلية والدولية العاملة في الضفة الغربية وغزة، إضافة إلى شهادات من مجموعة من المحامين الإسرائيليين والفلسطينيين الذين حاولوا تمثيل السجناء الصغار في المحاكم.

 

ويقدّم الكتاب أيضاً نصوص المقابلات التي أجريت مع أطفال فلسطينيين ذاقوا أهوال السجون الإسرائيلية، وهي المسألة الملحّة التي وثقتها منظمة العفو الدولية وإعلان حقوق الطفل، لكنها ما تزال المشكلة التي لم يتطرق إليها المجتمع الدولي بالحل والمحاولة حتى الآن على الإطلاق.

 

ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام رئيسية:

القسم الأول: أتى تحت عنوان الإطار والسياق، وهو يعرض للمسائل الرئيسية ويقترح إطاراً لفهم سياسة "إسرائيل" حيال المعتقلين الفلسطينيين، ولا سيّما الأطفال.

 

أمّا القسم الثاني: فيحمل عنوان "من الاعتقال حتى آخر فترة السجن"، ويقدم، في مئات من الإفادات والشهادات التفصيلية، معاينةً للتجارب الحقيقية التي خاضها الأطفال منذ اللحظة التي أطبقت فيها عليهم أيدي وبنادق الجنود الإسرائيليين، إلى لحظة خروجهم من عتمة السجن بعد أن ذاقوا كل المرارة.

 

وأتى الجزء الثالث بعنوان: "التحليل والخلاصات" ليقدم تحليلاً مفصلاً لأسباب الاعتقال وتأثير ذلك في حياتهم ومجتمعهم ككل وفي تركيبة الأسرة الفلسطينية، وهو جزء يستمد أهميته من حقيقة أن الطفل الفلسطيني المقهور الأعزل هدف لرصاص الجنود الإسرائيليين الذي سينتظره في مقبل الأيام إن نجا منه أو من السجن؛ وهو أيضاً جزء يرسم الملامح الرئيسية لنظام التمييز الذي تمارسه الدولة الإسرائيلية إلى جانب التعذيب، كما يتحدى، بحسب قول كاثرين كوك، شرعية حجة وخرافة أمن "إسرائيل" ويفضح زيفها، ويقرّر أن معاملة المعتقلين الفلسطينيين تشكل أحد أعمدة سياسة مصممة لترسيخ الاحتلال ولإخماد أية مقاومة تواجهه.

 

قدّم الكتاب أرقاماً وحقائق منها، على سبيل المثال لا الحصر، أن هناك في أي وقت مئات من الأطفال الفلسطينيين قيد الاعتقال في السجون الإسرائيلية، حيث وصل عددهم في مطلع عام 2..3 إلى 35. طفلاً سجيناً، وفي عام 2..3 تراوحت أعمار 2.% من مجموع هؤلاء السجناء ما بين 13 و14 سنة، لكن هناك بينهم من لم يتجاوز التاسعة من عمره.

 

وربما لا يوجد في العالم اليوم من لا يعلم أن الجنود الإسرائيليين المدججين بالسلاح يعتقلون الطفل الفلسطيني الأعزل في منتصف الليل ويسحبونه عنوة من بين ذراعي أمه أو من بقي من أهله، ثم يأخذونه إلى مراكز الاعتقال في المستوطنات أو معسكرات الجيش ليحققوا معه بأساليب منها حرمانه من النوم والطعام، الضرب بالهراوات، التفنن في ضربه ورفسه، تكبيله بالقيود وشد وثاقه بطريقة مؤلمة أو تعليقه في الهواء، وضع رأسه في المرحاض وصب الماء البارد عليه ثم ضربه في عزّ البرد.

 

وبعد ما يُدعى بالتحقيق، وهو دوماً لأسباب مفتعلة لا تبرر تعذيب هؤلاء الأبرياء، يتم جرّ الأطفال الفلسطينيين إلى المحاكمة الشكلية غير المنطقية في المحاكم العسكرية المخصصة للكبار، والتي لا يقف أمام قوسها الأطفال الإسرائيليون الذين تعتبرهم أطفالاً ما داموا تحت سن الـ18، لكنها تحكم على الطفل الفلسطيني بالسجن في داخل "إسرائيل" ليلقى معاملة السجناء البالغين في خيام منصوبة على الإسفلت يأكلون تحتها أقذر الطعام وأسوأه. أما زيارة الأطفال السجناء فأمر من سابع المستحيلات إذا كان في سن 16 أو أكثر، وهي تبقى غير ممكنة عملياً بسبب تواصل إغلاق المناطق المحتلة.

 

إن السجن يشكّل واحداً من الملامح المركزية الرئيسية في حياة الفلسطينيين، الذين باتت أرضهم بعد بناء ما يسمى بالسياج الأمني أو الجدار الفاصل أو العازل، أشبه بسجن أكبر يضيف إلى عذابات السجن الأصغر.

 

يقول الكتاب إن أكثر من 6.. ألف فلسطيني قضوا منذ عام 1967 فترات متفاوتة في السجون التي تخترق كل وجه من وجوه الحياة الفلسطينية وتعيث فيها دماراً.

 

يقدم الكتاب الصادر باللغة الإنجليزية وثيقة حيّة ومفصلة لحقيقة ووقائع الأوضاع المزرية التي يعيش فيها الأطفال الفلسطينيون، ونكاد نرى فيه غياباً شبه تام للخطاب والرأي أو حتى إطلاق الصفات والنعوت. وفي الحقيقة أنه يترك الأدلة لتتحدث بنفسها بكل بلاغة وتعبير عن أوضاع الأطفال الفلسطينيين في السجن الأكبر والأصغر.

 

ويكتسب الكتاب أهمية خاصة باعتباره يقدم إلى القرّاء الغربيين، وعموم الناطقين بالإنجليزية، مشاهد حيّة مرسومة بموضوعية ومنهجية حيادية توثيقية ولا سياسية بأيدي مؤلفين تبنوا قضية الدفاع عن الأطفال وحقوقهم وسلامتهم، وإن كان الإعلام في كل العالم يقدّم – بموضوعية أو بانحياز - طوفاناً من الصور والمشاهد الحية والتقارير والصرخات، إلى جمهور عربي متخم سلفاً، وإلى جمهور غير عربي من المتوقع أن يتلقف الكتاب الذي ربما، ربما فقط، قد يضيف إلى جملة تيار العدالة ومناهضة الظلم الواقع على أطفال فلسطين.

محمود يوسف سليمان

ــــ

عنوان الكتاب: الشباب المسروق: سياسات إسرائيل في احتجاز الأطفال الفلسطينيين

المؤلفون: كاثرين كوك، آدم هنية، أداه كي

دار النشر: Pluto Press

تاريخ النشر: مارس، 2..4 .