"إسرائيل".. البقرة المقدسة
حسام
عبدالحميد*
صحيفة
الراية القطرية 23/10/2004
أعلم جيداً
أن هذا المقال وعنوانه يكفيان لأن يضعاني علي قائمة المتهمين بمعاداة
السامية وأن أكون ضمن الطليعة الأولى لضحايا قانون بوش الذي وقع عليه
الأسبوع الماضي رغم المعارضة الشديدة للخارجية الأمريكية والذي
يلزمها بإحصاء الأعمال المعادية للسامية حول العالم وتقديم مواقف
الدول من هذه المسألة وتقديم لائحة بعمليات الرد عليها.
ويبدو أن
الانحياز الأعمى تجاه "إسرائيل" من جانب الرؤساء الأمريكيين -مع
تفاوت في النسب- قد أصبح البند الأول من الدعاية الانتخابية لأي رئيس
يريد أن يكسب الصوت اليهودي بغض النظر عن أخلاقية مثل هذه التصرفات
ومدى اتساقها مع القوانين الدولية.
وفي أحدث
حالة من حالات النفاق الانتخابي وقع الرئيس بوش القانون السابق الذكر
والمسمي بقانون معاداة السامية وأعلن وسط حشد انتخابي في ولاية
فلوريدا ثالث أكبر جالية يهودية في العالم بعد "إسرائيل" ومنطقة
نيويورك أن القانون الجديد سيسمح بوضع لائحة بجميع الأعمال المعادية
للسامية في العالم ولائحة بعمليات الرد الواجبة علي هذه الأعمال.
ومن كلماته
المأثورة في هذا الحشد قال بوش إن هذه الأمة ستكون متيقظة وستعمل
بطريقة لا تتمكن معها الأفكار القديمة المعادية للسامية من إيجاد وطن
لها في العالم المعاصر وقال أيضاً: إن الدفاع عن الحرية يعني أيضاً
مهاجمة الشر الذي تجسده معاداة السامية .
من الواضع أن
توقيت التوقيع والإعلان عن هذا القانون يهدف إلى استمالة الصوت
الانتخابي اليهودي حيث يشكل اليهود كثافة سكانية في ولاية فلوريدا
(27 صوتاً انتخابياً) كما أن هذه الخطوة سوف تكسبه دعماً انتخابياً
لا بأس به في بنسلفانيا (21 صوتاً)، وأوهايو (20 صوتاً) وديسكونس (10
أصوات) حيث توجد جالية يهودية معتبرة في هذه المناطق.
ولن يكون هذا
القانون مجرد فرقعة إعلامية كما أنه لن يكون مجرد عملية رصد لما
يعتبره معاداة السامية بل سيضع لائحة لعمليات الرد الواجب وهو ما
يعني إنزال العقوبات بالأفراد والدول المتهمة بهذه التهمة أو على
الأقل استخدامها كورقة الضغط كما هو الحال في ورقة حقوق الإنسان
وحقوق الأقليات.
والملاحظ أن
ثمة مزايدة بين المرشحين بوش وكيري في الانتخابات الرئاسية الأمريكية
على كسب الصوت اليهودي والمثير للدهشة أن تبني بوش للقرار جاء قطفاً
لثمار الجهود التي بذلها النائب الديمقراطي توم لانتوس اليهودي
المتطرف المعادي للعرب والمسلمين الذي قدم القانون للكونجرس الأمريكي
الذي أقره بمجلسيه.
لقد جعل
القرار "إسرائيل" بقرة مقدسة لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها أو حتى
مجرد توجيه الانتقاد لها سواء في أوروبا أو العالم الإسلامي والعربي
لأن ذلك سيكون معاداة للسامية.
ف"إسرائيل"
وفق هذا القانون أيضاً حالة استثنائية ودولة فوق القانون فلها الحق
أن تقتل وتعربد في فلسطين دون أدنى مسؤولية سياسية أو دولية أو
أخلاقية ولها الحق أن تمتلك رؤساً نووية والدول العربية والإسلامية
ودول العالم الثالث عموماً ليس من حقها حتى امتلاك الأسلحة التقليدية.
من حق
"إسرائيل" أن تبني جداراً عنصرياً رغم عدم شرعيته وفقاً لقرار محكمة
لاهاي ولا أحد يجرؤ أن يقف في وجهها لأن تهمة معاداة السامية ستكون
بانتظاره ومن حقها أن تنقل عملياتها ضد الفلسطينيين خارج الأراضي
المحتلة ولا أحد يتفوه ببنت شفة ويقول إن هذا إرهاب.
لقد أصبحت
تهمة معاداة السامية سيفاً مسلطاً علي رقاب أوروبا والعالم العربي
والإسلامي وتحت هذا السيف باتت أوروبا مرعوبة حتى من القيام بدور
وسيط في عملية السلام ليس هذا فحسب بل حتى من نشر كتاب أو عرض مسرحية
كما حدث في معرض فرانكفورت في ألمانيا حيت تمت مصادرة بعض الكتب
العربية بدعوى أنها ضد السامية وفي فرنسا تم منع عرض كوميدي بالتهمة
ذاتها.
وكلنا يذكر
كيف انتفضت أمريكا و"إسرائيل" ضد المسلسل المصري فارس بلا جواد بدعوى
معاداته للسامية والحملة المشهورة ضد المفكر الإسلامي روجيه جارودي
وكذلك إبراهيم نافع رئيس تحرير الأهرام المصرية، بل إن جاليري لعرض
بعض الأعمال الفنية لا تتحمله "إسرائيل" لو كان فيه بعض ما يسييء
إليها من وجهة نظرها كما حدث في جاليري نرويجي يضم بعض اللوحات التي
اعتبرت السفيرة الإسرائيلية أن واحدة منها تزعج اليهود ولعل إقالة
نائب مدير إذاعة فرنسا الدولية بسبب تصريحاته التي وصف فيها
"إسرائيل" بأنها دولة عنصرية أحد الوقائع في هذا الإطار وهناك العديد
من الوقائع الأوروبية والفرنسية بالذات وكذلك العديد من الوقائع
العربية والإسلامية التي تؤكد أن اللوبيات الإسرائيلية في أمريكا
وأوروبا والعالم أجمع قد رفعت درجة جاهزيتها إلى اللون البرتقالي في
إطار حملة منظمة تضمن الحصانة الدولية لإسرائيل من أي انتقاد حتى لو
كان المطالبة بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
الأمر جد
وليس هزلاً فقد أعدت الإدارة الأمريكية آليات تنفيذ قانون معاداة
السامية الذي يلزم الخارجية الأمريكية بوضع تقرير سنوي حول معاداة
السامية في العالم ونشره في إطار تقريرها حول حقوق الإنسان، كما سيتم
إنشاء دائرة داخل الوزارة تقوم بإحصاء الأعمال المعادية السامية ووضع
استراتيجيات لمكافحتها، كما يتضمن القانون تعيين مبعوث دبلوماسي خاص
لمراقبة انتقاد اليهود والعمل علي حمايتهم مع دول العالم.
وبالتالي لن
تكون تهمة الإرهاب هي التهمة الوحيدة الموجهة للعرب والمسلمين ولكن
ستنضم إليها تهمة أخرى اسمها معاداة السامية وكلتاهما تصب في مصلحة
"إسرائيل"، فالمتبرع بالمال لدعم إخوانه الفلسطينيين عليه أن يختار
نوع المحاكمة بأن يحاكم بتهمة الإرهاب لأنه يدعم الإرهابيين أو يحاكم
بتهمة معاداة السامية لأنه يحض علي كراهية "إسرائيل" ومحاربتها.
من حق أمريكا
حماية "إسرائيل" باعتبارها الابنة المدللة لكن ليس من حقها منحها
الحصانة ضد أية مساءلة أو انتقاد في مساومة انتخابية مكشوفة تنتقص من
الحقوق المشروعة للفلسطينيين وتعلي من قدر دولة خارجة علي القانون
ونشأت بالإرهاب وعاشت عليه.
وإذا كان
شارون قد بني جداراً عنصرياً عازلاً فإن بوش قد بني جداراً هو الآخر
ليحمي "إسرائيل" بالقانون من أن يمسها أحد بسوء أو حتى يجرؤ على
انتقادها.
إننا في زمن
الإمبراطورية الأمريكية الذي انقلبت فيه الأمور وأصبح الحق باطلاً
والباطل حق، ففي الوقت الذي لم تتعرض فيه ديانة اليهود لأي تشويه ولا
اليهود أنفسهم لم يتعرضوا لأي اضطهاد نجد بوش يصدر لهم قانوناً يضمن
لهم العربدة في العالم كله دون أن يتكلم أحد.
وفي الوقت
نفسه يتعرض الإسلام لأسوأ حملة تشويه ويتعرض المسلمون لأقسى أنواع
الممارسات العنصرية حتى في عقر دار أمريكا ولا نجد بوش يتحمس لإصدار
قانون معاداة الإسلام ليوقف هذه الحملة الشعواء ضد الإسلام والمسلمين.
بل الأكثر من ذلك يقود حملة ظالمة ضد دولة مسلمة
وتحت مبررات كاذبة باعتراف الدوائر الأمريكية نفسها ويسمي الحرب
بمكافحة الإرهاب وهي في الحقيقة ضد الإسلام والمسلمين، وكما يقولون
إن ذلة لسان هي أفضل لحظات الصدق فإن بوش قد وصف تلك الحرب بالحرب
الصليبية.
وإن كان
هادفاً في دعواه بأن الإسلام كديانة ليس إرهاباً وإنه ليس كل
المسلمين إرهابيين فلماذا لا يصدر بالمساواة قانوناً ضد معاداة
الإسلام كما هو الحال مع معاداة السامية؟ أليس المسلمون ساميين مثل
اليهود؟!
* إعلامي مصري
|