|
بوابة السجن الكبير
عدلي صادق
صحيفة
القدس العربي اللندنية 16/8/2004
عندما انتهت
مشكلة العالقين في الجانب المصري، من معبر رفح (4/8/2004) لم يكن قد
حدث شيء حاسم، يُنهي التعدي على الحق الإنساني للمواطنين
الفلسطينيين، في المرور الطبيعي، من وإلى وطنهم، وإنما أسدل الستار
عن مشهد واحد، من رواية طويلة ومريرة، ذات فصول متصلة بالانتهاك
الشامل للحقوق الأساسية للآدميين. فالمشهد المُنتهي في رفح المصرية،
لم يتبعه انتهاء لأزمة خانقة، في رفح الفلسطينية، ينبغي أن تُعالج،
كقضية مهمة، على أعلى مستوى سياسي، لما لها من آثار وتداعيات، على
علاقة الناس بالحق في الحياة، وفي العلاج، وفي السفر لقضاء مصالح
شتى، وفي الإياب من العلاج، والسفر، والدراسة، أو للالتقاء بالأهل!
وللأسف، لا
يكترث أحد، على المستوى السياسي، فلسطينياً وعربياً ودولياً، لحقيقة
أن إغلاق المحتلين للمعبر، هو القاعدة، والفتح الجزئي له، هو
الاستثناء، حتى وإن كان الفتح الجزئي منتظماً، لساعات قليلة، يومياً،
يُسمح خلالها بالمرور، لعدد قليل، لا يزيد عن عُشر المضطرين للسفر.
وفي هذا السياق، يجدر التنويه إلى أن العدد الضخم، من العالقين على
الجانب الفلسطيني، يجعل مضطرين آخرين للسفر، يبتلعون أسبابهم بصعوبة،
ويؤثرون النجاة من الشقاء، ومن المشاهد المُزرية على المعبر!
عندما يهمل
المستوي السياسي الفلسطيني، معالجة قضية المعبر، على صعيدين:
الاتصالات مع المحتلين، عبر القنوات المعتمدة، والتصدي الديبلوماسي،
على المستوى الدولي، لتفعيل قضية تمس أبسط حقوق الإنسان، وعندما
يتقلص عدد المُتاح لهم السفر، ًلى عُشر عدد العالقين، ليتقدم إلى
مدخل المعبر، فائزون بالأولويات، تحت عناوين التنسيق؛ فإن الناس
ستهجم، مثلما حدث يوم أمس الأول الموافق 11 أغسطس (آب) من هذا الشهر،
عندما سُمح بالعبور، لست سيارات فقط، وهاج العالقون، وحاولوا منع هذه
السيارات من المرور، وحدثت الفضيحة المتوقعة في مثل هذه الحالات.
فالمسألة ستكون أن السلطة نسقت لنفسها، ولمن لديه شفاعة قوية عندها،
وتركت سائر خلق الله عالقين. ولنا أن نتصور حجم التقولات التي تنتشر،
بين الناس في المجتمع، عن سلوك السلطة، بل إن الناس ستتناسى
الاحتلال، كمتسبب وحيد، في هذه المأساة، لتصب جام غضبها، على السلطة،
وكأن هذه السلطة، في حاجة إلى المزيد من الاحتقان الداخلي ومن
الذمائم!
العمل على
المستوى السياسي، يمكن أن يتلخص في استفهام تقريري مقتضب، ترسله
الحكومة الفلسطينية، إلى رؤساء حكومات الأقطار الأوروبية، والولايات
المتحدة، وحكومات الأقطار العربية، ذات العلاقات مع الدولة العبرية،
ورئاسات المنظمات الدولية والإقليمية، والهيئات الإنسانية وغيرها،
وذلك على النحو التالي:
هل تقبلون،
وأنتم من أنتم، في الحديث عن العدالة وعن حقوق الإنسان، أن لا يكتفي
جنرالات الدولة العبرية، بكل ما يقترفون من جرائم، لكي يجعلوا من
وطننا ومن شعبنا، سجناً كبيراً وملايين من المسجونين، ليُحرم
الإنسان، من حقه الأساسي، في مجرد التنقل والسفر؟!
وعلى مستوى
الاتصالات الإجرائية، مع الاحتلال، يتوجب على السلطة، إبلاغ
المحتلين، بأنها لن تقبل أن يصيبها من الأزمة (التي لم تتسبب فيها)
أي أذي ينجم عن تداعياتها، فإما أن يفتحوا المعبر، لكي يسافر جميع
الراغبين في المغادرة أو العودة، أو ستضطر لإغلاق المعبر من جانبها،
كلما كان الأمر يتعلق بست سيارات، لكي تتجسد المشكلة كاملة، ولكي
يعرف الفلسطينيون هل تقرر بأن يكونوا في سجن ذي بوابات مغلقة، أم أن
لهم حقوقاً أساسية لا بد من صونها؟!
على المستوي
الداخلي الفلسطيني، لا بد من نظام، يُعيد للمواطن الفلسطيني حقه في
أن يكون على قدم المساواة، مع أي مواطن آخر، مهما كان وضعه في
السلطة، أو شفاعته لديها. وينبغي ترتيب أولويات المرور، بدون لعبطة
أو تشاطرات تدفع السلطة ثمنها غالياً، على مستوى صدقيتها. وينبغي ترك
أمر النظام، بالكامل، للشرطة الفلسطينية، وأن لا تتدخل الأجهزة
الأمنية في النظام المدني، وأن يقتصر تواجدها على مهام اختصاصها،
الذي لا علاقة له بنظام أولويات المرور، وأن يقتصر الإستثناء، تحت
عنوان التنسيق، علىى المسموح لهم بالعبور في سيارات التنسيق، لا في
سيارات النقل العمومي، ومن يزعم أنه مسافر في مهمة، أن يأخذ دوره مثل
الناس، وإن أراد أولوية متقدمة، عليه أن يسعى إليها قبل يوم أو يومين
من سفره، دون أن يأخذ دور غيره. وهذا في حال فتح المعبر، بغير قاعدة
الإغلاق، مع الفتح الجزئي!
السلطة لم
تنبه على العاملين في المنفذ البري، وتحت طائلة المحاسبة، بأن يكرسوا
النظام، لكي لا تتشكل الصورة المزرية على المعبر، ولم ترفع الحكومة
الفلسطينية مسألة المعبر، إلى مستوى قضية سياسية وإنسانية، تجري في
شأنها الاتصالات الدولية، وإن احتاج الأمر، إدراجها على جداول أعمال
المنظمات الدولية، باسم المجموعة العربية!
بقي القول،
إن الذين أبدعوا في التدابير، لكي يصل الإسمنت المصري، إلى الجدار
العنصري، ولكي تدخل الأدوية التجارية، وكأنها تبرعات لجرحي
الانتفاضة، يثبتون للمرة الألف، أنهم بارعون في تسليك ما يوافقهم
ويوافق المحتلين، وبالتالي لا يلزمون المجتمع الفلسطيني، بل يلزمون
المحاكم التي تنظر في خطاياهم، والفلسطينيون مصممون على استرجاع
عناوين مشروعهم الوطني، من هؤلاء المستهترين، لكي يعرف كيف يدافعون
عن قضاياهم، ومن بينها قضية فتح بوابة السجن الكبير!
|