الفلسطينيون دوماً يدفعون الثمن
مصطفى قاعود
صحيفة الوطن
القطرية 1/6/2004
بلبلة في
"إسرائيل" وتراجع في مواقف الرباعية والفلسطينيون يدفعون الثمن. إن
الأحداث الدامية التي شهدتها الأراضي الفلسطينية عموماً وغزة على وجه
الخصوص تفهم في سياق تنفيس الصدمة التي تلقاها شارون من حزبه بعد
الاستفتاء على خطته. وقبل طرح الخطة على الحكومة.
وعلى أمل أن
يأتي الحل من الخارج يسعى شارون لكسب الوقت ليتمكن من اقناع اليمين
المتطرف بمدى تمسكه بسياسة القبضة الحديدية. فعمل في اتجاهين الأول
ضمانة عدم إقدام اليسار على تعبئة ما يسميه شارون بالفراغ بخطط
سياسية لا تنسجم مع توسعيته. فطلب مهلة ثلاثة أسابيع للتقدم بصيغة
معدلة لفك الارتباط وهو ليس في ذهنه أية فكرة أو تعديلات إنما
المطلوب فقط كسب الوقت.
وفي كل
الأحوال قليلون هم في اليسار من يذهبون أبعد من خطة شارون. أما
الاتجاه الثاني فيقوم على أساس المزيد من القتل والتدمير وتهديم
منازل الفلسطينيين وتشريدهم. والتوغل في القرى والبلدات والمخيمات.
بهدف اقناع اليمين بأنه قادر على دخول المناطق الفلسطينية متى شاء
حتى بعد الانسحاب منها.
ولكن الضربات
الموجعة التي تلقاها الجيش الإسرائيلي على يد المقاومة الفلسطينية
حيث قتل 13 جندياً إسرائيلياً أعطت مؤشرات جديدة فتحت النار على
شارون من اليمين واليسار على حد سواء فاليسار بدأ يطالب بالانسحاب
الفوري من غزة. ومنهم من ذهب إلى حد عودة المفاوضات مع السلطة. وفي
اليمين يشددون على ضرورة عدم الانسحاب (تحت ضغط النيران) على حد
تعبيرهم ومنهم من اقترح طرد الرئيس ياسر عرفات والتخلي عن خطة إخلاء
المستوطنات في غزة. ومع هذه الحال يحاول شارون إخفاء أزمته وحنقه
وراء ما يظهره من وهم الاستشارة والمشاركة والمسؤولية الجماعية. فهو
يسأل الجميع بسخرية ولكن بالنتيجة العملية هو غارق في بحر من الدم
الفلسطيني والإسرائيلي. فالمجنزرات التي دمرت والجنود الذين قتلوا
وتحولت العملية العسكرية بسببهم إلى عملية انتقامية لم يأتوا إلى
الأحياء الفلسطينية ليتنزهوا بل أتوا ينشرون القتل والدمار في كل
مكان ويهدمون بيوت الأبرياء وتشريد الأطفال والنساء.
ولكن تبقى
حكومة شارون ضمن المأزق رغم كل العمليات الوحشية التي قام بها الجيش.
ولم يقتنع مجلس المستوطنات بخطة فك الارتباط وتفكيك المستوطنات.
والمستوطنون بدورهم يرفضون الاخلاء تحت عناوين مختلفة أساسها عنصري
وأسطوري ديني زائف. المستوطنون يشعرون بالخيبة من أداء الدولة
العلمانية ويرفضون دين الديمقراطية. كلهم يعتقدون أن هناك حرباً
أيديولوجية ودينية بين اليهودية والإسلام وبعضهم يرون في الدولة
الصهيونية عملية منتهية «هآرتس 11/5/2004».
وذهب
نتانياهو إلى ضرورة إبعاد الرئيس ياسر عرفات والحصول على مقابل إضافي
من الإدارة الأميركية. والإعلان عن جدار الفصل كمشروع لأولوية وطنية
وزيادة الاستثمار المالي في الجدار وبلورة خطة لاستكماله في غضون
عام. وأوضح نتانياهو في لقائه مع شارون بأنه لا يجب تفكيك مستوطنات
تحت النار وقال إن الليكود مستعد لاخلاء مستوطنات ولكن تلك التي تبقى
خلف الجدار وفي إطار اتفاق مع الولايات المتحدة أو مفاوضات.
ويميناً
أيضاً دعا كل من موشيه يعلون واللواء احتياط غيورا ايلاند إلى تبني
"إسرائيل" نهجاً يعتقد أن الطرف الفلسطيني ليس ناضجاً للمصالحة مع
الدولة اليهودية وتسعى في أساس الأمر إلى استمرار النزاع إلى الأبد
ويطرحان خطة تنطوي على تبادل الأراضي مع مصر في شمالي النقب وجنوبه
ودوراً متجدداً للأردن في تحديد مستقبل الضفة «هآرتس 10/5/2004» رئيس
المفدال ايفي ايتام عرض على شارون خطة سياسية جديدة فهم منها أن
المفدال لن ينسحب من الحكومة وأساس خطته «غزة لا يتم اخلاؤها وغوش
قطيف لا يلمسه أحد».
الجهد
الأساسي ينقل إلى الساحة الاشكالية في يهودا والسامرة. يجب البدء في
تصميم وتحديد مساحة وشكل السلطة الفلسطينية التي برأي ايتام ستصبح
دولة حسب نهج شارون أو حكماً ذاتياً موسعاً بلدياً حسب نهجه ويجب
استكمال الجدار بسرعة.
وستكون الخطة
خطة كانتونات متدحرجة من الشمال إلى الجنوب. "إسرائيل" تبني كانتون
جنين تمنح سكانه حرية وإرادة كاملة «كانتون شمالي السامرة» بما في
ذلك نقل وإخلاء مواقع استيطانية تعرقل التواصل الإقليمي بالاتفاق
وإذا نجحت التجربة ستتم أعمال مشابهة في كانتون «نابلس» وهلمجرا وإذا
ساد الهدوء فستساعد "إسرائيل" في ربط الكانتونات.
وفي خضم
الدعوات اليمينية المتطرفة لا يوجد موقف أسخف من موقف اليسار
الإسرائيلي حيث وصفه أحد المحللين السياسيين في "إسرائيل" أنه «أشبه
بالحسناء الغافية» يقول يا عيل غفرتس في «يديعوت أحرنوت» إن معسكر
الـ «الضد» المعارضة الطبيعية لشارون يدعى إلى الشارع كي يمثل الـ
«مع» التي ينطوي عليها تحويل مظاهرة احتجاج إلى مظاهرة تأييد كبرى
لخطوة سياسية وضعها بالذات الخصم السياسي. والجمهور المكرس لحث
السلام مل الخداع وهو يتعاطى مع منتخبيه كمن يحصي النعاج قبل النوم.
هكذا تحولت مظاهرة اليسار في ميدان رابين إلى متنفس لشارون الذي تمنى
في قرارة نفسه لو أنه يستطيع المشاركة وإلقاء الخطب كي يلوي عنق
منتسبي الليكود.
وطرح (تومي
لبيد) رئيس شينوي خطة مفادها «أنهم مع فك الارتباط في غير انقطاع عن
خريطة الطريق ومفاوضات مع الفلسطينيين في ظل مكافحة الإرهاب يمكن
لإسرائيل أن تطالب أخلاقياً من الفلسطينيين وأبو العلاء المزيد إذا
جعلنا فك الارتباط مساهمة في تقدم خريطة الطريق وستكون الخطوة مع
شريك.
وفي خطوة هي
الأخطر يحاول الأوروبيون الدخول على خطة فك الارتباط من خلال طروحات
جديدة حيث حصلت الرباعية على مباركة الولايات المتحدة والضوء الأخضر
للقيام بخطوة سياسية هي في الأساس النسخة المدولة لخطة فك الارتباط.
وتشمل تدخلاً دولياً يهدف إلى ضمان فرص نجاح العملية ولعب دور البديل
للجانب الفلسطيني «غير الموجود» من وجهة نظر "إسرائيل".
الرباعية مع
الولايات المتحدة من خلف الكواليس تتحدث عن ثلاث خطوات ترافق
الانسحاب أحادي الجانب من كل القطاع «رزمة اقتصادية اجتماعية»
للمناطق التي سيتم إخلاؤها «رزمة أمنية» و«رزمة أشراف ورقابة» شارون
لا يريد التحدث مع الفلسطينيين فلن يرى الفلسطينيين إذن؟!
حسب خطة
الرباعية ستنتقل القضية الاقتصادية الاجتماعية إلى رعاية البنك
الدولي وإلى جهات ذات علاقة في الأمم المتحدة وهذه الأطراف ستعالج
أيضاً قضية العقارات التي ستخليها "إسرائيل". وستودع في البنك باسم
"إسرائيل" إلى حين مبادلتها بأملاك اللاجئين الفلسطينيين؟! والأمن
يدار من قبل أميركا وبريطانيا ومصر. وتشكيل جهاز رقابة دولي على
الفلسطينيين. الخطة ستبدأ في شهر حزيران خلال سلسلة لقاءات ذات علاقة
ستعقد: مؤتمر البنك الدولي اللقاء السنوي لحلف الاطلسي ومؤتمر الدول
الثماني.
وهكذا يدفع
الفلسطينيون الثمن عسكرياً وسياسياً. فعلى الصعيد العسكري قام الجيش
الإسرائيلي بتوجيه من شارون بملء الفراغ من خلال أعمال التنكيل وهدم
المنازل وتشريد آلاف الفلسطينيين من بيوتهم. نعم لقد دفع الفلسطينيون
ثمناً باهظاً تحت عنوان ملء الفراغ الشاروني وعلى الصعيد السياسي
أخطر ما تمخضت عنه هذه البلبلة التي أحدثها شارون وبوش وحزب الليكود
تبني الرباعية لفكرة الوصاية على الفلسطينيين مما يشكل تراجعاً في
موقف الرباعية الذي يعتبر السلطة الفلسطينية هي الجهة الوحيدة
المخولة بالتفاوض باسم الشعب الفلسطيني.
اليوم تقدم
الخطة المشتركة للرباعية وأميركا معطى جديداً مفاده القفز عن السلطة
وتصديق الوهم الشاروني بغياب الشريك الفلسطيني. وأخيراً وفي لقاء
رايس وقريع أعلنت رايس أن كل شيء سوف يحل في مفاوضات الحل النهائي.
بمعنى أدق أن ليس هناك حاجة لطرف فلسطيني في هذه المرحلة.
|