الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

ديمونة "جيت"

 

خيري منصور 

 

صحيفة الخليج الإماراتية 15/8/2004

 

لم يكن مفاعل ديمونة، منذ إنشائه خارج الفضيحة أو ال "جيت"، وقد اقترن هذا المفاعل منذ إنشائه بالسرية، وافتعال الغموض كما أشار (شيمون بيريز) في الستينات من القرن الماضي عندما قال: "إن السلاح النووي تتضاعف قوته، عندما يكون غامضاً ويتيح للخصم أن يضيف إليه الكثير من خياله.. ومخاوفه".

 

وإذا كانت جعبة الصهيونية النووية قد ظفرت بكل ذلك الاستثناء، وتنامت عندما خلعت أسنان الآخرين وأظفارهم، فإن ما حققته حتى الآن يتجاوز حتى أحلام من أسسوها، لأن دولة مدججة بالسلاح النووي بين جيران عزل، ويجري تفتيش فُرُشهم ومهود أطفالهم وقبورهم بحثاً عن سكين، هي دولة تسعى إلى إدامة الخلل في ميزان القوة، بحيث تتحول كل إنجازاتها المضادة للتاريخ والمنطق والقوانين الدولية إلى استحقاقات.

 

ومفاعل ديمونة، الذي يُثار الآن كل الجدل البيئي والصحي حول ما يتسرب منه من إشعاعات تسرطن البشر وتحول المنطقة إلى بيئة موبوءة، مارَس دوره في حرب سرية، فهو فزّاعة سياسية بمقياس ما، كما أنه تهديد صامت عندما يكون محكماً، ثم يتحول إلى تهديد ثرثار عندما يتصدّع أو يتقادم أو يعيد إلى الذاكرة مأساة "تشيرنوبل" الروسية.

 

وهناك من يرى أن زيارة الدكتور البرادعي إلى تل أبيب كانت ذات علاقة بما يُثار الآن حول "ديمونة" وما يتسرب منه، لأن الرجل عاد بخفي حُنين، ولم يُتح له أن يطلع على أي شيء له علاقة بالمفاعلات النووية، وأكثر من ذلك سخر شارون من زيارته إلى تل أبيب عندما تساءل باستخفاف: "ما الذي جاء البرادعي ليبحث عنه في الدولة العبرية؟".

إن هذه ال "جيت" النووية التي دفع العرب ثمنها بعد إضافة نسبة الربا الصهيوني حرباً وسلماً، وفي اللاسلم واللاحرب أيضاً، لها الآن رائحة تزكم الأنوف، خصوصاً بعد أن وزّعت دولة الاستيطان حبوب "اليود" على اليهود الذين يعيشون في المجال النووي. وليس المغناطيسي فقط لذلك المفاعل  الفضيحة.

 

ما الموقف الجدّي الذي اتخذه العرب حتى الآن من هذا التهديد؟

وهل بلغ فائض الرعب لديهم حداً جعلهم يتواطأون حتى على أطفالهم، وبيئتهم بحيث تتحول المنطقة كلها إلى قبر شاسع؟

واليهودي الذي يتبنى الآن افتضاح ما يفرزه مفاعل ديمونة من أسباب الموت الجماعي وإفساد البيئة، والقتل المتعمد البطيء لبعض العرب، كان قد قضى أكثر من سبعة عشر عاماً في السجن لأنه تجاسر على البوح بما صمت عنه الجميع، وقال: إن تل أبيب تهدد العالم بما تمتلك من سلاح تدميري شامل.

فأي قدر عربي هذا، بحيث ينوب عنّا سياسياً أمثال يوري أفنيري، وشلومو رايخ، عندما تقضم الأسوار العنصرية أرضنا، وتلتهم جنازير الدبابات لحم أطفالنا، ثم ينوب عنّا آخرون مثل "فعنونو" الذي يصرّ على مواصلة دفع الثمن لمواقفه المضادة لدولة الاحتلال؟

 

قلناها مراراً، وفي العديد من المناسبات المماثلة، إن طرد العرب من الجغرافيا ليس شيئاً إذا قورن بطردهم من التاريخ، وما يجري الآن هو طرد وحذف وجودي من التاريخ، لأن من ينوب عنه أعداؤه سلباً وإيجاباً لم يعد له مبرّر للبقاء، إلا على الهامش إذا وجد له متسعاً فيه.

"ديمونة جيت" حرب أخرى، قد تندرج في قائمة الحروب السرية، وإن كانت الرائحة الكريهة، وما يفوح من إشعاعات الإبادة، قد أضافت إلى الحرب السرية بعداً علنياً، فكل تواطؤ الآن من أجل إخفاء هذه الفضيحة هو بمنزلة المساهمة الفعلية فيها.

 

ولا أدري لماذا يصمت العرب الرسميون حتى عندما تكون حياتهم الشخصية على كفّ عفريت؟ وهل بلغ الرعب حداً أفقدهم حتى استشعار الخطر، بحيث أصبحوا "ماسوشيين" يستمرئون الألم، ويعشقون الموت، ويستعدون لرفع ملابسهم الداخلية رايات بيضاً إذا لم يجدوا سواها؟

 

ومن قالوا بصوت متهدج إنهم خسروا خيار المواجهة، عليهم الآن أن يقولوا شيئاً عن خيار الموت البطيء والإبادة التكنولوجية على تخوم جاهليتهم الثانية.