|
احتلال بالأصالة والإنابة!
خيري منصور
صحيفة
الخليج الإماراتية 8/7/2004
يهودي
يتكلَّم العربية، وبلهجة عراقية عذَّب العراقيين واستجوبهم في سجن
"أبوغريب"، وهذه ليست القرينة الأولى أو الوحيدة التي تبرهن على أن
الاحتلال الأمريكي للعراق كان ولا يزال ثلاثي الأضلاع، فهو أمريكي
وبريطاني وصهيوني. لهذا فهو احتلال بالأصالة.. والإنابة معاً، ولم
يكن تدفُّق عناصر من الموساد إلى بغداد خلال الحرب وما بعدها إلا
التعبير السياسي الدقيق والمباشر عن أجندتين تطابقتا لأول مرة على
هذا النحو، الأجندة الأمريكية والأجندة الصهيونية.
فإسقاط بغداد
حلم يهودي قديم، وبه من حسابات الثأر ما لا يقرّ به إلا من أضافوا
أنفسهم إلى الاحتلال كاحتياطي محليّ! فبعد سقوط بغداد بيوم واحد فقط،
سُرِّح من الجيش الصهيوني عشرة آلاف من الاحتياط حسب تصريح لموفاز،
واحتفلت تل أبيب على طريقتها بإزالة خطر وصفته بأنه استراتيجي، وما
قلَّل من شأن هذه المواقف، احتراز البعض من سوء الفهم، بحيث لو
ركَّزوا على هذه النقطة لبدوا أنهم يدافعون عن نظام غارب، لكن لا يصح
لفائض الكراهية والانتقام أن ينتج فائضاً موازياً في التجهيل
بالحقائق، خصوصاً تلك المتعلقة عضوياً بالصراع العربي- الصهيوني الذي
كان العراق ولا يزال حلقة واحدة فيه، رغم كل محاولات الخلع، والخلط
التي يقصد بها حذف العراق من معادلة الصراع!
لقد قال
شارون وموفاز، في لحظة فقدا فيها الرُّشد السياسي والعسكري إن مصر هي
العدو الاستراتيجي الأول للدولة العبرية، وهدّدا أهدافاً مثل السد
العالي، وجاء هذا التهديد بعد ربع قرن من اتفاقية كامب ديفيد، ذلك
بأن الكيان الصهيوني لم يغيِّر نقطة على حرف من استراتيجيته
العدوانية، وأطماعه في التمدُّد، لأنه لا يرى في السلام غير هدنات
تتيح له إعادة شحذ الناب.
ومن يعتقد أن
الصهيونية لا تشارك أمريكا وبريطانيا في احتلال العراق، فهو كائن لا
يرى من جبال الجليد الغاطسة غير القمم الناتئة، وعليه عندئذٍ أن يدفع
ثمن جهله حين ترتطم سفنه وتتحطم!
لكن من
يتعامون عن رؤية الحقيقة سفنهم ورقية، وسيوفهم من خشب، لأنهم قرّروا
الانسحاب من الحلبة، وإضافة أنفسهم إلى ظلال غزاتهم، ذلك بأن الغزاة
حسب تقاليد السطو والقرصنة على امتداد الزمن لا يسمحون لأتباعهم
والمتعاونين معهم أن يكونوا أنداداً، أو حتى حلفاء!
ونعجب لماذا
يشيح الإعلام العربي عن كل هذه الحقائق، التي يعلنها غربيون ومنهم
أمريكيون، فهل تأمرَك بعض العرب حتى أصبحوا ملكيين أكثر من الملك
الأمريكي؟
إن تذكير
الناس بدور البطولة الذي يلعبه الكيان الصهيوني في تدمير العراق،
واحتلاله ونهبه يفرض عليهم أن يروا المشهد بانورامياً، وبعينين
اثنتين لا بواحدة عوراء، لكن المطلوب هو عصب العيون والدوران حتى
الدوار حول هذه الساقية التي تمتلئ بالدم لا بالماء!
ومن يتحدثون
عن الإرهاب ويجاهدون في نحت الصيغ لتعريفه، يبدو أن الإرهاب الأمريكي
قد شلّ بصيرتهم، مثلما أصابهم بالعمى من قبل، حين تناسوا أن من يقود
الحملات ضد الإرهاب هو الذي ينتجه بكميات وفيرة، فمن يتبنى الإرهاب
الشاروني ويحميه بالفيتوهات، ويربِّت الكتف التي تحمل البندقية
وتصطاد بها الأطفال العرب في فلسطين هو إرهابي بكل المقاييس ولا
نحتاج إلى شجاعة فائقة لكي نقول للإمبراطور الأمريكي إنه عارٍ وإن
عورته في الهواء.. أو لكي نقول للغولة عينك حمراء يا غولة.
فالعالم كله
يقول ذلك لواشنطن، ولم يسبق أن واجه رئيس أمريكي مثل هذه التظاهرات
التي تندِّد به وبسياسته وبحروبه كما واجه الرئيس بوش في كل زياراته
لعواصم العالم شرقاً وغرباً.
والأرجح أن
من يخفون رؤوسهم في التراب ويتناسون احتلال الكيان الصهيوني لفلسطين
كلها، والجولان، أجدر بهم أن يتجاهلوا حصة شارون من الغنيمة
العراقية، لأن الإقرار بأن الاحتلال الأمريكي للعراق، له بُعد آخر
غير بُعد الاحتلال بالأصالة وهو الاحتلال بالإنابة يفرض على الجميع
أن يغيِّروا لهجتهم السياسية، وأن يروا ما لايريدون رؤيته من المشهد.
وتدفق
الموساد إلى العراق خلال الحرب وربما قبيل اندلاعها لم يعد خافياً
حتى على العميان، فالمتاحف العراقية لم تسلم من المتسلّلين اليهود
بجوازات سفر مختلفة، ولغات عدة، قد تكون العربية إحداها! كما حدث في
سجن "أبوغريب"” عندما اتضح أن أحد الجلادين كان قادماً من تل أبيب!
التاريخ لم
يخل في أية حقبة من جلادين وضحايا، لكن ما يحدث الآن هو تحويل الضحية
إلى لحم أخرس، لأن المطلوب منها حتى بعد أن فقدت كل شيء هو أن تلعق
السوط الذي يجلدها، وتقبل البسطار الذي يسحق أشلاءها.
إنه احتلال
بالإنابة قدر ما هو بالأصالة.
|