الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

"إسرائيل" والانتخابات الأوروبية

 

حياة الحويك عطية 

 

صحيفة الخليج 19/6/2004

 

تقول الأسطورة إن زيوس أغرم بأميرة فينيقية واختطفها على ظهره من الشاطىء الشرقي للمتوسط إلى شاطئه الغربي، لتعطي اسمها إلى القارة الثانية في القدم على سلم الحضارة الإنسانية.

 

هذه القارة، التي نعتها رامسفيلد بالعجوز لا احتراماً لعراقتها وإنما ليعيّرها بما لا يستطيع وريث رعاة البقر تقديره، هي اليوم القوة الاقتصادية الأولى في العالم والقوة الديموغرافية الثانية، والعسكرية الثالثة، ومهما تغير موقعها وموقعنا نحن أهل الشاطئ الشرقي على سلم القوى الدولية، فإن ما لا يقبل التغيير هو ذلك الموقع على خارطة التاريخ والجغرافبا. موقع إذا ما انتقلنا من الأسطورة إلى السياسة أصبح اسمه الجيوبوليتيك.

 

هذه القارة عاشت منذ أيام انتخابات بالغة الأهمية، لأنها ستأتي لأوروبا الموحدة ببرلمان جديد، تكون له كلمته الأساسية في السياسات الدولية، خاصة في ما يخصنا نحن في المنطقة العربية.

غير أن الغريب وليس من غريب في غيابنا عن كل الساحات المؤثرة أن الصوت العربي مبعثر والعالم العربي (غايب طوشة) عن كل ما يجري.

 

بالمقابل، ليست "إسرائيل" ولوبيهاتها بغائبة ولو للحظة، ولا تفوتها شاردة ولا واردة في أي حدث مؤثر.

البرلمانيون الأوروبيون تبنّوا أكثر من موقف مؤيد للعرب ولقضاياهم، خاصة بالنسبة لفلسطين ومع اندلاع الانتفاضة، وبالنسبة للعراق، مواقف تجاوزت في الكثير من الأحوال الحكومات الأوروبية، بل وتجاوزت البرلمانيين العرب.

هذه الصحوة الأوروبية، التي دانتها "إسرائيل" أكثر من مرة، وبصوت مجلجل، هي الآن موضع استهداف، فقد حددت اللوبيهات اليهودية الأشخاص المعينين وراحت تشن ضدهم حملات مضادة على جميع الساحات.

 

في آخر ليلة قبل الانتخابات، أحاول أن أفتح موقعاً إلكترونياً "إسرائيلياً" مخصصاً للانتخابات الأوروبية هكذا علناً وليتجرأ أحد بالقول إن في ذلك تدخلاً في الشؤون الداخلية، لتهطل عليه بسرعة تهم اللاسامية، وأجد كمّاً هائلاً من المواد والمقالات والبيانات، تتصدرها كلها صورة النائب بول ماري كوتو، وهجوم كاسح على هذا الرجل المفكر الاكاديمي والسياسي الديغولي الذي عمل مع أكثر من شخصية كبرى، من ميشال جوبير إلى جان بيير شفينمان إلى شارل باسكوا، قبل أن يتزعم خطه الخاص المكون من جماعة السياديين وهم تجمع من الديغوليين واليساريين الجمهوريين والاكاديميين والعسكريين الذين لا يستطيع أحد أن يتهمهم بأنهم من اليمين المتطرف.

 

لماذا إذن استهداف هذا الرجل وعلى رأس القائمة؟

في إحدى جلسات البرلمان الأوروبي قال كوتو إن على أوروبا، إذا كانت تريد فعلاً التوصل إلى سلام دائم في الشرق الأوسط أن تساعد العرب في جملة ساحات ومنها التسلح بما فيه النووي لأن التوازن هو ضمانة السلام.

 

وفي موضوع العراق، كان كوتو وجماعته من أشد المعارضين للحرب منذ التسعينات. وأخيراً في موضوع العولمة للرجل أكثر من بحث وكتاب ترفض العولمة قناعاً للأمركة وتدعو إلى عالمية قائمة على احترام المصالح والقيم.

الهجوم الثاني، يتناول قائمة حملت عنوان: أوروبا - فلسطين، وهي وإن لم تكن تحمل المضمون الفكري المعمق الذي يحمله كوتو، فإنها تستفز بمباشرتها الحس الصهيوني، كما يستفز وجود الفنان الكوميدي الأسود دولانوي في عدادها اللوبي اليهودي، خاصة بعد معركة التحدي التي دارت حول هذا الفنان عندما قام في إحدى مسرحياته بتمثيل حاخام متشدد يرفع قبضته على الطريقة النازية، لتقوم الدنيا ولا تقعد، علما بأن تلك اللقطة جاءت ضمن تمثيل جميع الأصوليات المتشددة.

 

الموقع "الإسرائيلي" - الفرنسي يتوقف طويلاً عند الشعار الانتخابي لهذه اللائحة لأنه جاء على خلفية خضراء، ويقول إن استعمال اللون الأخضر هو إحلال أخضر الإسلام محل الأزرق الغربي المسيحي وفي ذلك تعصب طائفي شديد وصرف.

ألا تحيلنا هذه الملاحظة إلى ألوان العلم العراقي الجديد التي احلت ألوان علم "إسرائيل" محل الألوان العربية؟

 

وأخيراً يدق الموقع، ونقلاً عن صحيفة "الجيروزاليم بوست" أجراس إنذار مذهلة في خبثها، في تحويرها للحقائق، في لعبها على المشاعر والمخاوف، بل وفي استغبائها للناخب الأوروبي، إذ تشن هجوماً على شعار: "لا سلام لأوروبا من دون عدالة في الشرق الأوسط"، إذ يقول أن هذا الشعار يعني تهديداً مفاده أن على أوروبا أن تضحي بـ"إسرائيل" وإلا أصبحت كلها مدريد، ثم تستطرد: وإذا ما تمت التضحية بـ"إسرائيل"، فإن ما سيتبعها هو كبش الفداء اليهودي، أي يهود أوروبا، ومن ثم تليهم القيم الجمهورية كلها، وآلاف السنين من الحضارة.

هكذا تصبح الدعوة إلى العدالة تهديداً للحضارة الإنسانية، ويصبح تفوق "إسرائيل" على حساب العدالة ضمانة لبقاء أوروبا وحضارتها!

 

لا عجب، ففي هجوم شنه الموقع نفسه على بريان كراون وزير خارجية هولندا، يتهم الرجل بالهستيريا، وبالكلام غير المسند إلى أي فهم، لأنه قال إن ما يجري في رفح هو احتقار للحياة الإنسانية، بينما الواقع أن ما يجري ما هو إلا "مكافحة للإرهاب في رفح" كما يقول الموقع.

هل من عجب في أن يقول "الإسرائيليون" كل ذلك؟ في أن يحولوا دعوة إلى "العدالة" إلى جريمة؟ وأن يحولوا خطورة ما تعنيه العدالة عليهم من انسحاب واعتراف بدولة وإقرار للحقوق، إلى خطورة مفتعلة أخرى على الواقع الأوروبي والعالمي؟ لاعجب بالطبع ولكن العجب العجيب في غيابنا نحن عن ساحة المواجهة.