الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

أميركا تقاتل في العراق نيابة عن "إسرائيل"

 

باتريك سيل

صحيفة الوطن القطرية 28/9/2004

 

 عندما تحقق شرطة أي بلد في جريمة فإن أول سؤال توجهه على الفور هو: من المستفيد من هذه الجريمة؟ نفس السؤال يمكن أن يطرح حول غزو واحتلال العراق الذي تحول إلى جريمة كبرى شاركت في حياكتها وارتكابها أياد كثيرة.

في الأسبوع الماضي أظهرت المعارك الشرسة التي شهدتها بغداد مدى تدهور الأوضاع في هذا البلد الذي تحولت فيه المبادرة من المحتل إلى رجال المقاومة أو من يسمون بالمتمردين، فكل ما تسيطر عليه القوات الأميركية التي تدعمها قوات إياد علاوي رئيس الوزراء المؤقت وهي ضعيفة التدريب وعديمة الخبرة هو «المنطقة الخضراء» التي تحولت إلى أشبه ما يكون بحصن مسلح.

 

عمليات الاختطاف منتشرة، وتبدو الحرب التي تخوضها أميركا في العراق بصورة متزايدة حرباً غير قابلة للكسب ويبدو من غير المحتمل أن تنظم الانتخابات العامة في البلاد التي يبلغ تعداد سكانها 25 مليون نسمة في موعدها المقرر في يناير 2005 إذ لم يتبق على موعدها سوى أربعة أشهر، وحتى لو نظمت تلك الانتخابات رغم كل المعوقات التي نراها، فإنه من غير المحتمل أن تنتج عنها حكومة ذات مصداقية يمكن الاعتماد عليها.

 

إن احتمال وجود حكومة عراقية مستقرة وشرعية تمد سلطتها على جميع أجزاء البلاد يبدو أمراً صعب التحقيق بصورة متزايدة إن لم يكن مستحيلاً، وإذا ما توارى «النصر» وخفت وبهت كسراب الصحراء فإن آمال الأميركيين ستتحطم في إيجاد مخرج مشرف من المستنقع العراقي.

 

البديل بالطبع هو البقاء على نفس الطريق التي هي عليها الآن مع كل ما يعني ذلك من تحمل لأعداد متزايدة من القتلى والجرحى الأميركيين والعراقيين والتدمير المادي الرهيب والتكاليف المتصاعدة التي تتأهل لأن تكون فلكية، وإذا ما أريد لهذه السياسة أن تحقق أي شيء من النجاح فإن هناك حاجة ماسة لإرسال المزيد من القوات الأميركية بشكل يكفي للمحافظة على الأمن والنظام والقيام بشن هجمات أرضية إلى مناطق «التمرد» من أجل إخماده ولكن مع وجود قلة في القوات الأميركية حالياً فإن هناك إرادة سياسية محدودة في واشنطن لتوسيع الحرب. النتيجة الأكثر احتمالا هي وجود مأزق دموي.

 

إن التقديرات المتحفظة تقدر الخسائر في صفوف المدنيين العراقيين بحوالي 30 إلى40 ألف قتيل، ولكن أعداد القتلى والجرحى في تصاعد مستمر مخيف مما يجعل من الصعب إعطاء أعداد محددة. والغريب في الأمر أن الحرب لا يبدو أنها ألحقت ضرراً بالرئيس بوش حيث لا تزال نتائج استطلاعات الرأي تعطيه التفوق على منافسه جون كيري، إن هذا يعني أن الكثير من الأميركيين قد ابتلعوا الكذبة القائلة بارتباط صدام حسين بهجمات 11 سبتمبر الإرهابية.

لقد سوق بوش نفسه على أنه «رئيس الحرب» الذي يحارب في العراق من أجل حماية الأميركيين، ولكن من الممكن أن ينقلب الرأي العام الأميركي ضده في الأسابيع القادمة إذا ما استمر القتال بالشكل الشرس الذي نتابعه وإذا ما تعاظمت خسائر الأميركيين.

إن هناك طرقاً مختلفة لوصف ما يحدث في العراق، إدارة بوش تجادل فتقول: إن أميركا تحارب «لتحرير» العراقيين من الاستبدادية الشرقية القمعية وبالتالي فهي تريد أن تعرفهم بالنظام الديمقراطي وبمزاياه التي لا تعد ولا تحصى بشكل يصبح العراق معه كنموذج يحتذى في كامل المنطقة، ويبدو أن بوش يعاني من مرض النسيان بحيث لم يعد يتذكر تلك النكسات والصفعات التي كيلت له، وبالتالي فهو يريد الاستمرار في مسيرته نحو «الحرية».

 

إن هناك رأياً مختلفاً للغاية يقول إن ما يجري ليس سوى حرب استعمارية من الطراز القديم، وحسب هذا الرأي فإن أميركا الإمبريالية تسعى لهزيمة قوى القومية العربية والإسلام المناضل من أجل مد هيمنتها على العالم العربي وخاصة على النفط العربي.

 

هناك طريقة أخرى للنظر إلى الحرب في العراق على أنها امتداد للصراع العربي - الإسرائيلي وهي حرب تخوض فيها أميركا القتال نيابة عن "إسرائيل" ولحسابها.

وبالرغم من أن الصراع لا يزال دائراً فإنه ليس من المبكر التساؤل حول من ربح من هذه الحرب ومن لم يربح، من هم الرابحون ومن هم الخاسرون؟

 

من المعروف جيداً لدى الجميع أن المدافعين الرئيسيين عن حرب أميركا في العراق هم أصدقاء "إسرائيل" في واشنطن أو من يطلق عليهم «المحافظون الجدد» وأعدادهم ليست قليلة في البنتاغون والعديد من الدوائر الحكومية الأخرى والإعلام، وبكلمات قالها الجنرال انتوني زيني القائد السابق للقيادة المركزية الأميركية «إن أسوأ سر يحتفظ به في واشنطن هو أن المحافظين الجدد خاضوا الحرب ضد العراق لحساب "إسرائيل"». إن ملاحظات زيني التي قيلت في شبكة «سي. بي. اس» الأميركية هي جزء من رجع الصدى القائم ضد المحافظين الجدد خصوصا أولئك الذين يشار إليهم على أنهم «القيادة المدنية للبنتاغون».

 

وأحد الأمثلة الحديثة على تذمر الأميركيين ضد المحافظين الجدد يمكن العثور عليه في إصدار سبتمبر من الصحيفة ذات النفوذ الواسع المسماة «ذي نيويورك ريفيو أون بوكس» والتي اتهم فيها أحد أكثر المؤرخين احتراماً في أميركا ويدعى آرثر شلينغر "إسرائيل" وداعميها الأميركيين بإثارة مشاعر العرب ضد أميركا، وقال «من المؤكد أن التطابق الأميركي مع رئيس وزراء "إسرائيل" شارون هو أحد أهم الأسباب وراء كراهية العرب للولايات المتحدة الأميركية».

 

ويبدي هذا المؤرخ توافقاً مع مضمون كتاب سيصدر الشهر المقبل لمؤلفه آن نورتون أحد المنظرين السياسيين الأميركيين تحت عنوان «ليو شتراوس وسياسات الإمبراطورية الأميركية»، وشتراوس هذا فيلسوف لاجئ ألماني كان حتى وفاته في 1973 يدرس في جامعة شيكاغو وينظر إليه على أنه الأب الروحي للمحافظين الجدد بمن فيهم نائب وزير الدفاع بول وولفويتز المهندس الرئيسي لحرب العراق.

 

ويقول شلينغر إن خطة وولفويتز الاستراتيجية لما بعد 11 سبتمبر كانت تتمحور فكرياً وجغرافياً حول مركزية "إسرائيل"، ويمكن فهم هذه الاستراتيجية على أساس «رؤية المصالح والأمن الأميركي كشيء يتطابق مع مصالح وأمن دولة "إسرائيل"».

 

إن مصلحة "إسرائيل" في الحرب، والهدف الاستراتيجي هو تدمير العراق وإضعافه بصورة دائمة من أجل تصفية أي خطر محتمل في المستقبل يأتي من الشرق، لقد تم تحقيق هذا الهدف من خلال حربي 1991 و2003، فالعراق كبلد عربي موحد لم يعد له وجود فهو من الناحية الفعلية مقسم ومفكك الأوصال، وأفضل ما يؤمل للعراق في ظل الظروف الراهنة التي يعيشها هو بقاؤه على الخريطة كفيدرالية شكلية.

إن هذا تحذير واضح لكل أولئك المعنيين في العالم العربي فالعالم العربي كله مستهدف بحيث لا يبقى هناك وجود لأي قوة أو استقلال.

 

إن مصلحة أميركا تتطابق بكافة المقاييس مع مصلحة "إسرائيل"، فأميركا أرادت التخلص من شخص صدام حسين الذي كان ينظر لطموحه وطيشه على أنه مصدر تهديد للنظام السياسي الذي رتبته أميركا في الخليج، ولكن الولايات المتحدة لم ترد تدمير العراق بالكامل فهي ليست لديها مصلحة في وجود عراق ضعيف مفكك يصبح مصدراً لعدم الاستقرار في كامل المنطقة.

 

لم تتوقع الولايات المتحدة حدوث فراغ في السلطة يظهر في العراق يكون أكثر تهديداً لمصالح أميركا الإقليمية من أي تهديد كان يشكله صدام حسين حتى عندما كان في أوج قوته، على العكس، كانت الرؤية الأميركية هي إعادة ولادة العراق ليكون دولة عميلة لأميركا وبؤرة للنفوذ الأميركي وبلداً يؤوي عدداً لا يستهان به من القواعد العسكرية الأميركية مع استغلال ثرواته النفطية الهائلة من قبل الشركات الأميركية.

 

لقد رأى المخططون الاستراتيجيون الأميركيون أن إعادة قولبة العراق ستقوي من السيطرة السياسية والعسكرية الأميركية على نفط الشرق الأوسط وتؤكد تفوق أميركا على منافسيها الإقليميين والدوليين.

ومن الواضح أن "إسرائيل" حصلت على ما أرادت الحصول عليه، أما الأهداف الاستراتيجية الأميركية فلم تتحقق ولن تتحقق، فبدلاً من أن يصبح العراق دولة عميلة لأميركا أصبح العراق بؤرة للعنف المعادي للأميركيين، ويبدو أن المقاتلين العراقيين عاقدو العزم على إجبار الغرب على الانسحاب من العراق، ويبدو أنهم يريدون إخراج أميركا من الشرق الأوسط العربي كما سبق أن دفعت أميركا خارج إيران في 1979.

 

في هذه الأثناء تبقى أميركا غارقة في حيص بيص، فهي ليست في وضع مريح يمكنها من البقاء كما أنه ليس بإمكانها الانسحاب بسهولة من ذلك البلد.

لقد علقت أاميركا في مصيدة العراق هي وآمالها وقواتها فأين وكيف ستجد اميركا المخرج؟