الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

بين فائض الضعف القومي وفائض القوة الإسرائيلية!

 

خيري منصور

صحيفة الوطن القطرية 11/10/2004

 

أطلقت "إسرائيل" على عملياتها الإبادية في غزة اسماً مثيراً يستحق التأمل بحق. وهو «أيام الندم» موحية للعالم بأن الفلسطينيين. يدفعون ثمن ما اقترفوا من جرائم ضد اليهود. لهذا آن وقت الندم بعد أن تم تنفيذ العقاب. والندم بالنسبة لإسرائيل هو دائماً من حصة الآخر. لأنها معصومة ومحصنة ضد الإحساس به. وهذا بحد ذاته يؤكد تلك الفلسفة الخرقاء. واللاتاريخية. التي حاولت «أسطرة» اليهود وإخراجهم من سياق التاريخ. بحيث تبدو عبارة عاشوا رغماً عن التاريخ. هي الرد على مقولة منطقية تتلخص في كون اليهود عاشوا بفضل هذا التاريخ وليس رغماً عنه.

 

ويبدو أن ما قاله يوري أفنيري في أكثر من مناسبة عن القاموس العبري المعكوس. يصلح الآن لقراءة هذه الشعارات التي تنتسب بالجملة إلى رؤية صهيونية. تستهدف ليّ عنق التاريخ. فمن أطلقوا على مجزرة مثل قانا اللبنانية اسم سلام الجليل هم أنفسهم الذين أطلقوا على جيشهم العدواني اسم جيش الدفاع. ونذكر أن موشي دايان كان قد اعترف لإذاعة الجيش الإسرائيلي بأن هذه التسمية كانت من أجل التضليل. ولهذا خاضت "إسرائيل" حروباً دفاعية. واستباقية بحجة إجهاض الخصم. ثم حولت هذه الرؤية إلى استراتيجية دائمة. بلغت عدواها الولايات المتحدة التي أصبحت تقول أيضاً: إن حروبها استباقية واجهاضية. والندم لن يكون حكراً على طرف واحد. لأنه على الدوام من نصيب من يبادرون إلى العدوان. ويتناسون أن دفع الثمن سيكون محتماً ولو بعد حين!

 

ولو عدنا إلى الأدبيات الإسرائيلية. وما سمي الوثائق الفاضحة للوجدان الجريح. لرأينا أن الندم بعد اجتياح لبنان كان موضوعة متكررة في مذكرات جنود وقصائد شعراء. ورسائل مجندين مضمخة بالدم. لكن المؤسسة العسكرية في "إسرائيل" لا تعترف حتى بحق الأفراد في الندم. لأنها اندفاع دائم نحو المزيد من العدوان. وما قاله أرنولد توينبي قبل أكثر من أربعين عاماً. يستمد صدقيته من هذه الأيام. فقد قال: إن :إسرائيل" تعيش بالحرب لكنها تذبل وتحتضر بالسلام. لهذا فهي تبتكر مضادات للسلام كلما أحست باقترابه. وهذا بالفعل ما قامت به بعد أوسلو عندما أدارت ظهرها للاتفاقيات وسحقت حتى ما وقعت به على الأوراق.

 

وقد لا يستطيع مراقب أن يحدد موعد الندم الإسرائيلي على عمليات «جباليا». لكن التاريخ لا يعبأ بمن يحاولون تعقيمه في زجاجات. أو تدجينه في شعارات. لأن كل عدوان يستولد بالضرورة «مقاومة» ما. وتلك ثنائية خالدة في تاريخ البشر ولولاها لتخثر التاريخ قبل آلاف السنين عند حدود إمبراطورية!

 

والحرب في أحد أبعادها تدور خارج الأسلحة والميادين. بين مفاهيم ورؤى. والرؤى الإسرائيلية التي تستمد كل دينامياتها من مرجعية صهيونية أقرب إلى الأسطورة من التاريخ. قد لا تصمد طويلاً أمام دفاعات بدائية تقضمها ببطء. لأن القفز من انتصار إلى انتصار قد يفضي كما قال «رايخ» إلى هزيمة كبرى. لأن حاصل جمع الانتصارات عندما تكون عمياء. ومن إفراز فائض القوة فقط .. قد يصبح على النقيض مما يقوله الحاسوب المحايد!

 

وقد أصبح مؤكداً أن الكيفية التي تريد بها "إسرائيل" الانسحاب من غزة. يتم توظيفها لترميم ما لحق من جراح بالنفسية العسكرية. خصوصاً بعد تلك العقدة المزمنة التي عاشتها العسكرتارية الإسرائيلية بعد تحرير جنوب لبنان. لكن هذا التعاطي لوصفة اسبارطية في ترميم الذات. قد يفضي إلى النقيض. ويقترن بأعراض جانبية قابلة للتمدد والاتساع بحيث تصبح أشد تأثيراً من المرض ذاته!

 

وإذا كانت تراهن على أن متوالية السحق والتدمير والاغتيال الجماعي ستؤدي إلى تدجين الفلسطينيين وسحب العصب من كيانهم. فإن مثل هذا الرهان الخائب جرّب من قبل. لكنه فشل. لأن تاريخ الاحتلال في العالم كله أصبح له وجه آخر أشد سطوعاً هو تاريخ المقاومة.

 

وبالرغم من أن البشرية ودعت الاحتلالات في العقود الأخيرة. وكانت الولايات المتحدة قد بشرت بنهاية الاستعمار خلال الحرب العالمية الثانية إلا أن تجديد صلاحية هذا المفهوم البائد بات من اختصاص فلسفة استيطانية تحالفت فيها على نحو فريد كل من واشنطن وتل أبيب. لأن الاثنتين نهضتا على أطلال سكان أصليين. ولا يمكن فهم هذه «الفيتوهات» التي تشهرها أميركا لصالح "إسرائيل" خارج هذا السياق. فهي إذ تشذ عن المجتمع الدولي برمته. تضيف حمولتها السياسية والعسكرية والأخلاقية إلى "إسرائيل" وتقتسم معها الخندق. ويكفي أن نتذكر ذلك الموقف الشاذ والمريب الذي اتخذته واشنطن إزاء الجدار العنصري. والاعتراض اللاعادل واللاأخلاقي على قرار محكمة العدل الدولية في لاهاي.. ولم تمض سوى شهور قليلة حتى شهرت واشنطن الفيتو مجدداً ضد قرار لمجلس الأمن يتعلق بمجازر جباليا.

وسيبدو الأمر مثيراً للسخرية. إذا أصغينا للولايات المتحدة وهي تثرثر حول تجسير العلاقات بينها وبين شعوب العالم ومنها العرب. فهي إذ تنتج أسباب الكراهية بكميات وفيرة. تقول إنها حريصة على تبديد سوء التفاهم مع عرب يكرهونها. ويرون فيها سبب البلاء!

 

وما من احتلال في التاريخ طالب ضحاياه بمنحه بوليصة تأمين تقيه من الأضرار والأذى. لكن هذا الاحتلال يريد ذلك. ويسعى بمختلف الأساليب إلى تضليل العالم. وارتداء قناع الضحية. لكن هذه الكوميديا الصهيونية تكشفت على حقيقتها ولم تعد تضحك أو تبكي أحداً. لهذا فهي تلوذ الآن بالقوة وحدها. وتستمد منها شرعية العدوان والاستيلاء. مستثمرة الخلل الكوني الذي أدى إلى استفراد قطب واحد بالعالم ومصائر الناس فيه.

و"إسرائيل" إذ تصر على مواصلة العدوان. ولا تشعر بأية ضرورة للمراجعة. فإنها تستمد القوة من مصدرين.. أولهما الحليف الأميركي الدائم. والذائد عنها في كل الأحوال. وثانيهما الضعف والهشاشة اللذان يتسم بهما المشهد العربي. الذي تهرأ نسيجه. ولم يعد يقوى على ما يسمى أضعف الإيمان وهو الكلام.. أو حتى الأنين!

 

وقد يكون هذا المصدر الثاني لقوة "إسرائيل" أشد فاعلية ونفوذاً. لأنه من خلال الرضوخ ومتوالية التأقلم مع الأمر الواقع. يعفي المعتدي حتى من ضريبة افتضاح نوازعه. وقدمت المجازر الأخيرة في غزة مثالاً ساطعاً على تقهقر الأوضاع القومية في النطاق العربي كله. بحيث أصبح حتى الإعلام مصاباً بقشعريرة الخوف. ويتحاشى بقدر الإمكان التعبير المباشر والصريح عما يحدث! ليس فقط لكونه تورط بنظم حولته إلى نشاط موسمي. منزوع الفاعلية. بعد إبطال مفعوله. بل لأنه أيضاً تسلم رسائل مفعمة بالوعيد والنذير من خارج حدود العالم العربي.

هكذا بلغت عدوى هاجس النجاة ولو على خازوق إلى المشتغلين في حقل الشهادة. فهم عندما يتحولون إلى شهود زور يكون الملح قد فسد أيضاً. ولم يعد هناك أي رجاء!

 

والأمر الآن ليس مجرد اشتباك نظري بين متفائل ومتشائم. لأن القادم من الأيام نستطيع أن نحزره من خلال هذه الممكنات التي يعج بها الراهن. والتاريخ لا يتعامل مع البشر بأوراق اليانصيب أو الرغائب والاسقاطات. لهذا قد يكون القادم أسوأ. بل أشد سوءاً من كل ما مضى. وكان يبدو خاتمة المطاف. لأن "إسرائيل" يسيل المزيد من لعابها على العرب. كلما أحست بأنهم أكثر وهنا وهشاشة واستعداداً لقبول ما يملى عليهم. وبأية شروط! لهذا لا ندري إلى أي شيء يستند هؤلاء الذين يراهنون على المستقبل. وينيطون به تصحيح أخطاء الماضي والحاضر! إن كانوا يستندون إلى حتميات ثبت بالفعل بطلانها فهم واهمون وواقفون في طابور طويل. أمام مسلخ لن يستثني أحداً منهم. فمن لم يبلغه الدور الآن سيبلغه غداً أو بعد غد!

أعرف. أننا سنظل لفترة طويلة نراوح في مساحة ضيقة بل خانقة من التوصيف لما يجري. لأن التحليل ليس متاحاً لمن أسلموا أمرهم للصدفة. وصار شعارهم. هو ما يقع من السماء تتلقفه الأرض!

 

إن اليد الإسرائيلية التي استطالت حتى بلغت مواقع أبعد من فلسطين وخارج حدودها. ستواصل الاستطالة حتى يصبح وطن عربي بكامل مساحته وتعداد سكانه مجالاً حيوياً لها. وحين يعلن شارون وموفاز أيضاً بأنه ما من هدف عربي يمكن اعتباره حصيناً أو نائياً. فإن معنى ذلك. هو التهديد باحتلال الوطن العربي كله. وليس بالضرورة أن يكون الاحتلال تقليدياً وذا صيغة عسكرية فقط. فالاحتلال بالريموت كونترول أصبح من مبتكرات عصر غاشم. تلاشت فيه الكوابح. والمصدات. ولم يعد هناك حتى مجتمع دولي ذو هيبة يستطيع أن يدافع عن وجوده وجدواه.

 

وقد لا نبالغ إذا قلنا إن ما دشنته الولايات المتحدة بحروب ما بعد الحداثة. وما بعد الحرب الباردة وما بعد الأمم المتحدة. من استباحة للعالم وحذف لمفهوم السيادة. سيكون أول الدم لا الغيث في حقبة تعمها الفوضى ويعاد فيها البشر رغم كل ما أنجزوه من تقدم علمي إلى الغاب.

 

"إسرائيل" تستثمر إلى أقصى الحدود هذه الفوضى الكونية. وتقحم أجندتها على أجندات الآخرين وفي مقدمتهم أصحاب الأجندة المدججة بكل أصناف السلاح والنفوذ. وهي الأجندة الأميركية. بحيث تبدو واشنطن الآن كما لو أنها تنوب عن "إسرائيل" في حروبها. ف"إسرائيل" أصبحت تتغذى حتى من مبيداتها اللفظية ومن الاستنكار العالمي لما تقترفه من جرائم. لأنها تدرك أن كل ما يقال ممنوع من الترجمة والصرف. ولديها ضمانات أكيدة بأن العقاب لن يلحق بها حتى لو أبادت شعباً برمته.

 

لهذا فهي تريد استثمار هذه الفرصة حتى النخاع لأن التاريخ قد لا يجود ثانية بمثل هذه الفرصة. حيث يتحالف الضعف العربي مع الرعاية الأميركية أحادية البعد لإسرائيل ضد حقوق العرب.

إن مستقبلاً. كهذا الذي يمهد له راهن كالراهن العربي. قد لا يقبل على الإطلاق. وإن أقبل فهو مكبل ومحتل!!