الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

فنانون.. ويهود

 

بقلم ‏:‏ حياة الحويك عطية 

 

صحيفة الخليج 9/3/2004

 

اليهود منزعجون، اليهود غاضبون، اليهود يشعرون بالإهانة الفظيعة، اليهود خائفون. لكن اليهود راضون. اليهود يتدافعون إلى لاهاي للتظاهر أمام المحكمة التي تنظر في قضية الجدار بعد أن أعلنت جمعية أهلية "إسرائيلية" في الصحف أنها مستعدة لتمويل سفر الطلاب اليهود من كل جامعات العالم إلى المدينة الهولندية للتظاهر تأييداً "لإسرائيل"، وذلك في الوقت الذي يتدافع فيه مسؤولوهم إلى العواصم الأوروبية، وكذلك مؤسساتهم الرسمية التي استبقت مؤتمر المجموعة الأوروبية في بروكسل حول مكافحة اللاسامية، بافتتاح مؤسستين مهمتين في العاصمة البلجيكية  الأوروبية: المجلس اليهودي -الأمريكي افتتح مؤسسة لتوثيق اللحمة الأطلسية بين أوروبا والولايات المتحدة، حول "إسرائيل" والتعبير له والمجلس اليهودي العالمي افتتح مؤسسة لإزالة التشويه الذي لحق بصورة "إسرائيل" في أوروبا، في تماه كامل ما بين "إسرائيل" ويهود العالم.

 

غريبة هذه الهستيريا اليهودية التي تجتاح أوروبا، بقدر ما كان غريبا منظر (إيلي ويزل)، الكاتب اليهودي الحائز على جائزة نوبل، والذي قال في أكثر من مرة إنه لا يجوز تشبيه مذبحة اليهود بأية مذبحة أخرى في التاريخ لسبب بسيط هو أن اليهود مختلفون ومتفوقون، وهو يتباكى، من على منصة  المؤتمر المذكور على وضع اليهود.. الخائفين.

 

هستيريا تستكمل صورتها عبر مجموعة أحداث فنية توحي بالعبارات التي بدأت بها عن الرضا وعدم الرضا، وكل منها تؤشر إلى حادثة عرفتها أوروبا في الأسابيع الماضية:

 

U.S.S  عمل فني يعرض في أحد معارض النرويج يرسم كلمتي: "إسرائيل" و"يو اس أي" (الولايات المتحدة) وقد استبدل حرفا الاس في الكلمتين بالصليب المعقوف، ليثير ذلك غضب سفيرة "إسرائيل"، فتقدم احتجاجاً تقول فيه إن تشبيه "إسرائيل" بالنازية يثير انزعاج اليهود، وغضب "إسرائيل" وإن على الحكومة النرويجية سحب العمل من المعرض.

 

معرض فني آخر في السويد يمثل "إسرائيل" تسبح في سائل أحمر يثير غضب السفير "الإسرائيلي" إلى حد يجعله يقلب الطاولة والإناء ويقول إن تلك إهانة فظيعة للشعب اليهودي  ويطالب بسحب العمل من المعرض.

 

فنان فرنسي كوميدي ديودوني يقدم عرضاً يهزأ من الأصوليات الدينية على اختلافها وعندما يصل إلى الأصولية اليهودية يخرج بزي حاخام أصولي ويمد ذراعه على الطريقة النازية، فتقوم القيامة ولا تقعد في باريس، إلى أن تقوم الشرطة بمنع عرض للفنان المذكور في الأولمبيا، رغم أن العرض المذكور هو عرض آخر مختلف لا علاقة له على الإطلاق بالعرض موضوع الاحتجاج، ومبرر الشرطة أن إدارة الأولمبيا تلقت كماً كبيراً من رسائل الاحتجاج والتهديد الذي بلغ في حوالي عشرة منها مستوى خطيراً من العنف والتهديد باستعمال العنف الخطير، بل إن الفنيين العاملين في الأولمبيا قد تلقوا تهديدات شخصية إذا ما تعاملوا مع العرض المذكور.

 

ديودوني قدم اعتراضاً أمام المحكمة على منع عرضه، لكنه خسر القضية وعندها أصرّ على تقديم العرض في الشارع حيث التحق به جمهوره الذي أصر على دفع ثمن التذكرة، ليتحول العرض إلى مظاهرة دعم، الدعم أيضاً لقيه الفنان من رابطة حقوق الإنسان التي اعتبرت الأمر تعدياً على حرية التعبير، وكذلك من نقابة الفنانين التي قالت إن ذلك يشكل تعدياً على حق وحرية الإبداع الفني .لكن ذلك كله لم ينفع أمام الضغط اليهودي. رغم أن "الليكرا" وهي الرابطة التي تتولى دائماً القضايا التي يقيمها اليهود، قد حاولت أن تخفف من الأمر، في عملية توزيع أدوار مألوفة، إذ قال المتحدث باسمها إن ديودوني ليس لاسامياً لكنه مشاغب سيئ.

 

الفنانون الثلاثة، وكل في عاصمته ردوا بعنف على الاتهامات وقالوا بأنهم ليسوا لا ساميين وأنه من غير المعقول أن يصبح من الممنوع قطعاً انتقاد دولة "إسرائيل" حتى عندما يكون ذلك ضمن سياق موقف فكري وسياسي عام، فالأول قال: إنه يتبنى موقفاً ضد القوميات التوسعية والعرقية ولذلك فهو ضد الولايات المتحدة و"إسرائيل".

 

الثاني اعتبر أن موقفه يندرج ضمن موقف مبدئي من قمع الشعوب والاحتلالات، والثالث أوضح أن موقفه هو من كل الأصوليات، بما فيها  الأصولية اليهودية.

 

لكن أحداً لم يعترض على  تصوير الولايات المتحدة في العمل الأول، لا ولا على انتقاد الأصوليتين المسيحية والإسلامية في العمل الثالث، المحظور الوحيد هو اليهود و"إسرائيل". وقد أصبح شائعاً أن تسمع هنا التذمر القائل: بإمكاننا أن نشتم أياً كان حتى رئيس الدولة، أن ننتقد المسيحية والإسلام، لكن ليس بإمكاننا أن ننتقد يهودياً أو "إسرائيل".

 

حادثة أخرى مشابهة عرفتها الولايات المتحدة نفسها هذه الأيام أيضاً، تتعلق بفيلم أخرجه ميل جيبسون عن حياة السيد المسيح، وأثار احتجاجات مدوية من قبل اليهود هناك، وطالبوا بمنع عرضه، لكن جيبسون صرح بأنه باع حتى الآن أربعة آلاف نسخة للعرض وإنه وقع عقوداً مع ثلاثة آلاف وخمسمائة صالة عرض، وأن فيلمه لا يقدم شيئاً إلا الساعات الأخيرة من حياة السيد المسيح كما يرويها الإنجيل، اليهود يردون بأن رواية الإنجيل تثير الكراهية ضد اليهود ولا يجوز تقديمها في وسائل الإعلام.

 

والد ميل جيبسون خرج مدافعاً عن ابنه فأثار زوبعة أخرى إذ قال في معرض كلامه إن الهولوكوست ليس إلا خيالاً، الصحافيون ذهبوا إلى جيبسون يسألونه تعليقاً على تصريحات أبيه فقال: أنا أحب أبي وأصدقه، أجل كان هناك اضطهاد ولكن معظم روايات الهولوكوست  من صنع الخيال.

 

على أية حال ليست هي المرة الأولى التي يثور فيها يهود أمريكا على فيلم حول حياة السيد المسيح فقد حصلت الرواية نفسها في نيويورك قبل بضع سنوات مع فيلم مشابه للمخرج روبرت حسين، ووصل الأمر القضاء، حيث قال حسين: لست لاسامياً وقد أخذت النص من الإنجيل فرد عليه حاخام نيويورك بأن الإنجيل كتاب لا سامي، ويجب تعديله.

 

لكن ثمة مساراً آخر تقودنا إليه هذه الأحداث المتلاحقة: إلى أين سيقود هذا التململ الواضح في المجتمعات الغربية ضد الطغيان اليهودي، هذا الوعي المتنامي بطبيعة دولة "إسرائيل"، من جهة، وهذا التنامي المقابل في الهستيريا اليهودية التي لا تجد حلاً لذلك إلا في التهديد والعنف والقمع والمنع والاستنجاد بقوة القمع الحكومية، التي تجد نفسها مضطرة إلى الانصياع والاستجابة وامتشاق عصاة الشرطة أو القضاء أو الإدارة لكم الأفواه وإسدال الستارة لحجب المشهد الذي يتفاعل على المسرح، تفعل ذلك إما بفعل العجز والجبن عن مواجهة الحقيقة وإما بتأثير عقد الماضي الذي يجثم ثقيلاً على الضمير الغربي  منذ الحرب العالمية الثانية (وهنا تتبدى الأهمية الحاسمة لترسيخ أسطورة الهولوكوست) وإما أخيراً وليس آخراً بفعل خضوع الأشخاص الذين يتولون السلطة لنفوذ اللوبيهات اليهودية التي تسيطر على المال والإعلام، وهما ما يصنع السلطة في الديمقراطيات الغربية، أكثر مما تصنعها أصوات الناخبين؟

 

أخيراً: ألا يبدو من الملفت جداً أن هذا التململ إنما يتبدى بشكل رئيسي في المجالات الفنية، هذه المجالات التي سعت اليهودية العالمية، وتعبيرها الصهيوني، إلى السيطرة عليها منذ بداية القرن، وذلك إدراكاً لأهميتها القصوى في التأثير في الرأي العام؟

 

أليس الفن هو مجال التعبير الأصدق عن الوجدان الشعبي، وطليعة التغيير عبر التاريخ؟

 

لكن اليهود راضون، وموضوع الرضا هو الفنان العربي عمر الشريف، الذي حصل قبل يومين على جائزة سيزار وهي أعلى جائزة فنية في فرنسا، وكي لا يتهمنا المولعون بحسن النية، بهاجس المؤامرة، وبأننا نتخيل أصابع اليهود وراء كل شيء، فإن عمر الشريف لم يحصل على الجائزة على فيلم "لورنس العرب" لا، ولا على فيلم "الدكتور جيفاغو" وإنما على فيلم أقل أهمية بكثير من الناحية الفنية هو فيلم "إبراهيم" يتناول قصة محبة وصداقة بين إبرهيم العجوز اليهودي وصبي عربي".

 

حب علينا نحن العرب أن نقع فيه ونؤمن به في حين تجتاحنا جرافات "إسرائيل" ويمضي شارون في بناء جدار الكراهية الذي أوصى به جابوتنسكي منذ  أكثر من نصف قرن.