فرنسا.. ويهودها
بقلم : محمد السماك
صحيفة
الأهرام 4/8/2004
في عام
1895 كان تيودور هرتزل مراسلاً في باريس لصحيفة نمساوية تصدر في
فيينا. في ذلك الوقت اكتشفت السلطات الفرنسية خيانة ضابط عسكري في
الجيش الفرنسي كان يعمل لمصلحة الألمان. كان اسم الضابط الفرد
دريفوس وكان يهودياً.. في ذلك الوقت كان العداء الفرنسي - الألماني
على أشده. وإذا كانت الخيانة الوطنية تعتبر بصورة عامة جريمة
منكرة، فإن خيانة الوطن الفرنسي لمصلحة الألمان - مثل خيانة الوطن
العربي لمصلحة "إسرائيل" اليوم - كانت أكثر من جريمة. كانت كارثة
وطنية.
ولذلك فإنه
ما أن كشف النقاب عن الخيانة وما أن عرف الفرنسيون أن الخائن هو ضابط
يهودي، حتى خرجوا إلى الشوارع وهم يهتفون: الموت لليهود..
عاد هرتزل
إلى فيينا ليكتب عن هذا الأمر. كان رئيس بلدية العاصمة النمساوية
في ذلك الوقت يدعى كارل لوغر. وكان لاسامياً شديد الكراهية
لليهود..
وسط هذه
الأجواء خرج هرتزل بنظريته التي تقول إن على اليهود أن يمتنعوا عن
التظـاهر بالذوبان في المجتمعات الأخرى وأن عليهم أن يعترفوا بهويتهم
الخاصة وأن يقيموا وطنهم القومي شكلت هذه النظرية النواة الأولى
للصهيونية اليهودية التي قضى هرتزل بقية عمره القصير (مات عن 44
عاماً) من أجل الترويج لها. فكان مؤتمر بال بسويسرا 1897
الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل التي أدت إلى إعلان بلفور في
عامى1917 ثم إلى قيام "إسرائيل" في عام 1948.
منذ ذلك
الوقت اعتمدت "إسرائيل" والحركة الصهيونية المنطق الدريفوسي كأساس
لتحريض اليهود على التضامن في مواجهة الآخر. بمعنى استعداء
المجتمعات في الدول المختلفة على اليهود من أجل حمل اليهود على
الهجرة إلى وطنهم القومي الجديد. فعلوا ذلك في الاتحاد السوفيتي
السابق. ففي "إسرائيل" اليوم أكثر من مليون يهودي من أصول روسية
وأوروبية شرقية. وفعلوه أيضاً في الدول العربية (عملية علي بابا
في عراق 1950) وهم يفعلونه اليوم في فرنسا.
في شهر تموز
- يوليو من عام 1942 كانت فرنسا تحت الاحتلال الألماني. وكانت
حكومة فيشي المتعاملة مع الألمان تلتزم بالسياسة النازية ضد
اليهود. في ذلك الوقت جرى في باريس اعتقال يهود العاصمة الفرنسية
(نحو 8 آلاف شخص) وتجميعهم في أحد الملاعب الرياضية، ومن هنا
نقلوا إلى معسكر في بلدة درانس ومنه إلى المعسكرات الألمانية.
منذ انتهاء
الحرب وهزيمة ألمانيا حرصت الحكومات الفرنسية المتعاقبة على إلقاء
مسئولية تلك العملية العنصرية على النازية وحدها، إلا أنه تحت
الضغط اليهودي وافقت فرنسا في عام 1995 على الاقرار بمسئولية
مواطنين فرنسيين أيضاً.
تعتبر
الجالية اليهودية في فرنسا التي يبلغ عددها نحو 600 ألف أكبر جالية
يهودية في أوروبا. ومن أبرز شخصياتها السياسية لوران فابيوس رئيس
الحكومة السابق ودومينيك شتراوس خان وزير المال السابق، وبرنارد
ليفي الكاتب والمعلق السياسي، أما المسلمون الفرنسيون فيشكلون نحو
عشرة بالمائة من مجموع السكان!
وإذا كان
طبيعياً أن يتعاطف اليهود الفرنسيون مع "إسرائيل"، فإنه من الطبيعي
أيضاً أن يتعاطف المسلمون مع الفلسطينيين، وقد تبلور هذا التناقض
العاطفي في ضوء الانتفاضة الفلسطينية الأولى في عام 2000، وتنامى
مع سلسلة جرائم القتل الجماعي واغتيال القيادات الوطنية الفلسطينية
التي ارتكبتها وترتكبها القوات الإسرائيلية والتي ترافقت وتترافق مع
عمليات تهديم البيوت واقتلاع المزارع وبناء الجدار الفاصل. مع ذلك
كله واستناداً إلى السلطات الفرنسية الرسمية فإن الفرنسيين المسلمين
أو المنحدرين من أصول عربية لا يتحملون مسئولية الاعتداءات أو
التهديدات ذات الطابع المعادي للسامية.
حتى إن
المجلس اليهودي الفرنسي نفسه يلقي باللائمة في هذه الأحداث على
اليمين الفرنسي، وبصورة خاصة على الحركة التي يتزعمها جان ماري
لوبان (المرشح السابق للرئاسة الفرنسية).
وتشير
الاحصاءات الرسمية إلى ارتفاع عدد هذه الأحداث إلى 510 خلال الأشهر
الستة الأولى من هذا العام، علماً بأن العام السابق -2003 -
بكامله شهد 593 حادثاً فقط.
من هنا أهمية
الدعوة التي وجهها الجنرال شارون إلى يهود فرنسا بالهجرة إلى
"إسرائيل" خاصة أن هذه الدعوة جاءت أمام وفد من قادة يهود الولايات
المتحدة!! وكرد مباشر على التصريح الذي أدلى به وزير الخارجية
الفرنسية ميشال بارنييه إثر زيارته لياسر عرفات في محتجزه في رام
الله وإعلانه تضامن فرنسا مع الشعب الفلسطيني.
|