|
الحقيقة الضائعة بين باراك وشارون ومالكا
ديفيد هيرست
صحيفة
الخليج الإماراتية 30/6/2004
عندما نشر
الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون مذكراته، صرح لصحيفة "الجارديان"
اللندنية بأن الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات هو المسؤول عن فشل محادثات
كامب ديفيد في يوليو/ تموز 2000 لأنه أي عرفات وخلافاً لرئيس الوزراء
"الإسرائيلي" السابق أيهود باراك الذي كان على استعداد لتقديم
"تنازلات هائلة"، لم يتمكن من تحقيق القفزة النهائية ليتحول "من ثوري
إلى رجل دولة". وهناك سبب واحد يدفع كلينتون حتى في حال كان يعتقد
فعلاً بما يقوله إلى ألا يعلن ما قاله الآن. فقد كانت محادثات كامب
ديفيد من بنات أفكار باراك أساساً. ونظراً إلى أن باراك كان يتلهف
لتحقيق اختراق في عملية السلام الهامدة فقد رأى أن قيامه بمناورة
تتداخل فيها "المراحل الانتقالية" غير المنجزة لاتفاقية أوسلو مع
قضايا "الوضع النهائي" خلال اجتماع قمة سري واحد كبير سينهي النزاع
القائم منذ مائة عام. وكان عرفات يمانع كثيراً في الحضور، ولكن
كلينتون وحده أقنعه بأن يحضر بالتعهد له أنه لن يلقي اللوم عليه في
حال خرجت القمة بنتائج محبطة.
وكان ذلك هو
بالضبط ما فعله في ذلك الوقت. لكن استمراره في القيام بذلك بعد أربع
سنوات يجعل موالاته في غير محلها. فقد استمر النزاع، وكان الاستمرار
في معظمه لمصلحة عرفات، ويدور النزاع حوق قضية أخرى قريبة من العراق
حيث يتم تسييس المعلومات الاستخبارية وإفسادها لتخدم برنامج عمل
متصور مسبقاً. وقد بدأت القصة بذلك المؤتمر المشؤوم. الذي كان،
باتفاق الغالبية، نقطة التحول التي أدت إلى اندلاع الانتفاضة. ويكمن
الخلاف في تحديد الجهة التي يلقى عليها اللوم. ولكن، وفي هذا الشهر
فقط، تلقت هذه النسخة التي اهترأت بالفعل، ضربة أخرى قوية من جهة
ينبغي أن تعد أكثر إطلاعاً من كلينتون. وقد جاءت الضربة من آموس
مالكا الذي كان رئيساً للاستخبارات العسكرية "الإسرائيلية" في ذلك
الوقت.
والفكرة
الأساسية في هذه النسخة هي أن عرفات أثبت أنه ليس شريكاً من أجل
السلام. وكان معنى إصراره على "حق العودة" أنه عازم على تدمير
"إسرائيل" بوسائل ديموغرافية. وأن عرفات دبر فشل الدبلوماسية لكي
يبرر اللجوء إلى العنف. وكانت لهذه النظرية عواقب هائلة لا تزال
قائمة حتى الآن.
وقد وجدت صدى
لدى الشعب "الإسرائيلي" برمته. وبالنسبة لليمين "الاسرائيلي"، أظهرت
الانتفاضة بالطبع أن عرفات يبقى "قاتلاً ومجرماً" كما هو رأي اليمين
في عرفات دائماً. ولكن اليسار "الإسرائيلي" تقبل رأي باراك بأنه تمكن
خلال قمة كامب ديفيد من "كشف وجه عرفات الحقيقي". وبالنسبة للذين
شعروا بأنهم فعلوا الكثير لتعزيز عملية السلام فإن الانتفاضة حتى من
قبل حدوث العمليات الاستشهادية كانت خيانة للثقة التي أولوها له.
وأما “معسكر السلام” الحقيقي فقد تضاءل إلى حد التلاشي. وقبل أن يمضي
وقت طويل، كان أهل اليمين واليسار على استعداد "للمنقذ" الذي وعدهم
بحل عسكري بسيط. وحل شارون محل باراك على رأس أشد الحكومات تطرفاً
وولعاً بالعنف في تاريخ "إسرائيل".
وتقبلت
أمريكا النسخة حيث بزت الصحافة بالاجماع تقريباً كلينتون ذاته في
الاشادة "بالعرض "الإسرائيلي" الأكثر سخاء" وشجبها رفض عرفات لذلك
العرض. وحققت الموالاة ثمرتها كاملة في عهد إدارة الرئيس جورج دبليو
بوش ولا سيما بعد هجمات سبتمبر/ أيلول وما يسمى ب "الحرب على
الإرهاب". وبالنسبة لبوش، أصبح عرفات يمثل "العقبة امام السلام" ويجب
أن يستبدل به ديمقراطياً قادة لم يلوثهم "الفساد والارهاب".
وفي هذه
السنة، وبموافقة بوش لشارون على أن "إسرائيل" ليس لديها "أي شريك
فلسطيني تستطيع أن تحقق معه تقدماً في عملية سلام ثنائية"، صادق
الرئيس الأمريكي على خطة شارون "للانسحاب الأحادي" من غزة وتقويضها
ورفض عقود من السياسة الأمريكية الرسمية هو حق "إسرائيل" في أن تحتفظ
بأغلبية مستوطناتها غير الشرعية ومساحة الأرض الشاسعة من الضفة
الغربية التي توجد عليها تلك المستوطنات.
وعلى الرغم
من أن عرفات سعى فعلاً إلى تحويل الانتفاضة لمصلحته فور اندلاعها،
فإن هذه الانتفاضة في جوهرها كانت ثورة شعبية عفوية ضد استمرار
احتلال "إسرائيل"، وإدراك أن أوسلو لن تنهي الاحتلال أبداً وكانت
مناوئة ضمنياً لعرفات لإصراره على أن اتفاقيات أوسلو تستطيع إنهاء
الاحتلال.
والذي يؤكده
النزاع المستمر الآن هو ما أكدته قلة من "الإسرائيليين" من البداية
وهو: أن التهمة القائلة إن عرفات "خطط" للانتفاضة أو "حث عليها" أو
"دبرها" ينبغي توجيهها بالأحرى إلى كبار المسؤولين والسياسيين
والقادة العسكريين الذين بطشوا بها. فقد أراد هؤلاء الناس في الواقع
قيام الانتفاضة، وكانوا يستعدون لها، وعندما جاءت أججوها بالاستخدام
غير المتناسب للقوة مع المتظاهرين الفلسطينيين غير المسلحين ورماة
الحجارة. وبالنسبة لشارون الذي يرى في أوسلو "أكبر محنة تعرضت لها
"إسرائيل"" ورأى في الانتفاضة الفرصة السانحة للقضاء على أوسلو، فقد
كان في مقدمة أولئك الناس. ولكن وعلى الرغم من "عرض باراك السخي"
وعلى الرغم من كونه المنافس السياسي لشارون، فإنه أي باراك يعد من
بين أولئك الناس أيضاً إذ إنه من المعجبين بممارسات شارون العسكرية.
ولم يكن
عرفات في المقام الأول هو الذي نسف محادثات كامب ديفيد. وقد فند
روبرت ماليه مستشار كلينتون خلال المحادثات وآخرون منذ فترة طويلة
تلك المقولة، بل إنهم أشاروا إلى أن باراك برأيهم أسهم في انهيار
المحادثات أكثر مما فعل عرفات.
ويجيء الآن
رئيس الاستخبارات العسكرية السابق مالكا ويؤكد صراحة أن تقويم نيات
عرفات وتصرفاته التي اعتمد عليها باراك وبعده شارون كانت "خاطئة" وأن
عدم صحتها كان متعمداً. وقد وضع تلك التقويمات رجل كان يشغل منصباً
رئيسياً في عملية صنع السياسة "الإسرائيلية"، وكان ذلك الرجل هو
عاموس جلعاد رئيس قسم الأبحاث في الاستخبارات العسكرية. وكان هو الذي
نقل "تقويمات الأمن الوطني" إلى الحكومة. والأمر المهم هنا هو أنه
قام بذلك شفهياً "لأن الوزراء حسبما أكد هو شخصياً لا يقرأون". ولكن
الأمر الذي يفوق ذلك أهمية طبقاً لمالكا هو أن تقاريره الشفهية كانت
مختلفة عن التقارير الخطية التي أعدها مكتبه، وهو تضارب صححه "بإعادة
كتابتها على نحو رجعي" إذ أن هذه التقارير الخطية ما كانت ستدعم ما
أصبح بفضل تحريفاته وتلفيقاته الرأي السلبي في عرفات.
ويتساءل ناشط
السلام "الإسرائيلي" يوري أفنيري في معرض تعليقه على التحريف
والتلفيق الذي مارسته أجهزة الاستخبارات "الإسرائيلية": "ومن هو هذا
الرجل الذي كان له تأثير يفوق تأثير أي شخص آخر في سياسات "إسرائيل"
خلال السنوات القليلة الماضية والذي لا يزال "مفهومه" يوجه مسار
الدولة؟ إنه عاموس جلعاد ذاته الذي طالب يوماً ما بمنحه المزايا التي
يستحقها قدامى رجال الجيش المعوقين. وهو لم يتعرض لإصابة خلال قتال
ولكنه زعم إن الضغط الناتج عن وظيفته سبب له ضرراً عقلياً لا يمكن
التخلص منه. فمتى بدأ هذا الضرر العقلي؟ ومتى لوحظ أول أعراضه؟ هل
كان ذلك عندما بدأ يكرر على نحو دائم أن عرفات يريد أن يرمي بنا في
البحر؟ أم أن هذا القول هو ذاته من أعراض تلك المشكلة العقلية؟".
ولم يحظ هذا
الخلاف باهتمام كبير داخل "إسرائيل" ناهيك عن أن يحظى بالاهتمام
الدولي الذي يستحقه. ولكن، وإذا كان هذا يشكل نبأ سيئاً عن الطريقة
التي تتخذ بها زمرة من الجنرالات، والجنرالات الذين تحولوا إلى
سياسيين، القرارات الحقيقية على نحو مطرد في الدولة التي تصف نفسها
"بالديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"، فإن النبأ الأسوأ يتمثل في
الطريق التي تساعد أيضاً على اتخاذ تلك القرارات في الولايات المتحدة
وهي الديمقراطية الأكبر من جميع الديمقراطيات. ولقد كان واضحاً منذ
أمد بعيد ومن خلال صقور إدارة بوش من المحافظين الجدد أن "إسرائيل"
لعبت دوراً كبيراً في تشجيع أمريكا على غزو العراق. ويبدو الآن أن
الدولة العبرية ضالعة على نحو عميق في تقديم معلومات استخبارية زائفة
لتبريره. ولمن يريد معرفة المزيد أن يطالع آخر الأسرار التي تم كشفها
عن الموضوع بوساطة أحد المطلعين على الأمور في كتاب جيمس بامفورد
"ذريعة الحرب" وهو من بين الكتب الأكثر مبيعاً.
|