الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

شارون ويهود فرنسا: "حب" غير متبادل!

 

باسكال بونيفاس

 

صحيفة الاتحاد الإماراتية 27/7/2004

 

تصريحات أرييل شارون الأخيرة، التي دعا فيها يهود فرنسا إلى "الهجرة على الفور" إلى إسرائيل "هرباً من حالة من أشد حالات اللاسامية وحشيةً"، قوبلت بإدانة شديدة أجمعت عليها مختلف أطياف المشهد السياسي الفرنسي. لقد رد على هذه الاتهامات رئيس الجمهورية، وأعضاء الحكومة، والمسؤولون من مختلف التوجهات السياسية، واتفق الجميع، دون استثناء، على إدانة واستهجان ما صدر عن رئيس الوزراء الإسرائيلي. أما الممثلون الشرعيون للطائفة اليهودية الفرنسية، الذين قد يختلفون أحياناً مع سياسة حكومة بلادهم فيما يتعلق بالشرق الأوسط، فقد عبَّروا هم أيضاً عن انزعاجهم من كلام شارون، بل ذهب بعضهم إلى اتهامه بأنه بتصريحاته المستفزة تلك "سعى إلى صب الزيت على النار".

 

ومما يذكر في هذا السياق أن شارون كان قد عزا سبب ما سماه هو انتشار حالات العداء للسامية في فرنسا إلى وجود أعداد كبيرة من السكان المسلمين. لقد قال بالحرف الواحد: "10% من السكان اليوم في فرنسا، هم مسلمون. وهذا ما عزز ظهور حالات جديدة من اللاسامية قائمة على المشاعر المعادية لإسرائيل". إن الزعيم الإسرائيلي في الواقع يقع هنا فريسة مغالطة فكرية مُطبقة. فحسب منطوق كلامه، أن اليهود والمسلمين لا يمكن أبداً أن يتعايشوا بسلام ووفاق. أو لنقلْ بعبارة أوضح إنه يصنف جميع المسلمين الفرنسيين على أنهم معادون للسامية. وهذا تصنيف لا يستطيع أي مسؤول فرنسي، مهما كان، أن يقبله أو يغض الطرف عنه، كما لا يستطيع أيٌّ كان أن يتركه يمرُّ، هكذا، لما فيه من عدائية مكشوفة وموجهة لجميع الفرنسيين، سواء كانوا مسلمين أم من طوائف أخرى. هذا فضلاً عن كون مثل تلك الأقوال هي أصلاً غير مناسبة، وعارية من الصحة جملةً وتفصيلاً.

 

والمفارقة هنا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي تعمَّد استخدام أسلوب استفزازي كان هو نفسه سيستشيط غضباً لو أن أحداً غيره استخدمه، أو وجهه إليه. ولنتخيلْ الآن كم من الصراخ والعويل كان سيصدر عن شارون، لو أن رئيس حكومة فرنسياً طالب الفرنسيين بالعودة إلى فرنسا والهروب من "إسرائيل" حفاظاً على سلامتهم بفعل حالة انعدام الأمن وعدم الاستقرار التي تعصف بذلك البلد. ثم ما الذي كنا سنقول لو قام أحد القادة العرب بدعوة مسلمي فرنسا إلى الهجرة من هذا البلد بحكم تفشي العنصرية والعداء للعرب، واتهم الطائفة اليهودية الفرنسية بأنها تقف وراء تلك الممارسات الذميمة؟

 

وحتى إذا كانت العبارة خانت شارون في تصريحه، وصبت عليه رطانته بالتالي جام غضب عموم الفرنسيين على هذا النحو، فإن ما صدر عنه مع ذلك يعبِّر، في الواقع، عن استراتيجية بعيدة الأمد يسعى هو جاهداً لتحقيقها. لم يكن الأمر، على الأرجح، مجرد هفوة لفظية عارضة صدرت في لحظة تسرع أو قصور في التفكير. فالرجل أراد من وراء كلامه تحقيق غايتين، إحداهما داخلية، والأخرى ذات بُـعد دولي. الأولى هي عمل كل ما يلزم للتعبئة لمواجهة الرهان الديمغرافي الذي يعدُّ هاجساً أساسياً بالنسبة إليه، في صراعه الشرس ضد الفلسطينيين. فخلال جيل واحد، سيصبح عدد الفلسطينيين أكثر من عدد اليهود في عموم المنطقة التي تشمل ("إسرائيل"/ الأراضي المحتلة)، وسترجح كفة الفلسطينيين مع مرور الوقت، بفضل نسبة الزيادة السكانية التي تتفوق لديهم على مثيلتها لدى اليهود بشكل واضح. ولذا يرى شارون أنه لا حل للمشكلة الديمغرافية إلا بالمزيد من تشجيع الهجرة اليهودية إلى "إسرائيل" لتلافي خلل الميزان الديمغرافي في مواجهة الفلسطينيين.

 

ولسدِّ هذا العجز السكاني حدد شارون لنفسه منذ سنة 2001 ثلاثة بلدان اعتبرها بمثابة خزانات سكانية يهودية، قرر التركيز عليها لتهجير سكانها إلى "إسرائيل". ويتعلق الأمر بالجاليات اليهودية في كل من الأرجنتين، وجنوب أفريقيا، وفرنسا. وفيما يخص يهود فرنسا تحديداً فمن المعروف أنهم مندمجون في مجتمعهم، دون عوائق، ويحيون حياة مُبهجة في المجتمع الفرنسي، ولذا فليس ثمة سبب يدعوهم إلى الهجرة عن بلادهم للاستقرار في "إسرائيل". بل إن تدهور الأوضاع الأمنية يوماً بعد يوم في ذلك البلد يجعله آخر ما يمكن أن يفكروا في الهجرة إليه من الأساس.

 

ويسعى شارون أيضاً من وراء هذا النوع من التصريحات إلى تحقيق غاية أخرى، لعلها الأكثر أهمية، بحكم كونها ذات إسقاطات دولية. فهو يريد نزع أيه أهلية عن فرنسا حتى لا تلعب دوراً مؤثراً في حل نزاع الشرق الأوسط. يريد حرمانها من الظهور بمظهر اللاعب ذي الفاعلية الحقيقية في المسرح السياسي للمنطقة. وهكذا يتضح أن القصد من وراء الاتهام باللاسامية هو النيل من رصيد الثقة التي تملكه باريس بهدف جعلها غير مؤهلة شرعياً للتدخل في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ما دامت طرفاً معادياً لأحد الجانبين المتنازعين، وهو هنا "إسرائيل" تحديداً. لقد بات من التقاليد السياسية الدارجة لدى القادة الإسرائيليين التلويح بورقة اللاسامية كلما أرادوا معاقبة فرنسا على موقفها الداعي إلى التوصل إلى حل سلمي عن طريق المفاوضات في الشرق الأوسط، أو كلما انتقدت باريس سلوك الحكومة الإسرائيلية بخصوص هذه المسألة أو تلك. ويمكننا أن نربط في هذا المقام بين تلك المزاعم والاتهامات المجانية باللاسامية وبين الزيارة التي قام بها قبل فترة وجيزة وزير الخارجية الفرنسي ميشيل بارنييه لمقابلة الرئيس ياسر عرفات، رافضاً بذلك ديكتاتورية شارون واعتراضه على أية زيارة للزعيم الفلسطيني.

 

وفي يناير 2002، كان نائب وزير الخارجية الإسرائيلي ميشيل ميلشيور قد وصف فرنسا بأنها: "الأسوأ بين كل الدول الغربية فيما يتعلق باللاسامية". كما أن شارون نفسه استغل فرصة زيارته إليها في شهر يوليو 2001 للتنديد بما سماه تصاعد حالات اللاسامية في فرنسا وكان ذلك استباقاً لمحاولات ضغط متواصلة كان يمارسها الرئيس الفرنسي، ورئيس وزرائه، على شارون لكي يعود إلى طاولة المفاوضات ويغلب صوت الحوار لتسوية صراعه مع الفلسطينيين. ومثل هذه الادعاءات والتهم، التي تطلق كيفما اتفق، لوصْم الفرنسيين باللاسامية، هي نوع من التهرب من الاستجابة، بشكل مناسب، لمقتضيات تردي الوضع في الشرق الأوسط.

 

ومثل هذا التكتيك، بالهروب إلى الأمام، ليس جديداً على القادة الإسرائيليين، فكلنا نتذكر الآن ما حدث سنة 1982. يومها استغل رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ميناحيم بيغن حادثة هجوم شارع rue des rosiers في الحي اليهودي في باريس، ليحمِّل المسؤولية عن ذلك لـ"الموقف المعادي صراحةً لإسرائيل ولليهود المتفشي في الصحافة خاصة، وفي وسائل الإعلام الفرنسية عامة". يذكر أن هذا الاتهام الفج جاء مباشرة بعد الغزو الإسرائيلي للبنان في يونيو 1982، وكان ميناحيم بيغن وقتها ناقماً على الرئيس الراحل فرانسوا ميتران لسعيه إلى إنقاذ ياسر عرفات.

 

إن إشهار يافطة العداء للسامية والاتهام به سلوك يتم اتباعه كجزء من استراتيجية تنتهجها الحكومة الإسرائيلية على الدوام. ومثل هذا السلوك المناور حتى إن عاد عليها بمكاسب آنية في المدى القصير، فإنه لا يبدو مفيداً في العمل للقضاء على العنصرية واللاسامية من الأساس. إنه سلوك غير مثمر بتاتاً، هذا إن لم نقلْ إنه ذو أثر عكسي، بشكل لا لبس فيه.