الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

اغتيال القيادات.. استراتيجية أميركية إسرائيلية

 

بقلم: أحمد الكناني

صحيفة البيان الإماراتية 24/1/2004

 

تهديد "إسرائيل" باغتيال الشيخ أحمد ياسين ليس موجها ضد مؤسس حركة حماس فقط، ولكنه امتداد لاستراتيجية "إسرائيل" في اصطياد الرؤوس الكبيرة، تلك الاستراتيجية التي بدأتها منذ نشأتها حيث قتلت مئات القادة الفلسطينية ثم واصلتها لما بعد أوسلو بالتهديد باغتيال الرئيس الفلسطيني وقادة فصائل المقاومة الفلسطينية. ولا ينفصل تهديدها باغتيال الأمين العام لحزب الله الشيخ حسن نصر الله عن هذه الاستراتيجية.

 

وقد تعززت مراحل هذه الاستراتيجية عبر الصمت العربي الذي بدا وكأنه إقرار بما تريده "إسرائيل"، ثم ترسخت مع الإعلان الأميركي عن اصطياد الرؤوس العراقية الكبيرة وصولاً إلى صدام حسين، حيث وجدت "إسرائيل" من يتناغم معها فراحت تقوي من هذه الاستراتيجية. وجاء رد الفعل الأميركي المؤيد لتهديدات "إسرائيل" باغتيال الشيخ ياسين ليكسبها قوة.

 

والولايات المتحدة كعادتها لم تجد فيما تعلنه "إسرائيل" وتمارسه في ميدان الاغتيالات ضد المسئولين والقادة العرب أي خروج على القوانين الدولية، لأن واشنطن ذاتها لديها خطط مشابهة، فالرئيس الأميركي بوش سبق وأصدر تكليفات مماثلة للمخابرات الأميركية لاغتيال أي شخص حتى ولو كان مسئولاً أو رئيس دولة يمثل خطراً على المصالح الأميركية، دون أن يرى في ذلك أي نوع من الإرهاب.

 

هذا التشابه الإسرائيلي - الأميركي لن يتوقف عند حدود استهداف مؤسس حماس أو أي من قادتها الذين استهدفتهم من قبل وفشلت في تحقيق أهدافها، لأنه استراتيجية ثابتة تحكم مسلك الدولتين تجاه الدول العربية والإسلامية بقادتها قبل شعوبها. فلو أن حاكماً عربياً حاول اليوم اتباع سياسات وطنية ورأت أميركا أن ذلك يؤثر على مصالحها، فإنها لن تتردد في اغتياله بشتى الوسائل، وهنا يستوي عندها هذا الحاكم العربي وأسامة بن لادن.

 

فلقد سبق للولايات المتحدة الأميركية أن حاولت في عهد الرئيس ريغان أن تقتل الرئيس الليبي معمر القذافي لأنها رأت في سياساته المناهضة لها خطراً على مصالحها. كما سبق لها أيضاً أن حاولت اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر مراراً.

 

نحن بصدد إرهاب مشترك إسرائيلي أميركي محمي بقوة الدولتين وبضعف عربي رسمي. وهذا الضعف العربي يشكل سيفاً فوق رؤوس الأوطان والشعوب، ذلك أن الهدف الأكبر في الاستراتيجية الأميركية الصهيونية المشتركة هو ضرب كل أشكال المقاومة العربية والإسلامية لمخططات الدولتين تجاه المنطقة العربية والعالم الإسلامي في عمومه.

 

وتشمل هذه الضربات كافة المنظمات والجماعات التي وضعتها أميركا على قائمة ما يسمى بالإرهاب، ومن ذلك حركة حماس وتنظيم الجهاد وحزب الله وغيرها من الحركات الإسلامية على امتداد العالم العربي والإسلامي. كما تشمل الدول التي تستضيف هذه الحركات. وهو ما يفسر الحملة الإسرائيلية الأميركية الشرسة ضد سوريا وضد الرئيس بشار الأسد.

 

وتعد مشاركة الدول العربية في الاستراتيجية الأميركية - لما تزعم واشنطن أنه الحرب على الإرهاب - خللاً كبيراً في المعادلة الأمنية العربية، فبينما تستهدف "إسرائيل" وأميركا من خلال هذه المشاركة توظيف القدرات العربية في ضرب الجماعات الراديكالية وكل من ترى الدولتان أنهم خطر على مصالحها عبر دمغهم بالإرهاب، فإن "إسرائيل" وواشنطن تستخدمان هذه الموافقة العربية في شرعنة حربهما ضد منظمات المقاومة الفلسطينية واللبنانية.

 

ومن ثم فإن كل ما يقال عن الرفض العربي لتصنيف منظمات المقاومة في قائمة الإرهاب الأميركية هو نوع من النفاق السياسي، وإلا لو كان الأمر كذلك لرفضت القيادات العربية صراحة التهديدات الإسرائيلية لقائد حركة حماس، ولطالبت أميركا بالتراجع عن موافقتها على تهديدات "إسرائيل"، ولكن الواضح أن تهديدات "إسرائيل" وموافقة واشنطن تحظيان برضى عربي، بما يعني أن الدول العربية أيضاً راغبة في تصفية كل أشكال المقاومة الفلسطينية.

 

مع العلم أن الاستراتيجية الإسرائيلية الأميركية المشتركة لن تتردد في اصطياد أي رأس عربي مهما كبر شأنه، ولذا فإن التصدي لهذه الاستراتيجية المشتركة لا يكون عبر التزام الصمت دائماً بل بمواجهتها وفضحها بقوة.

 

ولو أن مثل هذه التهديدات صدرت من عاصمة عربية ضد أي متطرف إسرائيلي أو أميركي لا نقلب العالم كله ولطنطنت الدنيا كلها بمزيد من اتهام العرب بالإرهاب، ولكن لأن التهديدات صادرة من "إسرائيل" ضد العرب فإن السكوت جاء نوعاً من الرضى والمباركة لها.

 

لقد أحسنت حركة حماس والفصائل الفلسطينية عندما هددت "إسرائيل" برد مزلزل إن هي حاولت المساس بالشيخ أحمد ياسين، فتلك هي اللغة التي تفهمها "إسرائيل" جيداً، وسبق أن جرب شارون نفسه عواقب جرائمه، فعندما قتل بطائراته المناضل أبو علي مصطفى ردت الجبهة الشعبية عليه باصطياد وزير السياحة الإسرائيلي رحبعام زئيفي.

 

فالرأس بالرأس حكم عادل ومشروع بأحكام السماء. ولكن نقطة الضعف الحقيقية في هذه العدالة كانت السلطة الفلسطينية التي أقدمت على محاكمة المقتصين الفلسطينيين دون أن تتمسك في المقابل بمحاكمة قتلة أبو علي مصطفى. وهو ما يعني أنها قبلت بالمفهوم الإسرائيلي للإرهاب في هذه الحالة. وربما لا تكون هذه الحالة هي الأخيرة في ظل التهديدات الإسرائيلية بمزيد من الاغتيالات.

 

الدول العربية بعامة والسلطة الفلسطينية خاصة مدعوة لإجراء مراجعات كبرى في مشاركتها في الحرب الأميركية على ما تزعم أنه الإرهاب.

 

لأن هذه المشاركة كما أثبتت التجارب، وصولاً إلى غزو العراق ليست في صالح القضايا العربية بالمطلق، فلم يعد يكفي أن تصمت العواصم العربية على جرائم "إسرائيل" وأميركا أو تستنكرها، فالصمت والاستنكار سواء، إنما المطلوب رد عملي يكون أقله الخروج من دائرة الاستراتيجية الأميركية لمحاربة ما يسمى الإرهاب لأنها تخدم الاستراتيجية الإسرائيلية على حساب حقوق العرب وقضاياهم العادلة وفي مقدمتها قضية فلسطين.