"إيمان"
الثانية
خيري منصور
صحيفة
الخليج الإماراتية 17/10/2004
إيمان
الأولى، الرضيعة التي أعلن جيش الاحتلال حربه على رضاعتها ومريلتها،
فحوّل الحليب إلى نجيع، لم تكن خاتمة الدراما التي بلغت أوج كثافتها
في فلسطين، ومن أطلقوا النار عليها.. كانوا يطلقون النار على أطفال
العالم كله.. ومنهم الأطفال اليهود أيضاً، فالذنب الوحيد الذي
اقترفته تلك الرضيعة الشهيدة هو أنها ولدت من أبوين عربيين من فلسطين
على أرض يجري تهويد حتى مائها وهوائها وحفيف زيتونها!
وإيمان
الثانية، والتي لن تكون الأخيرة في عقد الياسمين المفروط على صدر تلك
البلاد، تقاسمت مع حقيبتها ودفاترها المدرسية اكثر من عشرين رصاصة،
ولم يكن يخطر ببالها وهي تقترب من المدرسة، أنها تقترب من فوهات
بنادق الصيادين الذين تدربوا منذ اللدغة الصهيونية الأولى على صيد
الأطفال العرب، وليس على الأرانب البرية.
وقتلة
الأطفال، لا يفرقون بين اسم وآخر وحتى بين جنسية وأخرى، فالجرافة
سحقت فتاة أمريكية حاولت أن تجعل من جسدها مصداً ودرعاً لبيت عربي
حكموا عليه بالإعدام، وأذكر أن صحافياً أوروبياً، كتب بعد عودته من
فلسطين يقول: إن هذه الدولة ليست أمينة على جعبتها من السلاح، لأن
الإفراط في استخدامه حتى ضد الأطفال يجزم بأن ما يقال عن السلام هو
مجرد هراء.. لكنه هراء بالعبرية يبحث عمن يترجمه!
إيمان
التلميذة ابنة الثلاثة عشر عاماً، محت بممحاتها الحمراء الفارق
الزمني بين مدرسة بحر البقر المصرية.. ومدارس بحار الغزلان على
امتداد هذه البرية التي ضاعت فيها الأصوات، وتلاشت أصداؤها على حائط
اللامبالاة.. فكما أن هناك جداراً عنصرياً عازلاً يعلو.. هناك أيضاً
جدران من لا مبالاة العالم، فالموت الفلسطيني دائم لكن التعليق عليه
موسمي، وغالباً يخضع لحسابات أخرى قد تخص النفط والماء أكثر مما تخص
الدم!
لم يكن
القتلة على دراية باسم إيمان الأولى.. ويجهلون بالطبع اسم إيمان
الثانية، ولو كانوا يعرفون الاسم لضاعفوا عدد الرصاص، لأنهم يعلنون
حربهم أساساً ضد إيمان شعب بحقه وضد ذاكرة عصية على هذا "الزيهايمر"
السياسي الذي يتم تصنيعه في المفاعلات الصهيونية سواء كانت “نووية”
أم دموية!
والأمر كان
يستحق من الشعب الفلسطيني أن يدفن الشهداء الأطفال معاً في مقبرة
واحدة، وتوضع الرضاعات والهود الصغيرة بجوار القبور، ليكون هذا
المتحف وثيقة دامغة للصهيونية التي ابتكرت هولوكوست الأطفال وأعلنت
حربها ضد المستقبل لأن المجال الحيوي لهؤلاء القادمين!
إن موتاً
يتحول إلى نبأ يومي مألوف، لهو نذير للإنسانية بأسرها، وتهديد بإزالة
آخر فارق لفظي بين القاتل والقتيل، وما نخشاه هو أن تتحول فانتازيا
الدم هذه إلى كرنفال لغوي، بحيث تعتاش الأقلام العاطلة من حبر على
هذا الدم، فينقذها من بطالة محتمة، ما دامت الكتابة عن الحياة
والتبشير بها قد أصبحت ممنوعة!
ومن يدري؟
لعلّ هذا الواقع اليومي الذي نستخف به "يؤسطره" التاريخ، فتولد من
الأرض الرسولية ذاتها شجرة المعرفة الأخرى والمضادة لهذه المعرفة
التي قال السيد المسيح إنه ما من غفران يُرتجى بعدها!
ومن حق
المخيلة العربية الملجومة أن تذهب بعيداً في الانتقام من هذا
الاستنقاع، ومن حق هذا الشعب أن يحلم بأن زفافاً قادماً ستتولاه جذور
التين والزيتون والصفصاف بين محمد الدرة.. وإيمان حمص، فهما في عمر
واحد، ورضعا من أثداء الأرض ذاتها وفرق جسديهما الرصاص نفسه!
إن أوبرا
الدم الفلسطيني لم يكتبها وقد لا يكتبها فرد واحد، لأنها أكبر بكثير
من نشيد موسمي يوازن ما لا يتوازن من نفوس تعاني من شقاء الوجدان.
وقد نادى
الفلسطينيون حتى بح الصوت، لكن لا حياة لمن ينادون، لهذا صار من حقهم
أن يتنادوا هذه المرة، وأن ينحتوا عكاز جريحهم من عظم ساقه.
هي حرب غير
متكافئة على الإطلاق، مما يضطر الطرف الأقل عدداً وعدة أن يضاعف من
نفسه، وأن يستطيل ويمتد، مبتكراً من صلبه رياضياته الخاصة.
وربما لهذا
السبب اكتشف الفلسطينيون قبل فوات الأوان أن التخدير السياسي فوّت
عليهم الكثير من الفرص، وأن انتظار الخلاص من الجهة الأخرى هو انتظار
عقيم.
إن "إيماناً"
واحدة تكفي لتجريم مشروع استيطاني إبادي كالذي حولته الصهيونية إلى
كتاب مقدس بديل، وعهد ما بعد حداثي، لكن "الإيمانات" لن يتوقف سيل
دمهن ما دام هناك نساء فلسطينيات يلدن، فالصراع اندفع إلى مستوى
وجودي لم يعد يقبل التدجين أو "الهدنات" التي تعود بالنفع على القاتل
ليعيد شحذ سلاحه، ويستريح قليلاً!
|