|
العراق والسيناريو الصهيوني
د. عادل الصفتي
صحيفة
الاتحاد الإماراتية 15/7/2004
إن أحد أبرز
الإنجازات التي حققها الصهاينة خلال وبعد الحرب العالمية الأولى،
إقناعهم للقوى الإمبريالية الأوروبية، بأن في وسع الصهيونية، خدمة
المصالح الإمبريالية في منطقة الشرق الأوسط. وهكذا مضت "إسرائيل"
وأصدقاؤها الصهاينة في الغرب، قُدماً في تعزيز الدور الصهيوني،
باعتباره امتداداً وضمانة، لخدمة المصالح الغربية في المنطقة. صحيح
أن مأساة الحادي عشر من سبتمبر كانت إحدى العوامل المؤدية للحرب
الأخيرة على العراق، إلا أن "هندسة" هذه الحرب، قد أدت إلى قلب
الأدوار فيما يبدو، بحيث تبدو دولة عظمى، وكأنها امتداد لمخطط صهيوني
أوسع للمنطقة. صحيح أيضا أن هناك أطرافاً أخرى في الدعوة ودق الطبول
للحرب، غير أنه ما من أحد فاق اليهود المتطرفين في الولايات المتحدة،
حماساً ولا قرعاً لتلك الطبول والهرولة نحو العراق.
ففي اعتقاد
هؤلاء أنه لابد لإسرائيل من إزالة مهددات السلام التي لاحت بوادرها
بعقد اتفاقات أوسلو في عام 1993، وذلك عن طريق استخدام القوة
العسكرية، بحيث تتم إزالة أي تحد عسكري للهيمنة الإسرائيلية في
المنطقة. وضمن ذلك المنطق والمخطط، فإنه لابد من المزيد من الحزم
تجاه الفلسطينيين، كما لابد من إخضاع سوريا وكسر شوكتها. وفي ذات
الوقت، فإنه يجب تحييد إيران، وإسقاط نظام صدام حسين في العراق.
وكما هو
معلوم، فقد كان أبرز الدعاة للحرب على العراق، "ريتشارد بيرل"، الذي
ظل حتى وقت قريب، يتولى منصباً رسمياً مرموقاً في وزارة الدفاع
"البنتاجون"، كما يعرف عنه أنه ضبط متلبساً بتسريب معلومات سرية إلى
"إسرائيل"، أثناء عمله مساعداً للسيناتور"سكووب جاكسون" عام 1970.
وفي عام 1996 تعاون كل من "بيرل"، و"دوجلاس فيث" و"ديفيد ورمسور"، في
إعداد تقرير لـ"بنيامين نتانياهو" الذي كان يتولى منصب رئيس الوزراء
الإسرائيلي وقتها، تحت عنوان "القطيعة النظيفة: نحو استراتيجية جديدة
لأمن المنطقة". وكان الثلاثة قد حثوا "نتانياهو" على شجب اتفاقات
"أوسلو"، وتبني استراتيجية جديدة أشد حزماً، ترمي إلى احتواء- بل حتى
دحر- سوريا. وجاء على حد نص التقرير، أنه في الإمكان تنفيذ هذه
الاستراتيجية من خلال الإطاحة بنظام صدام حسين، وهو الهدف الذي كان
محل اهتمام استراتيجي لإسرائيل، من دون أن تكون أميركا طرفاً فيه.
ويرتبط ذلك الهدف الاستراتيجي، بهدف آخر هو تقليم تطلعات سوريا في
المنطقة.
مقابل ذلك،
كان مسؤولو الدفاع والاستخبارات الإسرائيلية، يتطوعون من جانبهم
للصحف وقتها، بأنهم لا يخشون على أمن بلادهم من أي خطر أو مهدد عسكري
عراقي. ذلك هو ما قاله لصحيفة "نيويورك تايمز" وقتئذ، الجنرال "موشيه
يعلون" رئيس أركان حرب الجيش الإسرائيلي.
ولكن من ذا
يوقف لـ "يكوديو واشنطن"؟ فقد بعث كل من "ريتشارد بيرل" و"بول
وولفوفيتز" و"إليوت أبرامز" وغيرهم، برسالة في السادس والعشرين من
يناير من عام 1998 إلى الرئيس "بيل كلينتون"، حثوه فيها على جعل
"إسقاط نظام الرئيس العراقي صدام حسين" بالقوة، هدفاً استراتيجياً من
أهداف سياسات بلاده الخارجية. ولكن لم يكن ذلك المطلب مقنعاً للرئيس
"كلينتون" فيما يبدو.
لكن ما أن
تولى بوش منصب الرئاسة، حتى سيطر على المواقع الحساسة في الإدارة
الجديدة، المتشددون من المحافظين الجدد المتعصبين لإسرائيل. وهكذا
أمسك كل من "وولفوفيتز"، و"دوجلاس فيث"، و"ريتشارد بيرل"، بزمام
الأمور في "البنتاجون". وعلى حد قول "آن بتفير"، فقد كان هدفهم
المقدم هو تركيع العالم الإسلامي، وكسر شوكته من خلال تفوق الآلة
الحربية الأميركية، وانتهاج سياسة الضربات الاحترازية، وتمزيق أوصاله
وبذر الخلافات بين بلدانه. يذكر أيضاً أن "وولفوفيتز" كان قد دعا في
الخامس عشر من سبتمبر 2001 - أي بعد أربعة أيام فحسب من هجمات الحادي
عشر من سبتمبر- إلى أنه من الواجب على أميركا أن تضرب العراق، بدلاً
من أفغانستان. وبتاريخ 20 من الشهر نفسه، كتب "بيرل" وآخرون خطاباً
للرئيس "بوش"، يحثونه فيه على الرد العسكري، وتوجيه ضربات عسكرية لكل
من سوريا وإيران والعراق أيضاً.
غير أن هؤلاء
لم يكونوا وحدهم، بل انضم إليهم آخرون من أمثال أحمد الجلبي، ليدعموا
أجندة الحرب الصهيونية في المنطقة. وربما كان الجلبي يخدم الأجندة
الإيرانية أيضاً في تلك الحرب. المهم أن الجلبي قد ربط اسمه
بـ"المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي" في أميركا. وأعلن المعهد نفسه
على الملأ، أنه يعمل بالتعاون مع أحمد الجلبي رئيس المؤتمر الوطني
العراقي، بهدف الإطاحة بنظام صدام حسين. وهكذا تكالبت عناصر كثيرة
على خدمة المخطط الصهيوني في المنطقة. والسؤال الذي لابد من توجيهه
هنا للرئيس "بوش" يجب أن يكون عن السبب الذي جعله يظن أن على بلاده
خوض حرب تصب في خدمة استراتيجية المتشددين الإسرائيليين وتصوراتهم
لمنطقة الشرق الأوسط، أكثر مما يكون هدفها، خدمة المصالح الأميركية
التقليدية المعروفة؟
|