إستراتيجية إعلامية صهيونية جديدة
د. عبد
الوهاب المسيري
صحيفة
الاتحاد الإماراتية 11/12/2004
في جميع
مراحل المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، كان يتم تأجيل ما
يُسمى "قضايا الوضع النهائي"، مثل حق العودة وإقامة دولة فلسطينية
عاصمتها القدس وتفكيك المستوطنات، على اعتبار أنها قضايا شائكة يجب
أن تُناقش بالتفصيل فيما بعد، مما يعني الاعتراف بوجودها وأهميتها.
إلا إن ثمة نغمة غريبة بدأت تظهر مؤخراً في الأوساط الصهيونية
ومؤداها أن جوهر الصراع العربي الإسرائيلي لا يكمن في الاحتلال
الصهيوني ولا إنكار الحقوق الفلسطينية المشروعة، بل في تمسك
الفلسطينيين ببعض المنطلقات الأساسية، وهو ما يوضحه عاموس جلبوع في
مقال بعنوان كاشف دال وهو "ليس عرفات وحده المريض بل المجتمع
الفلسطيني الذي لا يزال يتمسك بالأسس التي أبقت الصراع قائماً"
(صحيفة معاريف، 31 أكتوبر 2004). ويرى جلبوع أن المجتمع الفلسطيني
بدأ في النزاع مع "إسرائيل" قبل عام 1967، فهو مجتمع يعتقد أن تجربته
المؤسِسة هي نكبة 1948، ومن ثم فإن أي حل للنزاع يجب أن يبدأ من هذه
النقطة. ويشكل لاجئو عام 1948 ونسلهم جزء لا يُستهان به من هذا
المجتمع، وقد مثَّل عرفات هؤلاء اللاجئين بإخلاص وحولهم إلى رمز
للكفاح الفلسطيني لتحرير كل فلسطين، وغدت قضية اللاجئين مصدر إجماع
فلسطيني، فلم تعد هناك سوى قلة قليلة في المجتمع الفلسطيني قادرة على
التشكيك في عدالتها ومحوريتها.
والمقدمات
منطقية للغاية، ويمكن أن يُضاف إليها أن التجربة المؤسِسة
للفلسطينيين ليست نكبة 1948 وإنما وصول المستعمرين الصهاينة إلى أرض
الفلسطينيين، حيث استمر تدفقهم من عام 1882 حتى إعلان الدولة عام
1948 ثم تواصل بعد ذلك حتى الوقت الراهن. وقد بدأت المقاومة
الفلسطينية بأشكال مختلفة منذ بداية التسلل الصهيوني، كما بدأت عسكرة
تجمع المستوطنين، وتحددت خطوط المواجهة بين طرفين رئيسيين: قوة
احتلال تغتصب الأرض ويساندها الاستعمار الغربي من جهة، وشعب يسعى
لاستعادة أرضه وتحرير وطنه من جهة أخرى. والمنطقي في هذه الحالة، إذا
ما فُهمت جذور المشكلة على هذا النحو، أن يتم البحث عن حلول إنسانية
معقولة تستعيد حقوق أصحاب الأرض وترفع الظلم عنهم. إلا إن جلبوع
سرعان ما يتناسى هذه المقدمات المنطقية ويتهم المجتمع الفلسطيني
بأكمله بأنه "مجتمع مريض"، وبدلاً من أن يقدم الشواهد على قوله، يقذف
القارئ بسيل من العبارات الإنشائية العامة التي لا تفسر شيئاً، فيقول
إن "المجتمع الفلسطيني برمته مريض، وهذا هو لب مشكلته ومشكلتنا،
(ونرجو) ألا يكون مرض هذا المجتمع عضالاً، لأن هناك من يعتقد أن هذا
هو الحال".
ثم يسقط
جلبوع تماماً في أسر الخريطة الإدراكية الصهيونية، وبدلاً من تفهم
دوافع المقاومة الفلسطينية، يمضي محللاً ما يسميه "الإرهاب
الفلسطيني"، فيقول: هذا مجتمع جعل تعليم الإرهاب، وتعليم الجهاد،
تعليم كراهية "إسرائيل"، تعليم إبادة "إسرائيل" الشريرة، أمراً
جذرياً عميقاً، وجزءاً من الثقافة ونمط الحياة الفلسطينية. هذا مجتمع
لا توجد فيه عملياً مؤسسات، لا توجد سياقات لاتخاذ القرارات، لا يوجد
فيه اتفاق على القيادة، لا توجد فيه مؤسسات عسكرية تخضع لقيادة
سياسية. هذا مجتمع ممزق ومنشق سياسياً. هذا مجتمع لم تولد فيه
الانتفاضة الأخيرة مرونةً تجاه "إسرائيل"، بل آلاف القتلى وعشرات
الآلاف من المعوقين والمزيد من الكراهية.
وما يطلبه
جلبوع من الفلسطينيين إذن، هو أن ينسوا تجربتهم المؤسِسة، وكأن
تجربتهم مع النكبة ومع الاحتلال الصهيوني، بكل ما يرتبط به من قمع
وإهدار لحقوقهم، هي من اختيارهم، وكأنهم هم الذين خلقوا هذا الواقع
اليومي المرير الذي يرزحون تحت وطأته. والواضح أن هذا النسيان أمر
مستحيل، فضلاً عن أنه غير إنساني. فليس بوسع الفلسطيني أن يمحو من
ذاكرته واقعة اغتصاب الوطن، ما دام الاحتلال مستمراً وما دام يستيقظ
في الصباح على ضجيج مكبرات الصوت التي تأمره بإخلاء منزله لكي تهدمه
الجرافات الإسرائيلية، بينما ترتفع أبنية المستوطنات الصهيونية
محاطةً بالأسوار والجنود فوق أراضي الفلسطينيين التي صُودرت وأشجار
الزيتون التي اقُتلعت، وما دام عاجزاً عن رؤية أهله أو التوجه إلى
عمله أو مدرسته في الطرف الآخر من البلدة بعد أن حولت الجدران
العازلة والأسلاك الشائكة والحواجز الأمنية جميع المدن والبلدات
الفلسطينية إلى جزر منعزلة.
إلا إن رأي
جلبوع هذا ليس الأول من نوعه. فمنذ عدة شهور، أدلى حاخام إنجلترا
الأكبر بتصريح طالب فيه الفلسطينيين بنسيان ما حدث عام 1948، أي
نسيان أن وطنهم محتل وأنهم طُردوا منه منذ ذلك الحين، وأن من حقهم
العودة إليه، وأن من واجبهم الدفاع عن هذا الحق بكل الوسائل، وهو ما
تكفله قرارات الأمم المتحدة والمواثيق والأعراف الدولية.
ويتبدى نفس
الموقف بصورة جلية في مقال للكاتب الإسرائيلي شلومو أفنيري بعنوان
"الرواية التاريخية الفلسطينية هي المسؤولة عن الموقف الذي مثله
عرفات" (صحيفة يديعوت أحرونوت، 31 أكتوبر/ 2004). ويرى أفنيري، وهو
من أبرز المفكرين الصهاينة ومستشار أساسي في وزارة الخارجية
الإسرائيلية وأستاذ للعلوم السياسة، أن الرواية الفلسطينية (أو
"التجربة المؤسِسة" كما يسميها جلبوع) لا تزال تنظر إلى "إسرائيل"
باعتبارها دولة غير شرعية، أشبه ما تكون بالاستعمار الفرنسي في
الجزائر.
ويخلص إلى أن
هذه الرواية وما تنطوي عليه من رؤية للصراع: "هي أساس الرفض لمشروع
التقسيم الذي وضعته الأمم المتحدة عام 1947، وبسببها شن الفلسطينيون
الحرب ضد مشروع التقسيم، ومنها وُلد الإصرار على إبقاء مخيمات
اللاجئين في صورتها المؤقتة (ومن ثم الحكم على مئات الآلاف من
الفلسطينيين بحياة العفن والمرارة)، وبسببها كان الرفض للانضمام إلى
مبادرة السادات عام 1977، كما أنها هي التي ولدت الإرهاب كأداة شرعية
في الكفاح ضد "إسرائيل"، ومن ثم اعتُبر الانتحاريون شهداء. وحتى
اليوم لم ينطلق صوت فلسطيني يختلف مع هذا المفهوم القائم على أساس
الرواية الفلسطينية. وما دامت هذه الرواية قائمة، فمن الصعب تصور
إمكان تحقيق السلام بين إسرائيل والفلسطينيين".
والواضح أن
آراء جلبوع وأفنيري وحاخام إنجلترا تُعد جزءاً من إستراتيجية إعلامية
صهيونية جديدة تحاول تصوير الصراع العربي الإسرائيلي باعتباره محصلةً
لرواسب "الحقد الفلسطيني" ومشاكل "العقلية الفلسطينية السلبية" و"عدم
الواقعية"، مما ينقل هذا الصراع إلى عالم الذات والأمراض النفسية
ويبعده عن جذوره التاريخية الحقيقية في أرض الواقع وفي العالم
الموضوعي. كما أن هذه الإستراتيجية تسقط الشرعية عن المقاومة
الفلسطينية وتسبغها على دولة الاحتلال، وهي الدولة الصهيونية
العنصرية، ومن ثم تسوِّغ لها كل ما ترتكبه من جرائم ضد "دعاة
الكراهية والحقد" الذين تتمثل "خطيئتهم" الأساسية في أنهم يتمسكون
بحقوقهم ويرفضون النسيان!
والله أعلم.
|