جنون العداء للسامية
بقلم: أحمد منصور*
صحيفة
البيان الإماراتية 8/3/2004
تمكن اللوبي
الصهيوني في الفترة الأخيرة من أن يوصل اتهاماته لكل من ينتقدون
سياسة "إسرائيل" تحت دعوى العداء للسامية في الغرب إلى مرحلة الجنون،
فكل ما يخالف أهواء اليهود وآراءهم وحتى سياسة حكومة شارون أصبح
معادياً للسامية حتى لو كان مسيحياً أو يهودياً، وقد تمثل ذلك في صور
كثيرة في الغرب في الفترة الأخيرة من أهمها الاحتجاجات الواسعة التي
قاموا بها في فرنسا ضد الممثل الكوميدي الفرنسي دودونيه حيث منعوه من
إقامة حفلاته لأنه تجرأ وانتقد سياسة شارون وربط بين ما تقوم به
حكومة شارون وبين ما كان يقوم به النازيون في عهد هتلر، واضطر الفنان
أن يقيم بعض حفلاته في الشوارع مع المتعاطفين معه، متحدياً الذين
اتهموه ومتعهداً بأن يبقى منتقداً لشارون وسياسته طالما أنه يقتل
ويدمر كل يوم في فلسطين.
أما المؤتمر
اليهودي العالمي والمؤتمر اليهودي الأوروبي فإنهما قبل نجاحهما في
عقد مؤتمر مشترك مع الاتحاد الأوروبي قبل أسبوعين كانا قد مارسا
سياسة الابتزاز ضد رئيس المفوضية الأوروبية رومانو برودي بعد
الاستفتاء الذي كانت قد أجرته المجموعة الأوروبية وقال فيه ما يقرب
من 60% من الأوروبيين إن "إسرائيل" أكبر دولة تشكل خطراً على السلام
العالمي.
وقد اتهم
المؤتمر اليهودي العالمي المفوضية الأوروبية بـ«الخيانة الأخلاقية
والتحايل» لمجرد أنها أجرت هذا الاستفتاء الذي عبر عن آراء صريحة لما
يعتقده الأوروبيون، ورضخت المفوضية تحت الابتزاز وسبق أن كتبنا قبل
أسبوعين عن المؤتمر المشترك وما دار فيه، لكن القضية الآن تضخمت
وأصبحت واسعة المدى الآن بعدما أصبح مجرد النقد لسياسة شارون أو ما
يتعرض له الفلسطينيون على يديه من قتل وتشريد هو عداء للسامية.
و العجيب أن
الغرب أصبح يرضخ بشكل مذر لكل الضغوط التي يمارسها المؤتمر اليهودي
العالمي، حتى أن اليهود يقومون الآن بشن حملة واسعة على بعض
الفضائيات العربية وحتى الصحف والمجلات لمنع بثها أو توزيعها في
أوروبا وقد نجحوا بالفعل في منع وصول بث قناة الجزيرة إلى المشاهدين
في كندا وحاولوا في فرنسا ويحاولون الآن في دول أخرى مما يجعل مهمة
وسائل الإعلام العربية شاقة في الفترة المقبلة في مجرد أن تصل
للمشاهد المقيم في الغرب.
حيث يجلس
هؤلاء بالمرصاد لكل ما يبث عليها، وحصلت أكثر من وسيلة إعلامية عربية
حتى الآن على إنذارات بالمنع، ويقوم عشرات من الكتاب الصهاينة في
الصحف ووسائل الإعلام في أوروبا والولايات المتحدة بحملات ضارية على
كل من ينتقد سياسة البطش التي تقوم بها "إسرائيل" ويتهمونهم بالعداء
للسامية وقد حصل على هذه الصفة عشرات من الكتاب والفنانين والصحفيين
الغربيين لمجرد أنهم قد جهروا بآرائهم أو عبروا عن جانب من الحقيقة
التي ينبغي أن يعبروا عنها دائماً.
ولا عجب أن
يكون من بين هؤلاء الكتاب كتاب يهود أيضاً، لأن الأمر باختصار قد
تجاوز المعقول ليس إلى اللامعقول ولكن إلى الجنون، ولنا أن نتخيل وضع
العرب المقيمين في الغرب إذا كان الغربيون أنفسهم أصبحوا عرضة
للاتهام بشكل دائم، وبعض هؤلاء دفعوا مستقبلهم المهني وأموالهم
ومواردهم ضحايا لهذه الاتهامات ومن أبرزهم المؤرخ البريطاني الشهير
ديفيد إيرفنج الذي بيعت ممتلكاته في المزاد العلني وخسر دخله السنوي
بعدما لاحقه اليهود حتى النهاية لأنه تجرأ وشكك ليس في المحرقة وإنما
في عدد ضحاياها.
وآخر
الملاحقين بالعداء للسامية هو المخرج الأمريكي ميل جيسون مخرج فيلم
«آلام المسيح» الذي أكد المؤرخون والنقاد أنه التزم بما جاء في
التوراة الموجودة بين أيدي الناس من نصوص حول ما ارتكبه اليهود بحق
المسيح، ولم يخرج منها حتى أنه استخدم اللغة الآرامية في معظم الفيلم
ومع ذلك قام الصهاينة ولم يقعدوا بعد متهمين مخرج الفيلم وكل من عمل
فيه بالعداء للسامية.
والعجيب أن
هؤلاء الذين يملكون أقوى وسائل الإعلام ويخضعون كثيراً من الدول
والسياسيين لابتزازهم يعتقدون أنهم بهذا الذي يقومون به يحدون من حجم
الكراهية العالمية التي يواجهونها ولكن كل الدراسات والاستطلاعات
تشير إلى أن الشعوب الغربية أصبحت تجهر بالعداء للصهاينة بل وحتى
لليهود.
لأن أساليب
الابتزاز التي يستخدمها هؤلاء والممارسات التي يقوم بها شارون كفيلة
بأن تجعل العداء لليهود ودولتهم ليس قاصراً على الذين يتضررون منه في
فلسطين وإنما موجة عامة لن تبقى ولا تذر وشواهد التاريخ مليئة
بالكثير، والمشكلة أنهم حتى الآن لم يوجهوا أنفسهم بالسؤال الذي
ينبغي أن يوجهوه لأنفسهم.. لماذا تزداد كراهية العالم لنا؟.
*كاتب وإعلامي مصري
|