الإرهاب الصهيوني ومحاربة الكلمة الحرة !!
أ.د. مصطفى رجب
صحيفة
الشرق القطرية 7/10/2004
كل الاتفاقات
الدولية تكفل بشكل غير محدد حرية الكلمة وحرية التعبير عن الرأي في
أي مكان وزمان ومن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص المادة 19 على
أن "لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته
في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقيها
ونقلها للآخرين بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود" ويزداد الأمر
تخصيصاً بالنسبة للصحفيين في نصوص البروتوكولات (الملحق) الأول
الإضافي إلى اتفاقيات جينيف عام 1949، البندان 1، 2 واللذان ينصان
على: يعد الصحفيون الذين يباشرون مهمات مهنية خطرة في مناطق النزاعات
المسلحة أشخاصاً مدنيين يجب حمايتهم، بهذه الصفة بمقتضى أحكام
الاتفاقيات وهذا البروتوكول شريطة ألا يقوموا بأي عمل يسيء إلى وضعهم
كأشخاص مدنيين.
ولكن
الاحتلال الإسرائيلي وضع نصب عينيه هدفاً استراتيجياً لا أخلاقياً
يتمثل في إعاقة عمل رجال الصحافة وتعطيل الآلة الإعلامية بهدف
التعتيم على الجرائم التي ترتكب في حق الإنسانية وغلق النافذة التي
تنقل الصورة الحقيقية للانتهاكات التي تحدث يومياً في الأراضي
الفلسطينية.
وبنظرة شاملة
على مجمل الانتهاكات الإسرائيلية في حق الصحافة وطبقاً للإحصائية
التي أوردها التقرير السنوي للمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في مايو
2004 والذي صنف الاعتداءات على الصحفيين منذ بداية الانتفاضة الثانية
في 28/9/2000 وحتى تاريخ 31/4/2004 نجد أن جرائم القتل التي ارتكبت
خلال الفترة وصلت إلى ثماني حالات قتل بالإضافة إلى 105 حالات إصابة،
وتم اعتقال 111 صحفياً خلال تلك الفترة، كما تم الاعتداء بالضرب
والإهانة على 77 صحفياً وخلال الفترة تم استهداف 51 مقراً صحفياً وتم
تسجيل 48 حالة مصادرة لأجهزة أو مواد أو بطاقات صحفية وتم منع 5
صحفيين من السفر وتمت مداهمة 8 منازل للصحفيين، وفي عرض موجز لجرائم
القتل التي ارتكبت خلال الفترة من 2003 إلى 2004 يذكر التقرير أن
ثلاث جرائم قتل كانت أولاها اغتيال الصحفي نزيه عادل دروزة الذي يعمل
مصوراً لصالح تليفزيون فلسطين ووكالة الأنباء الأمريكية "اسوشيتوبرس"
الذي قتل برصاص قوات الاحتلال في نابلس بتاريخ 19/4/2003، وطبقاً لما
ذكره الصحفي جعفر اشتيه مصور وكالة الأنباء الفرنسية "فرانس برس" وهو
أحد شهود العيان للحادث فإن جنود الاحتلال أطلقوا عن تعمد رصاصة
مصوبة إلى رأس الشهيد نزيه دروزة في الوقت الذي كان يلبس فيه سترة
مكتوباً عليها بخط واضح Press وبعد أن صرخ
وبصوت مسموع للجندي الإسرائيلي بكلمة Press.
الضحية
الثانية هو الصحفي البريطاني "جيمس ميلر" مالك شركة Frost
Bite للإنتاج الإعلامي والذي قتل برصاص قوات
الاحتلال في رفح بتاريخ 2/5/2003 بعد أن تلكأت عمداً في تقديم العون
الطبي له ونقله إلى أحد المراكز الطبية لإسعافه، جريمة القتل الثالثة
التي ارتكبها جنود الاحتلال أودت بحياة الشاب محمد عادل أبو حليمة
(22 عاماً) والذي يعمل مراسلاً متطوعاً في إذاعة صوت النجاح، طالب
قسم الصحافة في جامعة النجاح الوطنية والذي قتل في نابلس بتاريخ
22/3/2004 إثر إطلاق جنود الاحتلال الرصاص عليه ليصاب بعيار ناري في
بطنه ينقل على إثره لمستشفى رفيديا الحكومي ولكن جهود الأطباء تفشل
في إنقاذ حياته نظراً لخطورة الإصابة.
بداية
الاعتداءات الصارخة على حريات الصحافة ارتبطت بانطلاقة الانتفاضة
الثانية في عام 2000 عندما شرعت سلطات الاحتلال الإسرائيلي في تضييق
الخناق على كافة الصحفيين وخاصة الفلسطينيين منهم حيث أعد مكتب
الصحافة الحكومي التابع لرئاسة الوزراء الإسرائيلي المسمى "بيت
أغرون" قائمة سوداء تضم أسماء الصحفيين والمراسلين والمصورين الذين
تم سحب بطاقاتهم الصحفية وشملت هذه القائمة عدداً كبيراً من الصحفيين
العرب والأجانب بالإضافة إلى جميع الصحفيين الفلسطينيين باستثناء
اثنين من أصل أكثر من 500 صحفي بدعوى التحيز وعدم الموضوعية في تغطية
الأحداث، وترتب على ذلك وضع العوائق أمام رجال الصحافة في عبور
الحواجز وتغطية الأحداث.
بالطبع جرائم
القتل هي أكثر الجرائم الصارخة لانتهاك حقوق الإنسان والتي ارتكبت في
حق رجال الإعلام ولكن هذا لا يمنع ارتكاب العديد من الجرائم
الإنسانية الأخرى التي تنوعت بين إطلاق النار والاعتقال والتعذيب
الجسدي والنفسي ومصادرة مواد وأجهزة إعلامية ومنع صحافيين من ممارسة
أعمالهم بحرية... إلخ. وفي تصوري أن أكثر هذه الجرائم بشاعة خلال
القتل هي جريمة اعتقال واحتجاز صحافيين لأن الاعتقال في هذه الحالة
يتم دونما استناد إلى إجراءات قضائية ينص عليها القانون الدولي،
والمدقق في تفاصيل وقائع اعتقال الصحافيين من قبل قوات الاحتلال
الإسرائيلي يكتشف مدى البشاعة التي ينطوي عليها هذا الجرم وفي
التقرير الذي أعده المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان ونشرته مجلة
الدراسات الإعلامية في عددها 115 أبريل - يونيو 2004 نماذج لهذه
الانتهاكات منها وقائع اعتقال الصحفي ذيب رسمي حوراني مراسل قناة
المنار الفضائية في مدينة جنين أثناء مداهمة قوات الاحتلال مخيم جنين
حيث اعتقل الصحفي حوراني خلال دهم منازل المواطنين وتفتيشها وقد أخضع
حوراني لمعاملة مهينة حيث أجبروه على خلع ملابسه وقيدوه بالأصفاد ثم
تم نقله إلى مركز اعتقال "سالم" لمدة شهرين تقريباً بعدها مددت محكمة
عسكرية إسرائيلية اعتقاله لمدة 15 يوماً أخرى بناءً على طلب النيابة
العسكرية بدعوى عدم استكمال التحقيق ومن وقائع التحقيق اتضح أن
الصحفي حوراني تعرض أثناء فترة الاعتقال إلى عمليات تعذيب نفسي
وعمليات شبح وتعذيب جسدي حيث كان يشبح يومياً من ساعتين إلى 15 ساعة
خلال التحقيق معه، كما أنه حبس شهراً كاملاً في العزل الانفرادي بهدف
الضغط عليه للاعتراف بالتهم المنسوبة إليه.
وبتاريخ
31/1/2004 اعتقل الصحفي مهيب سلمان النواتي مدير مركز أطلس للتوثيق
والإعلام عند معبر رفح أثناء قدومه من مصر وقامت قوات الاحتلال
باحتجازه والتحقيق معه في المعبر ثم تم تقييده واقتياده إلى مستوطنة
"رفيح يام" داخل قطاع غزة حيث أجريت له فيها فحوص طبية نقل على أثرها
معصوب العينين ومكبل اليدين إلى سجن عسقلان في المجدل داخل الخط
الأخضر وطالت مدة اعتقال الصحفي النواتي مدة تقارب الشهرين أخضع
خلالها للتحقيق ثم أفرج عنه بتاريخ 29/3/2004 لعدم ثبوت أي من التهم
الموجهة إليه.
المؤسف أن
الاعتداءات الأخرى التي وقعت على الصحافيين لم تقتصر على جنود
الاحتلال فقط فالمستوطنون الإسرائيليون أخذوا دورهم في التنكيل
بالصحافيين وحدث ولا حرج عن الوحشية التي يتسم بها المستوطنون
وأغلبهم متطرفون ولو أنهم يمتلكون أسلحة لضوعفت حالات قتل رجال
الإعلام ولكن في حدود إمكانياتهم المحدودة قاموا باعتراض طريق
الصحافيين وإلقاء الأحجار عليهم ومحاولة إتلاف سياراتهم وكاميراتهم.
|