الخيط الواهي بين الاندماج السياسي والتجسس
فاطمة شعبان
صحيفة
الوطن السعودية 7/9/2004
ما إن ظهرت
قضية لاري فرانكلين في الصحافة الأمريكية، والذي اتهم بالتجسس لصالح
"إسرائيل"، وبتسليم وثائق لإسرائيل حول البرنامج النووي الإيراني عن
طريق أعضاء في منظمة "إيباك" اليهودية، حتى سارع مكتب رئيس الوزراء
الإسرائيلي إلى نفي التهمة عن "إسرائيل" مؤكداً أن ""إسرائيل" لا
تستخدم جواسيس أو وسائل استخباراتية أخرى في الولايات المتحدة"
معتبراً أن هناك تعاوناً استخبارياً تاماً بين الجانبين "والولايات
المتحدة هي صديقتنا الكبرى ولا علاقة لنا بالقضية" على حد تعبير
البيان.
ودافعت
القيادات السياسية الإسرائيلية عن هذه القضية وبراءة "إسرائيل" منها،
بأن "إسرائيل" ليست بحاجة إلى عملاء في الأراضي الأمريكية لأنها
تتلقى المعلومات والوثائق المصنفة "سرية" مباشرة عبر القنوات
الأمريكية الرسمية، وأن هناك لقاءات منتظمة بين مسؤولي الاستخبارات
في الجانبين مما "لا يستدعي اللجوء إلى طرق غير قانونية". وتضيف
مصادر إسرائيلية، أن "إسرائيل" استخلصت عبر الماضي وما زالت متمسكة
بالتزامها عدم التجسس في الولايات المتحدة بعد إدانة اليهودي
الأمريكي جوناثان بولارد في عام 1985 بالتجسس والحكم عليه بالسجن
المؤبد.
لا خلاف على
توصيف العلاقة بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" على أنها علاقة تحالف
عضوية، ومعروف في أوساط المحللين أن "إسرائيل" تحصل بموجب هذه
العلاقة على معلومات استخباراتية أمريكية لا يمكن أن تحصل عليها أي
دولة أخرى حليفة للولايات المتحدة في العالم. وهذه القدرة للوصول
الإسرائيلي إلى المعلومات الاستخبارية الأمريكية، هي ما يجعل موضوع
التجسس الإسرائيلي غريباً، لولا سابقة جوثان بولارد التي ما زالت
تعكر صفو العلاقات الأمريكية - الإسرائيلية، والمطالبة الدائمة من
القيادات الإسرائيلية للإدارة الأمريكية بإطلاق سراحه. وكان بولارد،
اليهودي الأمريكي والمحلل السابق لدى قوات البحرية الأمريكية، حكم
عليه بالسجن المؤبد لثبوت تزويده "إسرائيل" من مايو 1984 حتى تاريخ
توقيفه في نوفمبر 1985، بآلاف الوثائق المصنفة سرية جداً، تتعلق
بالدول العربية.
وفي ظل هذه
العلاقة بين البلدين هل تحتاج "إسرائيل" إلى شبكة تجسس في الولايات
المتحدة الأمريكية، لمعرفة ما يدور داخل الإدارة الأمريكية، رغم
التأثير السيئ على العلاقات بين البلدين في حال انكشافها؟
يبدو التعامل
من قبل الطرفين يدل على ما لم تكشفه الفضيحة إلى الآن، من أن الإدارة
الأمريكية تشك بأن "إسرائيل" تواصل التجسس عليها، رغم الوعود
الإسرائيلية، بعد فضيحة بولارد، بعدم قيام أجهزة المخابرات
الإسرائيلية بالعمل داخل الأراضي الأمريكية. ومن مفارقات الفضيحتين،
أنهما وقعتا في ظل ولاية الإدارتين الأمريكيتين الأكثر قرباً من
"إسرائيل"، في حالة بولارد وقعت في ظل إدارة رولاند ريجان اليمينية
التي كانت في حينها أقرب الإدارات الأمريكية لإسرائيل، والتي أطلقت
يد شارون وزير الدفاع للقيام بغزو لبنان في عام 1982 لإخراج منظمة
التحرير منها. واليوم قضية فرانكلين التي وقعت في ظل إدارة بوش
اليمينية التي أطلقت يد شارون رئيس الوزراء في تدمير الأراضي
الفلسطينية.
وإذا كانت
قضية بولارد قد تم إثبات التجسس فيها، فإن هناك عشرات الحالات التي
شكت الإدارة الأمريكية فيها دون أن تصل إلى المحاكم، أو تم طيها
بضغوط سياسية. وهناك تقدير اليوم أن هناك عشرات من الجواسيس لإسرائيل
لا يزالون نشطين في الولايات المتحدة من دون أن يعتقلوا, ناهيك عن أن
يحاكموا أو يدانوا. وقد نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية في
نهاية العام الماضي خبراً يقول: "إن عشرات حوادث التجسس لإسرائيل
حوّلها مكتب التحقيق الفيدرالي إلى وزارة العدل، إلا أنها لم تحاكم
المتهمين وتم طي هذه القضايا".
والتجسس
الإسرائيلي في الولايات المتحدة ليس جديد العهد، بل يعود إلى ما بعد
تأسيس "إسرائيل" مباشرة، واعترف مسؤول بارز سابق في وزارة العدل
الأمريكية هو جون دافيت بعمل المخابرات الإسرائيلية على الأراضي
الأمريكية، وأنه عندما كان في الوزارة بين 1950 و1980 كانت
الاستخبارات الإسرائيلية الثانية في النشاط داخل الولايات المتحدة
بعد الاستخبارات السوفيتية.
ولا تنفصل
قضية التجسس المطروحة عن الجدل السياسي الدائر في الولايات المتحدة،
حول الحرب على العراق، ودور المحافظين الجدد فيها، ومصالح من خدمت
هذه الحرب. ففي أوساط مجموعة المحافظين الجدد التي دفعت نحو شن الحرب
ضد العراق، يندرج أيضاً عدد كبير من اليهود، بعضهم يشغلون مناصب
حساسة في الإدارة الأمريكية والبنتاجون أيضاً. فمساعد وزير الدفاع،
دوجلاس فايت، مثلاً، وهو الذي خرجت الفضيحة من مكتبه، لعب دوراً
هاماً في قرار شن الحرب على العراق، ولهذا ففي وسائل الإعلام وفي
السياسة الأمريكية هناك من يدعي أن اليهود هم الذين دفعوا لشن الحرب
انطلاقاً من المصالح الإسرائيلية. وإذا لم يكن هذا كافياً، يتسع في
هذه الأيام أيضاً الجدال بشأن المسألة الإيرانية وطُرح أكثر من مرة
الادعاء بأن اليهود في الإدارة ممن يدعون للقيام بحملة عسكرية لإحباط
الجهود النووية الإيرانية، يفعلون ذلك بسبب وباسم دولة "إسرائيل".
وهناك
تقديرات تعكس كل قضية التجسس، وتعتبر أن ما جرى مؤامرة من المحافظين
الجدد لدفع "إسرائيل" للضغط على الولايات المتحدة من أجل اتخاذ
إجراءات عسكرية ضد البرنامج النووي الإيراني. فقد نقلت صحيفة "يديعوت
أحرونوت" عن تقديرات أمريكية وإسرائيلية أنه يجري الآن التحقيق في ما
إذا كان الحديث يدور عن "مؤامرة" حاكتها قيادة البنتاجون التي أرادت
استخدام "إسرائيل" أداة لتمارس ضغطاً عسكرياً على إيران وأن تفاصيل
المؤامرة قضت بأن يقوم البنتاجون بتسريب معلومات سرية إلى لجنة
العلاقات العامة الأمريكية - الإسرائيلية (إيباك) عن تسلح إيران
النووي وعن السياسة الأمريكية في هذا الصدد، على أن تصل هذه
المعلومات "إسرائيل" لتبادر إلى ممارسة ضغوط على الإدارة الأمريكية
لتوجيه ضربة إلى المفاعل النووي في إيران.
إن طبيعة
العلاقة المتداخلة بين "إسرائيل" والولايات المتحدة الأمريكية، تجعل
التمييز بين العلاقات الوثيقة والتجسس صعباً، وغير ملحوظ. ففي الوقت
الذي عمل عدد من المحافظين الجدد على رأسهم بول وولفيتز وريتشارد
بيرل وفاث نفسه لصالح حكومات إسرائيلية، تحديداً حكومة بنيامين
نتانياهو، وهم اليوم يشغلون مناصب رفيعة في الإدارة الأمريكية، فإن
مثل هذه الأعمال التي اقترحوا فيها سياسات معينة، لا شك بأنهم سيسعون
إلى تنفيذها في الإدارة، بل ونفذوا جزءاً منها. وفي مثل هذه الحالات
يصبح التجسس، هو تجسس على الذات وليس علاقات بين دول.
*كاتبة
فلسطينية
|