الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

كتاب المذبحة: صبرا وشاتيلا

 

رشاد أبوشاور

 

صحيفة القدس العربي 22/9/2004

 

تكتب الدكتورة بيان نويهض الحوت في مقدمة عملها الجبّار (صبرا وشاتيلا...): الباحث عن المجازر يكتشف بصورة متواصلة ما لم يكن على علم به، حتى في الحكاية الواحدة للعائلة الواحدة، فالشهود باستمرار يتذكرون أكثر، ويقولون بعفوية في لقاءات لاحقة ما لم يقولوه في البدايات، وبإيجاز، لأن عملية التأريخ للمجازر هي التي تقود الباحث، لا العكس .

في نيسان من عام 2003 صدر هذا العمل الجبّار عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت، ليصون ذكرى ضحايانا، ويحفظ ملامح قتلتنا بكل دناءتهم وانحطاطهم وغريزتهم: صهاينة وطائفيون يتحدون على أعناقنا العارية بخناجرهم، وبنادقهم، فينتشون بقتلنا لأن طمأنينتهم لا تكتمل بغير حذفنا من الوجود.

 

منذ عام ونصف وأنا أضع هذا (الكتاب) أمامي، أقلّب صفحاته، أتأمل خرائطه، حتى نشأت بيني وبين أهلنا المذبوحين، والمكان، والزمن علاقة لن تمحوها الأيّام.

كنت أتساءل طيلة الوقت وكلّما انهمكت في تلاوة فصل أو مقطع أو صفحة على نفسي: كيف تحمّلت بيان نويهض الحوت كل هذا الموت، والمعاناة، والهول ؟!

 

كأنما هي عالمة آثار تنقّب بدقّة وحرص في ثنايا الأرض عن أسرار من رحلوا بزمنهم وحضارتهم وحيواتهم. تمسك بقلمها ومعها عشرون من الفتية شباناً وشابات، تحمّلهم استمارات لتملأ بشهادات من بقي من أهل صبرا وشاتيلا من الفلسطينيين واللبنانيين، وتطلقهم ليدوّنوا آهات وتفجعات تتوضح أكثر مع الزمن، وكأنما الأيام تجلو الغبش عن صور الأحبة، وتكشط الأقنعة التي أخفي بها القتلة ملامحهم...

 

كيف حقّاً تحملت بيان نويهض الحوت كل هذه المعاناة طيلة عشرين سنة لتقدّم لنا هذا (السفر) الذي سيجد له مكاناً فسيحاً وعميقاً في الذاكرة الفلسطينية والعربية والإنسانية - ترجم للإنكليزية - صوتأ وصورة، أشلاءً ودماً، بحيث لا يكون نسيان ولا مغفرة لكل من أعمل سلاحه في شعبنا.

 

تباهي بعض الكتب بالقول أنها مزيّنة بصور توضيحية تهدف لامتاع القارئ، ولكن (كتاب) صبرا وشاتيلا لا يباهي بالموت، بتفسخ جثث أبنائنا وبناتنا، شيوخنا وأمهاتنا الوقورات، أطفالنا وطفلاتنا الزهرات، وإنما يضع الصور لتدلنا على المدى القبيح والخسيس الذي اقترفته أيدي وعقول ونفوس القتلة والذي لا تفعله حتى الحيوانات، ولذا فهذه الصور هي جزء من العقاب الذي لابدّ أن ينزل بالقتلة، هذه الصور ستبقي تحرّضنا، وتؤرّق قتلتنا.

على امتداد 43 ساعة في أيام 16و17، و18 أيلول تمت المذبحة المشتركة بالتخطيط والتوجيه والإشراف الصهيوني الشاروني وتنفيذ قوّات اليمين الانعزالي الطائفي اللبنانية، وحصدت المئات من الفلسطينيين واللبنانيين وبعض العرب الفقراء الذين كانوا يعيشون في صبرا وشاتيلا.

 

لم تكن هناك معركة، فالمقاتلون رحلوا في الزمن الممتد بين 21 آب واليوم الأول من أيلول عام 82، أمّا أهلنا في المخيمات، وبخّاصة في صبرا وشاتيلا فقد تركوا لأقدارهم ودون ضمانات موثّقة معلنة تضمن حمايتهم وسلامتهم!

عملية (سلامة الجليل) اكتملت بذبح المدنيين الفلسطينيين واللبنانيين وهم نيام، أو بعد أن ذهلوا وهم يباغتون بقطعان الانعزاليين الطائفيين وهم ينقضون عليهم في بيوتهم المتواضعة، والتي لا تصد بوّابتها هبّات ريح خفيفة، فما بالك بعواصف حقد دفين أعمى؟

عملية عقاب جماعي للفلسطيني واللبناني الذي احتضنه وتعاطف معه، وتقاسم معه جرعة الماء ورغيف الخبز وبطولة بيروت المتصدية للعدوان الصهيوني.

 

(فيليب حبيب) أبرم مع القيادة الفلسطينية اتفاقاً للخروج من بيروت، اتفاقاً يوزّع المقاتلين الفلسطينيين أشلاءً على بلاد العرب البعيدة والقريبة، وبعد أن أبحرت السفن بالفلسطينيين في تغريبتهم الجديدة استفرد جيش شارون وإيتان، وقطعان الطائفيين العملاء بالمدنيين الفلسطينيين، وتلذذ القتلة بسادية في نحر الفلسطينيين، واغتصاب نسائهم وبناتهم، وبقر بطون حواملهم، في حفلة لا بدّ أن تبقى (حيّةً) أبد الدهر حتى يلاحق الخزي والعار من اقترفها.

 

بيان نويهض الحوت المعنية بالتاريخ الشفوي أوقفت مشروعها عن رحيل وهجرة الفلسطينيين عام 48، وغيّرت خطّتها في تتبع أسباب تلك الهجرة وخلفياتها، وقد هالتها مذبحة صبرا وشاتيلا، فكان أن أوقفت جهدها طيلة عشرين سنة لملاحقة تفاصيل مذبحة صبرا وشاتيلا.

الباحث عن المجازر يكتشف بصورة متواصلة ما لم يكن على علم به، هذا ما توصلت إليه الدكتورة بيان في بحثها، ونحن إذ نمضي مع هذا العمل الجبّار الواقع في 802 صفحة من القطع الكبير مع الصور والخرائط والمخططات، وقبل كل شيء الشهادات، لا نتخيل أو نتوهم ولكننا حقاً نسمع الزفرات الأخيرة التي يطلقها كل فلسطيني ولبناني وهو مندهش لهول ولامعقولية ولا إنسانية ما يحدث، إذ تلتقط عيناه بدن طفله وطفلته وقد تطايرت أشلاءً ، فنحن لسنا في كابوس كما هو في لحظة موته.

 

في ساعات الذبح هذه، في المسلخ الفلسطيني اللبناني الذي جمع ووحد الفقراء العرب الفلسطينيين واللبنانيين...

شهادات الشهود نساءً ورجالاً تصف عمليات القتل بدم بارد ومتعة، كيف اقتيد العزّل من السلاح كالأغنام وذبحوا، وكيف مثّل بأجسادهم.

المذبحة بعد هذا الكتاب لم تعد مجرد كلمة تصف ما جري، المذبحة بشر يروون ما جري، يقدمون شهادتهم، يرسمون ملامح وجوه المجرمين، وأفعالهم، والباحثة المؤرخة تمضي في ذاكراتهم نابشةً عن تفاصيل نسيت في الأيام الأولى لانكشاف المذبحة.

 

العنوان: (لغز قذيفة الآر.بي.جي) في الصفحة 179 يروي واقعة صغيرة ذات دلالة يجب أن لا تنسى. تقول الحكاية أن قذيفة (آر بي جي) أطلقها شخص مجهول على تجمّع للقتلة فما كان منهم سوى الهرب إلى (الحرش) المجاور للمخيّم وترك الجرحى الفلسطينيين المكوّمين تمهيداً للإجهاز عليهم، والناس المساقين للذبح، وهكذا بقذيفة واحدة تمّ انقاذ مئات الناس، و..هرب القتلة المدججون بالسلاح!

 

ثمّة إهمال هو الذي فتح الباب ليعبره القتلة، بدءا من عدم تحديد الجهة التي ستتحمّل مسؤولية أمن وحماية المخيمات الفلسطينية وبخّاصة التي في بيروت، إضافة إلى أنه لم تكن هناك في صبرا وشاتيلا قيادة محلية تسهر متيقّظة مراقبة خاصة وأن الصهاينة يحيطون بالمخيم، ويتوغلون في بيروت، وأعداء فلسطين ولبنان المتحالفين مع جيش الاحتلال يتحيّنون الفرصة لتصفية الحسابات وفرض مشروعهم بالقوّة.

 

هذا الكتاب، كتاب المذبحة، من الكتب التي ينبغي على كل أسرة فلسطينية بخّاصة أن تقتنيه، وتقرأه قراءة جماعية صفحة صفحة، كلمة كلمة، انّةً أنة، قطرة دم وزفرة تفجّع وحسرة، وتورثه للأجيال الآتية...

هنا نقول: اللعنة علينا إن نسينا، أو غفرنا، أو سامحنا، أو قبلنا بأن نذبح كالأغنام بدون مقاومة تدفّع عدونا الثمن باهظاً، وتجبره على الهرب كما يليق بالجبناء والمرتزقة.