تحت خط الموت
خيري منصور
صحيفة
الخليج الإماراتية 20/10/2004
حسب إحصائية
نشرت مؤخراً فإن مليوني فلسطيني في الأرض المحتلة يعيشون تحت خط
الفقر، لكن إحصائية أخرى أدق من هذه وأشد خطورة لم تنشر بعد، ولا
يبدو أنها مدرجة على قائمة النشر، وهي أن أكثر من أربعة ملايين
فلسطيني يعيشون تحت خط الموت، لأن حكم الإعدام قد صدر ضدهم منذ زمن
ليس بالقصير، وإن كان قد فشل فالفضل يعود إلى بسالة وإرادة هؤلاء
المحكومين، الذين أحالوا اللحود إلى مهود.. فما من أحد كالمحتلين
يتذوق طعم الحرية، وهو يدفع ثمن كل لحظة من لحظاتها، لهذا اعترف مثقف
فرنسي شهد الاحتلال وكابده وقاومه أيضاً أثناء الاحتلال النازي
لبلاده بأنه لم يكن حراً ذات يوم.. كما كان حراً خلال الاحتلال، لأن
نعمة الأوطان كنعمة الهواء لا يشعر بها المرء إلا عندما تغيب.
وسواء عاش
الفلسطينيون تحت خط الفقر أو خط الموت، فإن الخطوط الجديدة للحياة
والموت لم تعد من صناعة منتجي الموت بكميات وفيرة، فقد أفلت الزمام
من اليد التي توهمت بأنها قادرة على الحذف والشطب حسبما تشتهي، وقد
لا يعترف الجنرالات كالعادة بتورطهم، وبأن الخروج من حمامات الدم ليس
كدخولها، لكن هذه المكابرة لا تقدم وقد تؤخر، لأن مديونية الدم
تتضاعف، والجريمة لن تكتمل على الإطلاق مادام هناك ضحية فصيحة، وشهود
أبرار! فالاحتلال يبتكر أسباباً للجوع، حتى لو كانت البلاد التي
يحتلها تفيض لبناً وعسلاً، لأن التجويع حسب استراتيجيته التقليدية
يفضي إلى التركيع، وينتهي أخيراً إلى التطبيع، وهو خاتمة المطاف في
دراما الاحتلال إذا سارت وفق شهوة المحتل وسيناريوهاته، هذا مع العلم
أن سارق الأرض والقوت، يعيش على تلك الأرض متخماً، لأنه كما وصفه
الشاعر الراحل راشد حسين، لو عصر رغيف الخبز لسال منه الدم، ولأنه
أيضاً صادر حتى بساط المسجد، تبعاً لما تنص عليه قوانين الاستيطان،
وكوميدياه.. وهو مصادرة أملاك الأعداء الغائبين!
ويبدو أن
الفشل الصهيوني في تحقيق ثالوث التجويع والتركيع والتطبيع قد أصاب
الجنرال بالجنون فاتجه مباشرة إلى اللحم الفلسطيني، وأخذ يحرقه
بمختلف النيران، مراهناً على هذا الزكام السياسي الذي أصاب العالم،
بحيث لا يشم حتى رائحة اللحم البشري المتفحم، فالفحم لم يعد حجرياً
فقط، في هذا العصر ما قبل الحجري رغم كل مزاعمه العلمية وتطوره
التكنولوجي، إنه فحم بشري، بل هو عربي بامتياز، لهذا يسيل عليه لعاب
المستوطنين. لقد كانت أدبيات المقاومة الفلسطينية التي يجري حذفها
الآن، تتمحور حول ثلاث نقاط جوهرية هي احتمال الحصار وحصاره إن أمكن،
واحتمال الجوع، وتحويله إلى صيام وطني مقدس، وأخيراً احتمال الألم،
لأن من يموتون ليسوا فائضاً ديمغرافياً في تلك البلاد الصبية الولود.
والتركيز
الإعلامي الآن على كون الفلسطينيين يعانون من التجويع والحصار، يبقى
ناقصاً، ومريباً إذا تجاهل الإبادة الجماعية، والتي تتم بالتقسيط
كمرحلة أولى.
وثمة شاهد
حي، ونموذج طازج، يبرهن على أن الصهيونية لن تشبع من فلسطين وحدها،
وهو المثال العراقي، حيث تسرح وتمرح في أرض السواد أكثر من ثمانين
شركة صهيونية، إضافة إلى ما تعيشه خلايا الموساد من سرطنة للعراق
خصوصاً في شماله، مما أثار حفيظة الأتراك وأخذوا يتشاكون من سفاهة
الحليف القديم! فلأول مرة منذ عقود يعلن رئيس وزراء تركيا أن الدولة
العبرية ستضاعف من عدد المعادين للسامية وهي المسؤولة عن تصاعد
الكراهية لليهود بسبب ما تقترفه الآن في فلسطين وخارجها!
في ذروة
الانتفاضة تعامل الإعلام المعولم مع واحدة من أنبل الظواهر القومية
والإنسانية في عصرنا، كما لو أنها مجرد عصيان يعلنه إقليم تابع
للدولة العبرية، وتعيش فيه إثنية عربية!
لهذا سارع
الإعلام المعولم إلى مباركة المطالبة بنزع عسكرة الانتفاضة وخلع
أسنانها وأظافرها كي تبقى مجرد أنين في الهواء!
والآن، إذ
يتم التركيز على البطالة فقط، والحصار الاقتصادي، ومعاناة مليوني
فلسطيني يعيشون تحت خط الفقر، فإن الجملة السياسية لها مبتدأ فقط،
أما الخبر فهو غائب أو محذوف، لأسباب هي في بطن الجنرال لا الشاعر
هذه المرة..
ملايين
الفلسطينيين في أرضهم المحتلة يعيشون تحت خط الموت لا الفقر، لهذا
لابد من مفتاح آخر لذلك الباب الموصد!
|