|
خطة شارون تفعيل لسياسة الأرض المحروقة!
بقلم: إبراهيم الصياد
صحيفة البيان
الإماراتية 26/6/2004
إن خبرة
التعامل مع أرييل شارون رئيس وزراء "إسرائيل" تؤكد أن الرجل لا يمكن
أن يتغير من أقصى النقيض إلى أقصى النقيض ولا أعتقد أنه قد أتته صحوة
ضمير مفاجئة تجبره على التنازل الطوعي عن قطاع غزة وفق خطته المعروفة
باسم فك الارتباط فمنذ أن عرف شارون على الساحة السياسية فهو يمثل
أشد أنواع التطرف والعداء للفلسطينيين خاصة والعرب عامة وأنه لا
يتورع عن استخدام أشد أشكال إرهاب الدولة ضد الفلسطينيين.
ولابد أن
نذكر أنه صاحب اليد الطولى في المذابح ضد الشعب الفلسطيني الأعزل
نذكر منها على سبيل المثال وليس الحصر صبرا وشاتيلا عام 1982 وجنين
عام 2002 وأنه صاحب الرقم القياسي في الاغتيالات والتصفية الجسدية
والأمس القريب مازال ماثلاً في الاذهان باغتيال الشيخ الشهيد أحمد
ياسين والشهيد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي وغيرهما من رموز الصمود
والمقاومة وما زال على قائمة الاغتيالات الكثيرون في مقدمتهم الرئيس
الفلسطيني ياسر عرفات نفسه.
من منطلق هذه
المقدمة لا أتصور أن الانسحاب الإسرائيلي من غزة من فهم واضح لدوافع
شارون يمكن أن يقود إلى انفراجة حقيقية في عملية التسوية السلمية إلا
إذا كان شارون قد غير فكره وجلده وأصبح بين يوم وليلة من المدافعين
عن عودة الحقوق المغتصبة إلى أصحابها وفي تقديري أن هذا من رابع
المستحيلات على الأقل بحكم العقل والمنطق.
إذن يتبادر
إلى الذهن سؤال.. ماهي حقيقة دوافع شارون لقرار الانسحاب من غزة؟
يمكن القول
إن هناك ثلاثة من مستويات التحليل لفهم هذه الدوافع يمكن رصدها فيما
يلي:
المستوى
الأول.. إنه يريد أن يعدل من سياساته الأمنية بحيث يجعل من تكلفة
التواجد العسكري الإسرائيلي خارج القطاع أقل من تكلفة هذا التواجد
داخل القطاع مع استمرار تصعيد عمليات المقاومة الفلسطينية ويسعى إلى
استجلاب أطر أمنية جديدة «غير إسرائيلية» تضمن له تحقيق أهدافه بأقل
تكلفة ممكنه.
ولكن الأفكار
المصرية للتعامل مع الطرح الشاروني فطنت لهذا وربطت بين أي انسحاب من
غزة وتطبيق خطة خارطة الطريق التي ارتضاها الطرفان الفلسطيني
والإسرائيلي من قبل بل ودعت إلى انسحاب متزامن من الضفة الغربية
وأكدت وجهة النظر المصرية على أمرين:
الأمر الأول
أنه لن يكون هناك أي تواجد عسكري مصري في قطاع غزة أو أي منطقة محتلة
يحل محل القوات المنسحبة.
الأمر الثاني
أن الفلسطينيين هم المعنيون بادارة شئون بلادهم الأمنية وأن المساهمة
المصرية لن تتعدى تدريب الكوادر الأمنية الفلسطينية بواسطة طواقم من
الخبراء المصريين سواء في غزة أو الضفة.
المستوى
الثاني... إن شارون أراد إحداث نوع من التوازن السياسي داخل حكومته
بمحاولة فتح حوار مع حزب العمل والقوى السياسية الداعية إلى استئناف
عملية السلام المعطلة ولكنه يحاول في الوقت نفسه اقناع هذه الأطراف
بأن ما ينطبق على غزة ليس بالضرورة أن ينطبق على الضفة وهو بذلك يجزء
التعامل مع القضية الفلسطينية خاصة أن مشكلات الضفة الغربية أكثر
تعقيداً من مشكلات قطاع غزة وربما أن شارون فشل في التعاون مع عناصر
اليمين الإسرائيلي المتطرف في جلب الشعور بالأمن والاستقرار لرجل
الشارع الإسرائيلي رغم أنه من أكثر الإسرائيليين تشدداً وتطرفاً
ولكنه من باب المناورة السياسية أراد تغيير بعض قواعد اللعبة بشكل
يضمن بقاءه في الساحة السياسية لمدة أطول.
المستوى
الثالث.. يعاني الاقتصاد الإسرائيلي من جراء احتلال مناطق ما وراء
الخط الأخضر مشكلات عديدة نتيجة تحمل عبء إدارتها اقتصادياً ويدخل في
إطارها وجود العديد من المستعمرات التي يشكل قاطنوها من المستوطنين
مأزقاً أمنياً واقتصادياً لحكومة شارون في آن واحداً وعليه أراد أن
يخرج من هذا المازق والمقصود هنا قطاع غزة ليلقى بتبعاته الأمنية
والاقتصادية على الآخرين.
مما تقدم
نعتقد أن مقصد شارون من الانسحاب من غزة واضح وهو أنه يريد الظهور
أمام الرأي العام العالمي كما لو كان يسعى للتسوية ولكن الفلسطينيين
برفضهم الخطة المقدمة من جانب واحد هم الذين يعوقون التوصل إلى حل
للنزاع.
وفي ذات
الوقت يبدو شارون أمام شعبه أنه يسعى لتحقيق ضمانات أمنية عجز عن
تحقيقها خلال السنوات الأربع الماضية تكفل حالة من الاستقرار بعد أن
ملأ الرعب قلوب الإسرائيليين جراء تكرار العمليات الفدائية خاصة في
عمق فلسطين المحتلة ونذكر عملية ميناء أشدود التي جاءت مفاجأة لم
يضعها شارون في حسبانه من قبل.
ويبقى
التساؤل مهما كانت دوافع شارون الانسحاب من غزة فماذا يمكن أن يكون
رد الفعل العربي والفلسطيني؟
نرى أنه من
الضروري أن يتعامل الجانب العربي والفلسطيني مع ما يحدث ليس من مقعد
المشاهد الذي لا يعنيه الأمر ويجب أن يصبح الموقف العربي والفلسطيني
أكثر إيجابية في منع شارون من الالتفاف حول ثوابت حقوق السيادة
الفلسطينية على أرض يريدها شارون في نهاية المطاف أرضاً محروقة !!
ـ كاتب مصري
|