الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

الجدار.. أول معزل عنصري للعرب

بقلم: عماد الزيداني

صحيفة أخبار الخليج البحرينية 1/4/2004

 

«ليس في نيتي القول إن أي اتفاق مع العرب الفلسطينيين غير وارد إطلاقاً. طالما أن في أذهانهم شرارة أمل واحدة بإمكان التخلص منا في يوم من الأيام، لن يثنيهم عن هذا الهدف أي وعد أو إغراء، وذلك بالتحديد لأنهم ليسوا شعباً منحطاً بل أمة حية . والأمة الحية لن تكون مستعدة لتقديم أي تنازلات حول مسائل حيوية إلا عندما تفقد الأمل في «التخلص منا» وعندما تسد آخر ثغرة في «الجدار الحديدي» في صورة نهائية».

 

كتب زئيف جابوتنسكي هذه السطور عام 1923م في مقال بعنوان «الجدار الحديدي - نحن والعرب». وبعد عشر سنين أقدم مؤسس الصهيونية المسماة «التصحيحية» على الانشقاق عن المنظمة العالمية بعدما اتهمها بعدم السعي إلى إقامة دولة يهودية على ضفتي الأردن وعدم إنشاء جيش يهودي قوي لهذا الغرض . وقد دعا جابوتنسكي إلى تكوين محيط يهودي متين مغلف بجدار حديدي خرساني صلب يصعب اختراقه.. عندما كان النقاش بين اليهود في العشرينيات من القرن الماضي حول طبيعة وشكل الدولة التي يريدون إنشاءها في فلسطين.. حيث كان الخطاب السائد آنذاك يرتكز على ضرورة إقناع العرب بأن القادمين الجدد من اليهود سيعمدون على إنعاش المنطقة وتقدمها علمياً إلا أن جابوتنسكي سخر من ذلك وقال: إن الفلسطينيين شعب ككل الشعوب المستعمرة ولن يقبلوا أبداً بالاستعمار أو إنشاء المزيد من المستوطنات في فلسطين حتى بعد قيام الدولة العبرية. أما الحل لديه فهو إقامة «الجدار الحديدي» الذي سيفصل بين اليهود والعرب الذين سيستسلمون لاحقاً على حد قوله.

 

فلاديمير (زئيف) جابوتنسكي، الذي تصور ثلاثة حلولٍ حصريةٍ لـ «المشكلة العربية» في دولة «الكيان الصهيوني» قبل قيامها، هي حل «الترانسفير» القسري، وحل «مبادلة السكان»، إقامة «سور حديدي لا يمكن للسكان الأصليين أن يخترقوه، هذه سياستنا تجاه العرب، وإن صوغها بـأي طريقةٍ أخرى يعدّ نفاقاً» فـ«كلّنا نصفّق ليل نهار للسور الحديدي» على حد تعبير جابوتنسكي. وينحدر حزب ليكود الحالي من الحركة التحريفية هذه عبر الأرغون وليهي ومن بعدهما حيروت فيما يعتبر أرييل شارون (بالرغم من انتسابه في الأساس إلى حزب العمل) ومن قبله مناحم بيجن واسحق شامير، خليفة جابوتنسكي. لكن فكرة «الجدار الحديدي» لم تلهم فقط أحفاد من وجد فيه بنيتو موسوليني قائداً «فاشياً»، بل قام عليها ولمدى طويل استراتيجياً يهود فلسطين (اليشوف) ومن ثم الدولة العبرية . الجذور العقائدية للمعازل العنصرية ترمي فكرة «الجدار - المعزل العنصري» بجذورها إلى أزمنة موغلة في القدم في الفكر الديني القديم لليهود منذ السبي البابلي لهم والآشوريين والاجتياح الروماني لمملكتهم. إنها عقلية تدل على الضعف الذي يشعرون به أمام المحيط خاصة العربي رغم قوتهم المادية العسكرية، وهي فكرة تنم عن الأسئلة المصيرية التي تراود العقلية الصهيونية القلقة على وجودها الغائب حتى مع بناء دولة الاحتلال. وهو نابع من عقلية الانعزال اليهودي عن الأغيار - كل إنسان باستثناء اليهودي- هذه العقلية المتشبعة بالأيديولوجيا العنصرية والداعية إلى الفصل العنصري ، حيث يعتبرون أنفسهم شعب الله المختار وأن إلههم بحسب اعتقادهم مختلف عن إله الأمم الأخرى. ومن هنا تقسيمهم للبشر إلى يهود يقفون داخل دائرة القداسة وأغيار يقفون خارجها وهي الأسباب الكامنة لبناء الثقافة الصهيونية جداراً نفسياً حول اليهود القادمين من مختلف بلاد العالم محاولة حمايتهم عبر تخويف «الجيران الأعداء» بأن الدولة الصهيونية دولة قوية تستطيع حماية نفسها «ممن يريدون رميها في البحر». لذلك اتجه صناع القرار في الكيان الصهيوني إلى اعتماد نظرية بيريز التي تدعو إلى التعامل مع الحكومات العربية وفق نظرية «الحزمة الواحدة» أي دمج قوة الردع النووية مع خيار التسوية في حزمة واحدة وذلك لفرض التسوية السياسية وفق الأجندة والشروط الصهيونية، وهو ما كاد أن يتم لولا الانتفاضة الفلسطينية. ذهنية المعازل العنصرية تتخطى الدلالات اللغوية في العبرية إلى حدٍ بعيدٍ مفهوم «السور» في اللغات غير العبرية، بشكلٍ يمكن فيه القول: إن المصطلح المترجم «جدار الفصل» المستخدم في «الكيان الصهيوني» ليس سوى مصطلحٍ «مريحٍ ومضلّل» للتعبير عن منظومة التحصينات التي يقيمها «الكيان الصهيوني» الآن على الأراضي الفلسطينية المحتلة، بدعوى الأمن من خلال جدران المعازل العنصرية.

 

إن بناء جدار أسمنتي يرتفع من ثمانية إلى تسعة أمتار على مدى مئات الكيلومترات، وتحيطه جدران معدنية وأجهزة كهربائية حساسة وخنادق على الجانبين، مع مناطق أمنية محظورة في العمق، ومواقع خاصة متقدمة للأبراج بين كل مائتي متر، ومسارات الدوريات العسكرية، هو أكثر بكثير مما يمكن أن تعنيه كلمتا «جدار» أو «سور»، ويحال مباشرةً إلى الذهنية الأيديولوجية العنصرية التي تتحكم فيه، والتي ليست في حقيقتها ذهنيةً أمنيةً بقدر ما هي ذهنية فصلٍ عنصريٍ، يشكّل الأمن مجرد تسويغٍ تبريريٍ في الظاهر لها.

 

إن التبرير التسويغي للكيان الصهيوني لبناء «الجدار - المعزل العنصري» هو الأمن في إطار نظرية «الأمن هو الذي يحقق السلام» وليس «السلام يحقق الأمن»، في حين أنه يبدو عودةً محدثةً إلى نظرية «السور الحديدي» الجابوتنسكية التي يمثل الليكود الحاكم استمراريتها التاريخية في الحركة الصهيونية. فما يسكت عنه هذا التسويغ الأمني هو على وجه الضبط تلك الذهنية التي تحاول أن تبني أول بنتوستان (معزل عنصري) للعرب ولأي مجموعة بشرية أو شعب في آسيا كلها بعد أن تصورت الإنسانية نهاية البنتوستان مع نهاية نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. ولعله من المهم هنا أن نؤكد أن ذهنية الفصل العنصري في الكيان الصهيوني لا تختلف في بشاعتها عن الذهنية العنصرية في جنوب إفريقيا السابقة بل تفوقها حيث المركزية الإثنية لخطة الفصل الصهيونية تقوم على أساسٍ إثنيٍ دينيٍ يهوديٍ تتطابق فيه الهويتان الدينية والقومية في حين كان الأساس الإثني لنظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا عرقياً. فيحتل الدين - القومية في خطة الفصل أو المعازل العنصرية الصهيونية ما كان يحتله العرق في الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. وهو ما يحتمله أحد معاني الكلمة العبرية «هفرداه» التي تعني فيما تعنيه «الفصل» و«العزل» بكل الدلالات التوراتية.

 

مراحل تطور المعزل وضع منذ عام 1988 المخططون الاستراتيجيون في الكيان الصهيوني بناءً على طلب حكومتهم عدة خططٍ للفصل على امتداد «الخط الأخضر» وما خلف الكتل الاستيطانية التي يتمسك «الكيان الصهيوني» بضمّها إليه، وهي تقارب طريقة حل باراك - بن عامي لمشكلة المستوطنات في مفاوضات كامب ديفيد(2). غير أن خطة «الجدار - المعزل العنصري» الحالية على طريقة الليكود، التي رسمها العقيد داني تيرز الملقب بـ«السيد جدار» تفوق خطط الفصل السابقة كلها من حيث مراعاتها الدقيقة لمبدأ «أرض أكبر وعرب أقل»، إذ تعني - حتى في مرحلتها الأولى التي كان مقرراً الانتهاء منها في نهاية يوليو 2003 ، قبل الملاحظات الأمريكية، في إطار امتداد الجدار - المعزل العنصري على مدى 500 كلم حتى نهاية هذا العام 2004 إذا ما سارت الأمور على ما يرام- عملية اغتصابٍ أخرى لآلاف الدونمات من الأراضي الفلسطينية، بشكلٍ لا يبقى فيه للفلسطينيين أرض إلا بالكاد، فهذه المرحلة من «الجدار - المعزل العنصري» تفصل مثلاً بيت ساحور وبيت جالا وقلقيلية عن أراضيها، كما تدمر كل الطرق الفرعية لقرى جنين، فكيف بنهايته المفترضة؟ والواقع أن فكرة إنشاء سورين عازلين واحد بطول غور الأردن والثاني غرب الضفة ترجع تحديداً إلى خريطة وضعها شارون عام 1983 عندما كان وزيراً للجيش وتهدف إلى ضم هذه الأراضي للكيان الصهيوني وبدأت ملامح «الجدار - المعازل العنصرية» تتبلور بعد حرب الخليج الثانية عام 1990 حين بدأ الكيان الصهيوني أولاً خطوات الفصل غير المباشر بين سكان الضفة والكيان الصهيوني داخل حدود 1948 بإصدار تصاريح لكل فلسطيني يريد الدخول إلى الخط الأخضر للعمل أو ما شابه ذلك. وفي عام 1993 اتخذ رابين إجراء «الإغلاق» رداً على عمليات المقاومة حيث يقضـى بإغلاق الضفة الغربية عن فلسطين المحتلة عام 1948 واقتراح حينها رابين إنشاء ما يسمى «الجدار العازل» ولكن الفكرة لم تلق رواجاً في ذلك الحين وبدأت فكرة الجدار - المعازل العنصرية تأخذ طريقها للتنفيذ الفعلي بعد اندلاع انتفاضة الأقصى 2000 بتطبيق التطويق المفروض على قطاع غزة على الضفة الغربية أيضاً . في إبريل 2002 طالبت لجنة التوجيه الحكومية للكيان الصهيوني سرعة إنشاء «جدران المعازل العنصرية» في شمال الضفة الغربية وبدأ تنفيذ المرحلة الأولى من المشروع في يونيو 2002 وفي يناير 2003 احتفل الكيان الصهيوني رسمياً باكتمال تنفيذ أول 4 كم من الجدران - المعازل العنصرية وفي مارس 2003 أعلن شارون اقتراحه بتطوير فكرة المعازل العنصرية ببناء جدار أمني ثان (على حد زعمه) في شرق الضفة لضم مستوطنات غور الأردن . المعازل العنصرية للجميع «الجدار - المعزل العنصري» على طريقة الليكود، يؤدي وفق أرقام البنك الدولي، إلى الضرر المباشر لحوالي 95-200 ألف فلسطيني سيفقدون أراضيهم. وهو قد يكون وفق أهداف مخططة سلاحاً لمنع من يسميهم الكيان الصهيوني بـ«الماكثين غير القانونيين» من «التسلل» إلى القرى العربية في «الكيان الصهيوني» والسكن فيها، وهم بحدود 150 إلى 200 ألف فلسطيني، تتوزع عائلاتهم ما بين «الكيان الصهيوني» و«فلسطين»، لكنه ليس حلاً لمشكلة الحفاظ على الأكثرية اليهودية في الدولة التي رفع حزب العمل خطة الفصل من أجلها ويباشر تنفيذها شارون بعقلية عبقرية مجرمة، حيث سيؤدي ذلك إلى ضم عشرات الألوف من الفلسطينيين إلى الكيان الصهيوني، في الوقت الذي يفصلهم عن قراهم وعائلاتهم.

 

جميع أفراد الكيان الصهيوني يدركون أن وجود عرب الـ 48 بينهم هو وجود مؤقت، وهم هؤلاء الذين يعانون يوميا مصادرة أراضيهم على الرغم من صمت العالم عن هذه الناحية وتفاقم المشكلة العربية في الدولة مستقبلياً، بما يحتمله ذلك من طرح خطة الفصل بين الكيان الصهيوني وعرب 1948 على مستوى الدولة نفسها، كما هو الأمر عليه اليوم، وهو الأمر الذي يبدو بعض كتل اليمين مهووساً به، إلى درجة طرح إخلاء عرب 1948 وتجميعهم في مجال مركزي مسيطر عليه أي في بنتوستان أو معزل عنصري مضبوط.

 

ومن أجل أن تكون حماية السكان اليهود داخل فلسطين التاريخية مجدية ومن أجل أن يكون الجدار - المعزل العنصري ذا فاعلية بحسب العقلية الصهيونية، فانه يجب طرد جميع عرب الـ 48 المقيمين في خاصرة الدولة اليهودية على حد اعتبار ساسة ومفكري الصهاينة، فهم يؤمنون انه لا يمكن أن يكتب النجاح لدولة الكيان الصهيوني وتأمن شر جيرانها العرب إلا «بتنظيف» الدولة العبرية من أي ديانة أخرى. أي جعلها دولة يهودية خالصة، وهذا ما تحدث به بوش في خطابه في العقبة الأردنية. الهدف بعد فوزه في الانتخابات توجه رئيس وزراء "إسرائيل" الجديد إلى أنصاره بهذه الجملة: «إن حرب الاستقلال في 1948م لم تنته بعد، 48 كانت مجرد فصل».

 

تهدف نظرية الجدار الحديدي أو نسختها المطورة «المعازل العنصرية» إلى تحقيق التالي:

 

1- إنزال هزيمة استراتيجية مكلفة تؤدي إلى تحولات لدى الخصوم وهم العرب والفلسطينيون خاصة في هذه المرحلة من متطرفين عنيدين إلى معتدلين على استعداد للرضوخ أو المساومة بهدف تحويل الصراع الوجودي بين الصهاينة والعرب إلى سلام قائم على تفوق الطرف الصهيوني وخضوع العرب له ولمطالبة.

 

2- تحقيق الحلم الصهيوني الأثير بالسيطرة الكاملة على الأرض وتحريرها من قبضة عرب فلسطين في المرحلة الحالية.

 

3- تهيئة الأجواء الدولية والعربية وخاصة الفلسطينية للمرحلة التالية وهي قبول الترحيل الجماعي إلى الوطن البديل، طبعاً ذلك لن يتم إلا بعمليات قمع واسعة ورهيبة للفلسطينيين في معازلهم العنصرية.

 

4- توفير عمق استراتيجي (نقطة السهل) على البحر المتوسط الذي يمثل نقطة ضعف أمنية بالنسبة إلى الكيان الصهيوني لتمركز الثقافة السكانية ومعظم المنشآت الحيوية، رغم أنه يمثل 16% من مساحة الكيان الصهيوني.

 

5- تحتوي الضفة الغربية على أجواء وأوفر مخزون مياه جوفية حيث أن أرضها صخرية لا تسمح بتسرب المياه كما أن بعدها النسبي عن البحر ساعد على ارتفاع درجة نقاط المياه التي لا تتأثر بملوحة البحر .

 

6- تأمين الحدود سواء كانت الحدود الشرقية لمنع التواصل عبر الحدود المشتركة بين الفلسطينيين والأردنيين أو حماية حدود الخط الأخضر الذي تقع داخله مدن الكيان الصهيوني ذات الكثافة السكانية العالية.

 

هل هي بداية النهاية؟ وصف «يهاشوارع» أحد كتاب الكيان الصهيوني الصراع الفلسطيني مع الكيان الصهيوني بأنه صراع غريقين على خشبة في عرض البحر، وأن كلاً منهما يريد أن ينجو بنفسه، مدركاً أن النجاة تعني غرق الآخر لا محالة.

 

إن ثلاثة أخماس سكان دولة الاحتلال الآن هم من المهجرين الذين باتوا يحلمون بالعودة المعاكسة من فلسطين إلى حيث كانوا. وهذا ما تؤكده إحصاءاتهم هم فإن أكثر من مليون «صهيوني» موجودون خارج فلسطين الآن، منهم أكثر من 200 ألف فقدوا جنسياتهم، وفئتهم العمرية تتراوح ما بين 20 و24 عاماً وهؤلاء ليسوا أناساً عاديين بين السكان وإنما هم أبناء وأحفاد نخب سياسية هذا عدا أن عدد غير اليهود من بين المهاجرين السوفيت يصل إلى نحو 50%. أضف إلى ذلك انصراف الشباب اليهودي عن الخدمة العسكرية فنحو 20 إلى 25% يهربون أثناء الخدمة وثلث الضباط الاحتياط يتغيبون فهي حسب بعض التصورات يقوم بها البلهاء فقط وهو الأمر الذي وصل إلى حد التسامح من قبل المجتمع تجاه المتهربين من الخدمة فإذا كانت ظاهرة الفرار من الخدمة العسكرية تعد خطيرة في أي مجتمع فإنها تزداد خطورة في مجتمع استيطاني وهو ما يشير إلى عوامل التآكل الداخلي في الكيان الصهيوني تقوض أركانه.

 

لقد دفع الكيان الصهيوني ثمناً باهظا على هيئة خسائر مادية وعلى هيئة الدمار الذي يلحق بمقدرة الجيش على القتال وهو منهمك في قمع الشعب الفلسطيني وهو ثمن لا يجرؤ أحد على حسابه، فضلا عن أن ذلك إنما أثبت للصهاينة صعوبة التخلص من الشعب الفلسطيني ومن وجودهم العرضي الزائل (حسب تصورهم) ولذا يحاول الصهاينة الآن قبول الأمر السكاني الواقع وعدم قدرتهم على إخضاعهم أو التخلص منهم بترحيلهم إلى محاصرتهم عبر إقامة معازل عنصرية خاص بهم. ففي ذروة القمع الصهيوني يظهر فاقعاً هذا القمع كمؤشر على مدى عمق أزمة الأيديولوجيا الصهيونية في وجه التحدي العربي الإسلامي الشعبي ممثلاً في الفلسطينيين (وليس الموقف الرسمي المتخاذل) مما يعني أن الصهيونية ستزداد توحشاً وشراسة وإجراماً ضد عرب فلسطين في معازلهم العنصرية بعيداً عن أعين العالم. إن ذلك يلقي على الأمة العربية والإسلامية مسئولية جسيمة ويستدعي إرادة حاسمة عازمة على الدخول مع الشعب العربي في فلسطين في خندق واحد في معركته الأخيرة دفاعا عن وجوده وعن والوجود العربي الإسلامي في فلسطين المغتصبة.

 

الانحراف عن الزمن في عالم يتحول نموذج الدولة الغربي السائد في العالم من نمط الدولة الحادية الهوية المركزة إثنياً إلى نمط الدولة المتعددة الهويات، يصبح النموذج الصهيوني للدولة قد انحرف بعيداً عن الزمن وليصبح هذا الكيان مهدداً في صميم وجوده وفي فكرته كمشروع وكيان قابل للاستمرار في المستقبل القريب وليس فقط البعيد وقائماً على البطش والقوة اللذين يستمدهما من الآخر الأمريكي. من الموضوعية أن نقول أيضاً: إن الأمة العربية هي الأخرى تعيش الآن خارج التاريخ والزمن أيضاً ولكن ليس لعوامل كامنة في صميم ثقافتها وعقيدتها ووجودها كأمة بل لأسباب مفروضة قهراً عليها من نظمها السياسية التي تعوق تطورها وتمنعها من النهوض أو حتى مواجهة تحدياتها بشكل مشرف، ومن المهم هنا أن نؤكد أن ثقافة الأمة العربية وعقيدة غالبيتها المتمثلة في الإسلام قادرتان على التطور والازدهار في المستقبل عندما يتطور نظام الأمة السياسي أو تتخلص من أسباب إعاقتها التي أصبحت مرضاً مزمناً، نرجو ألا تتأخر الأمة كثيراً فالله جلت قدرته وحده يعلم إلى أين سيصل جرم الصهاينة.