الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

جدار العزل المضروب حول "إسرائيل"

 

عبدالإله بلقزيز

 

صحيفة الوطن السعودية 7/3/2004

 

 

الذين وصفوا الجدار العازل الذي تضربه "إسرائيل" على مناطق الضفة الفلسطينية المحتلة، بأنه جدار العزل العنصري ليسوا على خطأ في التوصيف. ففي فكرة الجدار فصل بشري وجغرافي بين شعب أصلي على أرضه وسكان مستوطنين اغتصبوا وطنه بالعنف المسلح. وهدف الفصل عدم الاختلاط بينهما للحفاظ على نقاوة الكيان الإسرائيلي. هذه أولاً والأمن يأتي بعد ذلك.

 

والذين وصفوه بأنه محاولة يائسة لحماية أمن الدولة اليهودية من عمليات المقاومة، لم يخطئوا تقدير الأمر، فهو علامة فارقة على إخفاق البرنامج الأمني الذي حملته حكومة شارون منذ قيامها قبل ثلاث سنوات، حيث لم تستطع الاجتياحات المتكررة لمدن الضفة وقراها، وعملية السور الواقي الواسعة - منذ مارس 2002 - واغتيال نشطاء الانتفاضة وقادة المقاومة وكوادرها، واعتقال أزيد من عشرة آلاف مناضل منذ عام ونصف، أن تنهي المقاومة. وقطعاً لم ينجح جدار الفصل العنصري حتى الآن - ولن ينجح في المستقبل - في وقف عمليات المقاومة أو في تحصين الأمن الإسرائيلي داخل فلسطين المحتلة عام 1948 قبل أن ينال شعب فلسطين حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على كامل أراضيه المحتلة في حرب يونيو 1967.

 

ثم إن الذين وصفوه بأنه محاولة لرسم حدود الدولة الفلسطينية لم يجانبوا الصواب فيما ذهبوا إليه. فالجدار يزحف على الأرض انسجاماً مع خريطة رسمها شارون لتلك الدولة هي "خريطة الطريق" الوحيدة التي يعترف بها. فالجدار يقضم أراضي واسعة من الضفة هي الأخصب فيها والأكثر وفرة في المياه ومصادرها الجوفية. وهو يدخل المستعمرات اليهودية في الضفة داخل حدود "الخط الأخضر" ليخرجها من أي "تفاوض" مستقبلي. وهو يمزق أوصال الأراضي الفلسطينية فيحولها إلى أقفاص مقفلة على بعضها ولا تقوم بينها أشكال من التواصل الجغرافي. وشعب فلسطين الذي كان ممزقاً بين 48 و67 ثم بين الضفة وغزة، أصبح ممزقاً داخل عشرات البندوستانات داخل الضفة وغزة على نحو لا يصير معه شعباً. وهذه هي الدويلة التي يقبل بها شارون: تقع على أقل من نصف أراضي القرار 242، وليس فيها من الجغرافيا غير أرخبيل لا تربط بين أجزائه حتى المياه، وسكانها مدعوون إلى الانتقال إلى مدنها وقراها من خلال سفر طويل عبر الأردن أو مصر!.

 

أما الذين اعتبروا الجدار جداراً إسرائيلياً، أو جدار سائر الإسرائيليين، وليس جداراً شارونياً فحسب، فكانوا دقيقين جداً في تعريفهم. إذ ثبت أن المعارضة الصهيونية، وزعيمها شمعون بيريز ليست معترضة على مبدأ الجدار، بل إن بعض أركانها لم يتردد في الدفاع عن شرعية إقامته بدعوى حاجة "إسرائيل" إلى حماية أمنها من الإرهاب الفلسطيني. أما أقصى ملاحظة سجلها بيريز على الجدار فتتعلق بجزئية تافهة من قبيل تعديل مساره. وهي - كما يعرف كل عاقل - ملاحظة مصروفة لاستيعاب حالة الاحتجاج العالمي على جدار الفصل العنصري لا غير!.

 

أصاب هؤلاء جميعاً، بغير شك، في وصفهم جدار العزل العنصري ذاك، والدلالات التي ينطوي عليها بناؤه والأهداف التي يرمي إليها من وراء بنائه. لكن أحداً لم ينتبه إلى دلالة أخرى للجدار لا تتصل - مباشرة - بشعب فلسطين هذه المرة، بل بالمجتمع اليهودي نفسه. ولا تتعلق هذه الدلالة بمسألة "الأمن القومي" أو الأمن الاجتماعي الإسرائيلي، الذي أرهقته المقاومة، وإنما بهواجس الخوف والانعزال والانغلاق على النفس التي عبرت عن نفسها تاريخياً حتى قبل قيام الدولة الصهيونية، أو قيام "فتح" و"حماس" والمقاومة الفلسطينية.

 

فإذ تقيم "إسرائيل" جدار فصل عنصري ضد الشعب الفلسطيني متهيبة من الاختلاط به، لا تعزل هذا الشعب عنها فحسب، بل تعزل نفسها عنه وعن العالم، وتنكفئ على نفسها موصدة الأبواب ضد أية صورة من صور التفاعل مع العالم! إنها ثقافة الجيتو التي عاشت عليها التجمعات اليهودية عبر التاريخ، وفي كل أصقاع العالم. ثقافة الانغلاق والتشرنق على الذات، ونبذ الآخرين والتوجس خيفة منهم، ورفض الاندماج في أي محيط بشري - اجتماعي - ثقافي غير يهودي! وليس مرد ثقافة الجيتو تلك إلى خوف على النفس من الإبادة والمحو، بل إلى خوف عليها من فقدان "النقاوة" اليهودية. إنها ليست فوبيا (phobie) وجودية، بل ثقافة عنصرية استعلائية لا ترى في ("الغوييم" = الآخر، الغريب) كائناً أهلاً للتعايش معه!.

 

تعيد "إسرائيل" اليوم - بجدارها العنصري ذاك - إنتاج مجتمع الجيتو الذي عاشه اليهود في أوروبا وأمريكا، لكنها إذ تفعل ذلك، تفضح كل مزاعمها عن التسوية و"السلام" و"التعايش" مع الشعب الفلسطيني.