الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

محنة 1.2 مليون طفل فلسطيني في ظل حرب شارون

 

منتصر حمدان

 

صحيفة أخبار الخليج البحرينية 12/6/2004

 

الأمل والنظر للمستقبل صفتان ملازمتان للأطفال الذين يحلمون، لكن في حالة الطفلة هديل وهدان ابنة التاسعة الأمر يختلف عندما تكون أمنياتها الوحيدة أن يعود الزمان إلى ما قبل تاريخ استشهاد شقيقها لكي تجلس معه وتحاكيه "حتى ولو لعشرة دقائق فقط".

 

الأمنية التي تطلبها وهدان رغم أنها تعتبر مستحيلة، إلا أنها تعكس مدى الأثر النفسي الذي تركه استشهاد شقيقها الطفل عمر الذي قتل برصاص قوات الاحتلال عند مدخل مخيم قلنديا عام 2002 ،حيث كانت وهدان لم يتجاوز عمرها 7 أعوام.

على مدار عامين ووهدان التي تعيش في أسرة متواضعة داخل المخيم لم تستطع نسيان تلك الذكرى الأليمة التي حلت بأسرتها، بل إنها مازالت ترافقها لغاية الآن مما يؤدي إلى حدوث اضطرابات جسدية ونفسية.

 

الطفلة وهدان كانت من بين العشرات من الطلبة الذين تجمعوا داخل مدرسة ذكور مخيم قلنديا للمشاركة في نشاط ترويحي نظمه مركز الطفل في مخيم قلنديا بالتعاون مع منظمات الأمم المتحدة العاملة في الأراضي الفلسطينية المحتلة. رغم ارتسام علامات الفرح على وجهة الطفلة وهدان التي كانت تشارك بفاعلية مع زملائها الطلبة في الفعاليات التي يشرف على تنظيمها اختصاصيون تابعون للمركز، إلا أنها لاتزال تعاني من جرح عميق مازال يتفاعل في داخلها. وتقول وهدان: "أشعر بالسعادة عندما أشارك بقية أطفال المخيم مثل هذه النشاطات التي تلهيني بعض الوقت، لكنني أعلم أنني عندما أعود إلى منزلي فإن ذكرى شقيقي سوف تلاحقني".

 

وتتبدل معالم وجهة الطفلة عندما تبدأ بالحديث عن شقيقها عمر وكيف كان استقبالها لنبأ استشهاده، وتقول "كنت حينها لم اتجاوز من العمر 7 أعوام وعندما سمعت بالنبأ لم أدرك معانيه ولكنني عندما رأيت أخي مضرجاً بدمائه، وأخذ به إلى القبر أدركت حينها أنني فقدت أخي وأنه لن يكون بمقدوري الحديث معه أو رؤيته بعد ذلك". وتتابع وهدان "بقيت فترة طويلة وأنا أبكي على رحيل شقيقي".

 

منذ ذاك الحين وذكرى رحيل عمر تلازم شقيقته بصورة تؤثر على دراستها وحتى نومها وتقول وهدان: "في كثير من الأحيان استيقظ من النوم نتيجة حلمي بشقيقي حيث أشعر بألم في معدتي وحالة من الخوف لا أعلم سببها". وهدان طفلة تعيش حالياً في مخيم حولته قوات الاحتلال إلى مجرد سجن محاط بالجدار والحواجز العسكرية والمستوطنات هي واحدة من بين 1.2 مليون طفل فلسطيني يعيشون على مدار أربع سنوات منذ اندلاع الانتفاضة تحت طائلة أبشع هجمة عسكرية تشنها دولة الاحتلال على الشعب الفلسطيني برمته، مما أدى إلى وقوعهم فريسة للآثار المدمرة الناجمة عن تلك الحرب العدوانية والتي طالت مختلف فئات وقطاع المجتمع دون تمييز بما فيها الأطفال الذين يكونون أكثر عرضة للآثار النفسية والجسدية والتعليمية لتلك الحرب.

 

ويرى مختصون وعلماء نفس تربويون أن الأطفال بحكم عامل السن وتكوينهم النفسي والجسدي يكونون أكثر من غيرهم عرضة للتأثر بنتائج الحروب المباشرة وغير المباشرة، إضافة إلى أنهم في الحالة الفلسطينية يدفعون الثمن نظراً لاستهدافهم من قبل قوات الاحتلال. وفي إطار مساعي محلية للتخفيف من تلك الآثار بادر مركز الطفل في مخيم قلنديا إلى الاحتفال بيوم الطفل العالمي بالتعاون مع منظمات الأمم المتحدة العاملة في الأراضي الفلسطينية لتنفيذ مشروع الدعم النفسي الرامي إلى التخفيف من الآثار النفسية التي يتعرض لها الأطفال في المخيم.

 

وتقول أمل غانم المرشدة النفسية والاجتماعية الموظفة في عيادة الوكالة في المخيم وإحدى المشرفات على تنفيذ المشروع "إننا نحاول من خلال هذا النشاط تمكين الطفل وتنمية شعوره بكيانه ودب الفرح والسعادة في نفوس الأطفال وفتح المجال أمام الأطفال للتعبير عن ذاتهم بطرق مختلفة مثل الرسم وممارسة ألعاب".

 

وأشارت غانم إلى أن هذا المشروع يساعد في الكشف عن أماني وأحلام الأطفال وحاجاتهم خاصة وأن لديهم احتياجات أساسية يحتاجونها خلال عيشهم في المخيم، مؤكدة أن الأطفال الذين فقدوا أشقاء أو أصدقاء أو آباء يتم التعامل معهم على أساس أن لهم حالات خاصة سيما أن جزءاً كبيراً منهم عايش الانتفاضة بكافة تفاصيلها.

 

وأضافت "أن هذه الأنشطة هي جزء من عملية تفريغ الكبت والضغط الواقع على هؤلاء الأطفال". وحسب احصائيات صندوق الأمم المتحدة للأطفال ومنظمة اليونسيف ووكالة الغوث ومكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان فإن 573 طفلاً فلسطينياً قتلوا منذ اندلاع الانتفاضة الحالية. ويواجه الفلسطينيون على وجه التحديد إشكالية حقيقية في التعامل مع الآثار الناجمة عن عمليات القصف والتدمير والقتل والحواجز العسكرية وعمليات الاعتقال، على نفسية الأطفال، خاصة في ظل غياب تخطيط فلسطيني موحد للتعامل مع تلك الآثار التي يصفها مسؤولون في وكالة الغوث بأنها آثار "كارثية" وتحتاج إلى 15 عاماً على الأقل لمعالجتها في حال توقفت المواجهة اليوم.

 

وحسب ما أكده سامي مشعشع الناطق الرسمي باسم وكالة الغوث للاجئين فإن هذه الفعالية تمثل فعالية مركزية إلا أنه أشار إلى نشاطات مماثلة تنفذ في مخيمات فلسطينية أخرى. وفي ظل استمرار العدوان الإسرائيلي وممارساته الوحشية تتعدد وتتنوع احتياجات الأطفال نظراً لاتساع نطاق تأثير تلك الممارسات عليهم، لتصل إلى التأثير على مستواهم التعليمي ومنعهم من الوصول إلى مدارسهم وما ينتج عنه من آثار نفسية.

 

وأظهر تقرير صادر عن وكالة الغوث وجود تدن إلى أكثر من النصف في مستوى التحصيل التعليمي للأطفال، مؤكداً أن الإغلاق المستمر والجدار الفاصل والعنف في المناطق المدنية يساهم في استمرار تدني مستوى التعليم وتدني معدلات النجاح في مدارس الوكالة وتراجع القدرة على الإنجاز.

 

وفي الوقت الذي يؤكد فيه المسئولون والمرشدون النفسيون غياب وجود خطة فلسطينية مشتركة تشارك فيها المؤسسات الدولية والمحلية والرسمية لتوحيد الأنشطة والفعاليات في إطار المساعي الرامية للتخفيف من الآثار النفسية والجسدية والتعليمية التي يتعرض لها الأطفال الفلسطينيون، تواصل الطفلة هديل وهدان فرحها وحزنها والأمل يحدوها في إيجاد من يساعدها في التخفيف من أزمتها التي لا تقتصر عليها وحتى لا يتحول جيل كامل إلى جيل مأزوم.