مع تأسيس المنظمة العربية لمناهضة التمييز:
نظرات في العنصرية الصهيونية
مهدي أحمد صدقي الدجاني
خدمة قدس
برس
لا شك أن
تأسيس المنظمة العربية لمناهضة التمييز لبى تطلعا أصيلا لدى أهل
الفكر بل ولدى مختلف أوساط الأمة. فمواجهة جميع أشكال التمييز
الإنساني هو توجه أصيل كان التطلع يزداد إلى تفعيله وإرساء مؤسسات
ذات وزن تجسده. ولا يزال من أهم فروع هذا التوجه مقاومة العنصرية
الصهيونية التي تعتبر بلا منازع رأس حربة التمييز الإنساني المعاصر.
ورغم وجود بعض المؤسسات النشطة في مجال مناهضة التمييز في بقاع
المعمورة إلا أن حجم الجانب التطبيقي لمناهضة التمييز ظل غير متناسب
مع حجم الجانب التنظيري له حيث بقيت فجوات بين الفكرة والتطبيق
احتاجت إلى ملئها يوما بعد يوم.
الحدث إذن
هام، لكن يتصل به سؤال لا يقل أهمية وهو: لو سلمنا باعتبار العنصرية
الصهيونية من أهم أوجه التمييز التي يجب إيلاء اهتمام خاص بها، فما
المقاربة الأدق منهاجا ومضمونا للتعامل معها. فكما قال فقهاؤنا
الفَهَمَة: الحكم على الشيء فرع عن تصوره.
لعلنا في
سبيل الإجابة على هذا التساؤل نبدأ بتحديد الأطر المفهومية المعاصرة
التي يتم خلالها ممارسة العنصرية لنصل إلى تحديد وضعية العنصرية
الصهيونية منها. فالملاحظ أن عالمنا يشهد عددا من الأطر المفهومية
التي تتم ممارسة العنصرية داخلها ويمكن فهمها ضمنها. وأهم هذه الأطر
المفهومية هو إطار الدولة الحديثة وإطار الاحتلال الاغتصابي.
العنصرية داخل إطار الدولة الحديثة
المقصود
بممارسة العنصرية داخل إطار الدولة الحديثة هو الممارسات التمييزية
التي نشأت مع تطبيق فكرة الدولة الحديثة منذ أكثر من قرنين. فقد شكلت
الأسس المفاهيمية التي ارتكزت عليها فكرة الدولة الحديثة ـ في حد
ذاتها ـ قوة دافعة للتمييز العنصري. فمفهوم الدولة الحديثة قام على
فكرة تمييز شعب عن غيره تمييزا مبالغا فيه يتجاوز التنوعات الطبيعية
بين الشعوب تطبيقا لفكرة "الشعب العضوي" التي تجعله يرى نفسه مختلفا
اختلافا نوعيا عن الشعوب الأخرى. بل إن مفهوم الدولة الحديثة قام على
فكرة الهيمنة على قوى الشعب وممارسة التمييز ضد الجماعات العرقية
التي يضمها.
العنصرية داخل إطار الاحتلال الاغتصابي
أما المقصود
بممارسة العنصرية داخل إطار الاحتلال الاغتصابي، فهو الممارسات
التمييزية التي نشأت مع انتشار ظاهرة قيام قوى أجنبية بمحاولة استلاب
شعب آخر. فالأسس الفكرية التي قامت عليها الظاهرة الاحتلالية هي
الأخرى كانت ولادة ـ في حد ذاتها ـ للممارسات العنصرية.
وقد بلغت
الظاهرة الاحتلالية الإحلالية مبلغا من الممارسات العنصرية فاق ما
بلغته الظاهرة الاحتلالية غير الإحلالية رغم أن كلا منهما كان له من
العنصرية نصيب مفروض. فالظاهرة الاحتلالية الإحلالية تقوم أساسا على
مفهوم إحلال شعب محل الشعب صاحب الأرض وإجلاء الشعب صاحب الأرض خارج
وطنه. وبطبيعة الحال، فإن من يتم إجلاؤهم يكونون قد تعرضوا لضربة
عنصرية مكثفة مزلزلة يتحملون توابعها جيلا بعد جيل.
وكذلك من لا
ينجح المحتل المغتصب في إخراجهم من ديارهم يتعرضون لسلسلة لانهائية
من الممارسات العنصرية المستمرة يوما بعد يوم وهم يواجهون التفرقة
اليومية في عقر دارهم.
وقد تعرضت
شعوب عدة في بلدان أمتنا والعالم إلى هذا النوع من العنصرية التي
استوت على سوقها داخل الإطار الاحتلالي الاغتصابي، كما حصل مع شعب
الجزائر الذي عانى من عنصرية الاحتلال الاغتصابي الإحلالي الفرنسي،
وشعب جنوب أفريقيا الذي عانى من عنصرية احتلال الفئات ذات الأصول
الأوروبية، وشعب فلسطين الذي عانى ـ ولا يزال ـ من احتلال القوى
الصهيونية المدعومة من قبل عمقها الأممي.
وكما حصل ـ
من قبل ـ مع السكان الأصليين لكل من أستراليا وأمريكا الشمالية. فقد
واجهت كل تلك الشعوب جميع ألوان طيف العنصرية القائمة على الاحتلال
الاغتصابي، والتي تراوحت ما بين سياسات التفرقة في العمل، وسياسات
الحرمان من الحقوق المدنية، وسياسات الحصار داخل الأسوار والأسلاك
الشائكة، وسياسات الإبعاد الفردي والجماعي، وسياسات القتل والإبادة
الجماعية. الخلاصة أن إطار العنصرية داخل الاحتلال الاغتصابي هو ثاني
أهم الأطر المفهومية الأساسية لفكرة العنصرية في عالم اليوم.
مكانة العنصرية الصهيونية من النموذجين
في ضوء هذين
النموذجين للعنصرية، يبرز التساؤل: إلى أي منهما تنتمي الصهيونية
العنصرية؟ رغم كون الإجابة قاب قوسين أو أدنى من البداهة، إلا أن
الأطوار القانونية التي مر بها الاحتلال الاغتصابي (الإسرائيلي)
أوصلت بعض المراقبين والباحثين إلى التعامل مع العنصرية الصهيونية
باعتبارها "عنصرية داخل إطار الدولة"، أي وفق الإطار المفهومي الأول.
ذلك أن هذه الأطوار كانت أسيرة لما يمكن تسميته بـ "الرؤية القانونية
التلاعبية".
المقصود بذلك
أنه نتيجة لاعتماد رؤية قانونية غير سوية ولاحقوقية، تم شيئا فشيئا
إخراج "الكيان الإسرائيلي" من وصف الاحتلال إلى وصف "الدولة". وقد
فعلت هذه الرؤية القانونية التلاعبية فعلها على مستوى التنظير ومستوى
التطبيق.
فعلى مستوى
التنظير اعتمدت المدرسة الاستلابية الغربية تعريفا للدولة خدم هذا
التلاعب. فقامت بتعريف الدولة على أنها جماع ثلاث عناصر، متى توافرت،
فقد توافرت الدولة، وهي الأرض، والسلطة، والشعب. وتم الترويج لهذا
التعريف حتى تجاوز شيوعه أوساط طلاب العلوم السياسية والقانون، ليشيع
في أوساط العامة ويضحي كالمعلوم من الحياة بالضرورة.
وعلى مستوى
التطبيق سارعت القوى الأممية التي شكلت عمقا للكيان (الإسرائيلي) ومن
بعدها المنظمات والهيئات الأممية، من منطلق التسليم بهذا التعريف
التلاعبي الشائع، إلى صبغ الكيان (الإسرائيلي) بصبغة "الدولة" بشكل
متدرج (وعد بلفور، قرار التقسيم، قرار 242، وما تلا ذلك وتخلله).
يضاف إلى ذلك
أن كثيرا من المتدثرين بدثار الواقعية من الباحثين والمتنفذين داخل
شعب فلسطين نفسه ألفوا أنفسهم يرددون هذا التكييف القانوني للكيان
الصهيوني أو يتعاملون معه على أنه حقيقة أبدية. وهم في ذلك فريقان،
فريق ينظر إلى الممارسات العنصرية الصهيونية داخل أرض فلسطين المحتلة
عام 48 على أنها عنصرية دولة، في حين يكيف الممارسات العنصرية
الواقعة داخل أرض فلسطين المحتلة عام 67 على أنها عنصرية احتلال (دون
توضيح للأساس العقلاني لهذه التفرقة المفهومية).
أما الفريق
الآخر فينظر إلى ممارسات التمييز داخل أرض فلسطين المحتلة عام 67م
أيضا على أنها عنصرية دولة، الأمر الذي يحدو به لأن ينادي بحل الدولة
الواحدة ذات القوميتين. أي أنه يسبغ صفة الدولة على الكيان
(الإسرائيلي) برمته وعلى امتداد أرض فلسطين قاطبة.
لا مراء أن
"الرؤية القانونية التلاعبية" مجروحةٌ علتُها البائسة ومقدوحةُ
غايتها اليائسة إذا ووجهت بما يمكن تسميته بـ "الرؤية القانونية
الحقوقية" التي تفترض مركزية مفهوم الحق وتابعية مفهوم القانون له لا
العكس. فالرؤية الحقوقية سرعان ما يتضح في ضوئها عدم كفاية العناصر
المكونة لمفهوم "الدولة" وفقا للرؤية القانونية التلاعبية.
فالرؤية
القانونية الحقوقية تفترض أن تلك العناصر (أي الأرض والشعب والسلطة)
يجب أن يضاف إليها عنصر رابع وهو عنصر "حق الشعب والسلطة الناشئة عنه
في الأرض". أي أن العناصر المكونة لمفهوم الدولة تصبح (أولا) الأرض
و(ثانيا) الشعب و(ثالثا) السلطة و(رابعا) حق الشعب والسلطة المنبثقة
عنه في الأرض. وبذا تتكامل في التعريف العناصر ذات الصبغة المادية مع
العنصر الرابع ذي الصبغة المعنوية.
كذلك فبمجرد
اعتماد هذه الرؤية الحقوقية، فإن عنصر طول الزمن يصبح غير ذي أثر
قانوني جذري على سلامة التعريف. فوفقا للرؤية الحقوقية، فإن أي
احتلال مهما طال أمده، يظل احتلالا، ويمتنع على الأطراف المعنيين به
التسليم بأي أثر قانوني أبدي له، ويمتنع تحوله من احتلال اغتصابي ـ
بينه وبين الشرعية بعد المشرقين ـ إلى دولة تتمتع بالشرعية الأممية.
بل يظل النظر إلى وضعه على أنه وضع طرأ فانتقص من حيازة الشعب صاحب
الأرض لأرضه، لكنه في نهاية المطاف مؤقت وإلى زوال.
أيضا، فبمجرد
اعتماد هذه الرؤية الحقوقية ينجلي لكل ذي بصر وبصيرة كيف تم التعامل
من قبل القوى الدولية مع القانون على أنه سلاح القوي، وكيف تم إخراج
القانون عن حظيرة الحق فانقطع التماهي بين القانون والحق فيما يتصل
بمفهوم من أهم أسس التنظير والتطبيق القانوني والحقوقي على مستوى
العلاقات الدولية والأممية وهو مفهوم الدولة، التي تعتبر الفاعل
الأساسي في العلاقات الدولية واللبنة الدولية الأساسية.
أهمية التفرقة
في ضوء ما
سبق يبرز التساؤل: ما الأهمية الفكرية والعملية لرصد مكانة العنصرية
الصهيونية من الإطارين المفهوميين المذكورين، أي إطار عنصرية الدولة
وإطار عنصرية الاحتلال؟ الحق أن أهمية تكييف العنصرية الصهيونية تكمن
في المخاطر التي لا حصر لعددها ولا تصور لضررها على قضية فلسطين ماضٍ
وحاضرٍ ومستقبلٍ والتي ينجبها الخلط بين الإطارين ويؤدي إليها فهم
العنصرية الصهيونية على أنها عنصرية دولة.
أهم تلك
المخاطر مخاطرة "تكريس الاحتلال". فقبول تكييف العنصرية الصهيونية
(الإسرائيلية) على أنها عنصرية دولة أو حتى مجرد التعامل معها على
أنها كذلك لا يقل عن كونه اعتراف طوعي بقانونية استلاب التجمع
الصهيوني لفلسطين. وشيئا فشيئا، ونظرا لشيوع الظن بالتماهي بين
القانون والحق سيستحيل هذا الاعتراف بقانونية استلاب الصهاينة
لفلسطين إلى إقرار بحقوقية هذا الاستلاب.
من ثم ستنشأ
أجيال تسلم ابتداء بذلك الاستلاب ولا تناقش فساد الأساس الذي قام
عليه. وبالطبع، فسيؤدي هذا الأمر إلى منح المغتصب الصهيوني الصك الذي
ما انفك يسعى جاهدا لتحصيله وهو "صك الشرعية". كذلك فإن تكييف
العنصرية الصهيونية على أنها عنصرية دولة سيؤدي إلى الاقتصار على
الاهتمام بفضح الممارسات العنصرية التي تتصل بقضايا كقضية الحقوق
المدنية، وحقوق الانتخاب، وحقوق المواطنة، مع الالتفات عن أكثر أوجه
الممارسات العنصرية مركزية وهو "الاحتلال الاغتصابي".
أخيرا، فإن
تكييف العنصرية الصهيونية (الإسرائيلية) على أنها عنصرية دولة سيؤدي
إلى تغييب "فريضة التحرير" وغرس الزهد فيها. وهذا ما لوحظ من انصراف
عدد من أعضاء القيادة الفلسطينية عن خيار التحرير والمناداة بخيارات
أثبت مسار القضية عدم إمكان تحققها كخيار الدولة ذات القوميتين أو
خيار الدولتين المتجاروتين.
والملاحظ أن
هذين الخيارين يقفان على أرضية مفهومية تنظر إلى العنصرية الصهيونية
على أنها عنصرية دولة لا عنصرية احتلال سواء كليا، كما هو الحال
بالنسبة للخيار الأول، أو جزئيا كما هو الحال بالنسبة للخيار الثاني.
إن تأسيس
المنظمة العربية لمناهضة التمييز يشكل جزءا من حالة نفسية عامة بدأت
تعم الأمة منذ عدة عقود، وهي حالة اعتبار المرحلة الراهنة مرحلة
التحول إلى الفعل والمبادرة والعمل الإيجابي، بعد فترات طويلة من
اعتماد منهجية رد الفعل.
ولعله من
المهم أن يقترن بهذا الأمر اعتبار المرحلة الراهنة "مرحلة لمراجعات
المفاهيم الكبرى" التي تحكم إدراكات هذه الأمة فيما يتصل بأوجه هذا
الصراع لتأسيس انطلاقات جديدة تستثمر تضحيات الأمة وإنجازاتها
العظام.
|