معاداة السامية (1-2) و(2-2)
أبو بكر
الحسن
صحيفة
الوطن القطرية 19-20/10/2004
الإعلان عن
قانون أميركي جديد يحصي الأعمال المعادية للسامية حول العالم تمهيداً
لتوجيه الرد الواجب على هذه الأعمال هو بمثابة «فيتو» أميركي مفتوح
لليهود حول العالم يمكنهم من تحقيق طموحاتهم في إقامة دولة بحدودها
«التوراتية» المعروفة.
ويجيء هذا
القانون ليعضد مصادقة الكونغرس الأميركي في مايو الماضي على خطاب
الضمانات الممنوح لأرييل شارون وشمل إسقاط حق العودة بالنسبة للاجئين
الفلسطينيين والذي اعتبر في حينه خطوة لا تقل خطراً عن وعد «بلفور»
وتكريساً لواقع جديد على صعيد القضية الفلسطينية.
والفرق
الوحيد بين قانون «حماية اليهود» وخطاب الضمانات الذي شكل تحدياً
سافراً للمواثيق الدولية في حق اللاجئين للعودة إلى أراضيهم هو أن
القانون الجديد أكثر شمولية ويشكل مظلة تحمي اليهود في كل أنحاء
العالم، وربما يكون القانون موجهاً لاختراق وحدة الصف الأوروبي التي
شكلت عقبة أساسية أمام تحرك "إسرائيل" السياسي في القارة الأوروبية
وآخرها دعم الكتلة الأوروبية لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة
الذي أدان بناء جدار الفصل في الضفة الغربية واعتبرته "إسرائيل"
خيانة.
يضاف إلى ذلك
البيان شديد اللهجة الصادر عن القمة الأوروبية المنعقدة في بروكسل
يونيو الماضي والذي دعا "إسرائيل" إلى احترام التزاماتها تجاه
المواثيق الدولية ووقف هدم البيوت وتفكيك المستوطنات والجدار، كما
جاء في البيان الأوروبي رفض تغيير الحدود بالقوة ونص على «لن يعترف
بأي تغيير في حدود عام 1967م تختلف عن تلك التي يتم التوصل إليها عبر
الاتفاق بين الأطراف المعنية».
وسبق
لـ"إسرائيل" أن واجهت أزمة دبلوماسية مع فرنسا إثر دعوة شارون يهود
فرنسا للهجرة إلى "إسرائيل" واعتبار باريس الأمر وكأنه تدخل في
شؤونها الداخلية وعليه وضعت شارون على لائحة الأشخاص غير المرغوب
فيهم في فرنسا.
واختيار بوش
ولاية فلوريدا التي تضم ثالث أكبر جالية يهودية في العالم بعد
"إسرائيل" ومدينة نيويورك للإعلان عن قانون حماية اليهود لم يأت
مصادفة وإنما قصد توظيفه في الدعاية للانتخابات الرئاسية باعتبار أن
الصوت اليهودي مؤثر جداً في انتخابات الرئاسة الأميركية رغم أن
الولايات المتحدة تتحد في كل ما يتصل بأمن "إسرائيل" وسلامتها ولا
مجال للمزايدة في هذا الأمر.
ومفهوم
السامية في الفكر الإسرائيلي يعتمد على الروابط السياسية والثقافية
والجغرافية أكثر من اعتماده على صلات القرابة والروابط الشعبية وبحسب
الباحث الأكاديمي د. رفيق حسن الحليمي فإن مفهوم «السامية» تعرض إلى
تسييس لخدمة أهداف اليهود والواقع يكذب ادعاءهم حيث أن الكثير من
اليهود اليوم ليسوا ساميين من حيث أصلهم العرقي وذلك باعتراف اليهود
أنفسهم بأن 82% من المنضمين إلى الحركة الصهيونية هم أشكنازيون أي
يهود غير ساميين ليست لهم علاقة عرقية تاريخية بفلسطين.
وكشف الباحث
في دراسة له بعنوان «السامية ومعاداتها في الفكر الإسرائيلي» أن
اليهود اليوم يشكلون خليطاً مركباً ومزيجاً معقداً شاركت فيه مختلف
الأجناس البشرية في العالم بسبب الانتماء الديني الضيق وهي الرابطة
الجامعة فيما بينهم، وليس رابطة الأعراق والأنساب ولحمة الدم. وتوصل
الباحث إلى إسقاط صفة «السامية» عن اليهود لأن أكثرهم في حقيقة الأمر
ليسوا ساميين ولا يمتون إلى السامية بأوهى صلة.
ربط الرئيس
الأميركي جورج بوش بين صدور قانون لحماية اليهود وبين الحرب على
الإرهاب وذلك بتصريحه أمام حشد من مؤيديه المتحمسين في ولاية فلوريدا
«الدفاع عن الحرية يعني أيضاً مهاجمة الشر الذي تجسده معاداة
السامية».
والقانون
الأميركي الجديد اقترحه الديمقراطي «توم لانتوس» الناجي الوحيد من
«محرقة اليهود» في الكونغرس الأميركي، تلك المحرقة التي فند مزاعمها
عشرات المفكرين والمثقفين ورجال السياسة في الغرب ومنهم المفكر
المسلم روجيه جارودي من خلال كتابه «الأساطير المؤسسة لدولة
"إسرائيل"» وعلى رأسها أسطورة المحرقة وبسبب الكتاب حوكم «جارودي» في
فرنسا بتهمة معاداة السامية.
وقبل ذلك
أصدر فريد لوشتر في عام 1988م تقريراً علمياً وميدانياً حول معسكرات
الإعدام النازية لليهود بين عامي 1941م و1944م وأكد بالدليل القاطع
أن جميع معسكرات النازي إذا عملت بكامل طاقتها فإن إجمالي ضحاياها لن
يتجاوز مئات الآلاف ولن يصل على الإطلاق إلى الرقم الذي يزعمه اليهود
وهو 3 ملايين ضحية.
وبعيدا عن
أسطورة المحرقة تجسدت أسطورة جديدة وهي «معاداة السامية» التي أوردنا
تفنيداً لها من دراسة قيمة للباحث الفلسطيني د. رفيق حسن الحليمي
والذي أثبت خلالها أن حصر السامية وتعني في أصلها اللغوي المتحدرون
من الأب السامي سام بن نوح في شعب بعينه هو تحريف للتوراة خدمة
لمصالح اليهود، حيث تم اقحام «الليديين» و«العيلاميين» في الساميين
مع أنهما من الناحية السلالية أخبيان عن الشعوب السامية كما عدوا
«الفينيقيين» سكان لبنان من الشعوب الحامية نسبة إلى حام بن نوح مع
أن الفينيقيين من أخلص الساميين نسباً وأقربهم رحماً من العبريين
أنفسهم حسب الدراسة.
وعضد المؤرخ
"إسرائيل شاحاك" دراسة د. الحليمي في كتابه «الديانة اليهودية
وموقفها من غير اليهود» وفضح خلاله عنصرية "إسرائيل".
وفند «شاحاك»
كل أساطير التوراة والتلمود التي يرى أنها مؤلفة بأيدي أحبار اليهود
في العصور اللاحقة وشكلت فيما بعد وجدان المتعصبين اليهود وأشاعت
فكرة الأغيار بمعنى أن كل البشر أغيار وليسوا يهوداً.
وما يثبت
تحريف اليهود للحقائق التاريخية خدمة لأغراضهم نكران صلات القرابة
التي تربطهم بالعرب والآشوريين المتحدرين من سام بن نوح، ولنفس
الأغراض الدنيئة حاول اليهود إيجاد منفذ يربطهم بالحضارة الفرعونية
من خلال كتاب «أسرار النزوح.. الأصل المصري للعبرانيين» والذي صدر في
باريس في عام 2001 ويعد بكل المقاييس تحريفاً متعمداً لثوابت التاريخ
حيث سعى مؤلف كتاب «أسرار النزوح» إلى إثبات تشابه مزعوم بين
الأبجدية الهيروغليفية والأبجدية العبرية وزعموا أن «أخناتون»
الفرعون المصري هو اسم معدل للنبي «إبراهيم» وأن زوجتيه «نفرتيتي»
و«كييا» هما «سارة» و«هاجر» كما أن رمسيس الأول هو النبي موسى
والفرعون «أبي» هو النبي يوسف، وأن الملك الفرعوني «توت عنخ آمون» هو
شقيق سيدنا موسى هارون عليه السلام.
مهما يكن من
أمر فإن عالم اليوم أصبح فضاؤه رحباً لليهود وأضيق من «خرم» إبرة
لغير اليهود «الأغيار» الذين يتوجب عليهم التعايش مع كل أشكال
العنصرية والتمييز، العرقي من تاريخ صدور قانون «حماية اليهود»
فصاعداً.
|