الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

مؤتمر النفاق والعداء للعرب

علي عقلة عرسان

صحيفة الوطن العمانية 1/5/2004

 

الكيان الصهيوني ليس فقط فوق القانون وإنما فوق النقد، أي نقد من أي نوع يوجه لممارساته العنصرية، ولإرهاب الدولة الذي يمارسه، ولأسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها ويطورها ويهدد العرب والمسلمين بها ويحاسبهم من خلال حلفائه على مجرد التفكير بإمكانية استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية؟!

 

ولم يعد هذا الكيان البغيض الذي يسمم الحياة السياسية وفق تعبير الأخضر الإبراهيمي، لم يعد يكتفي باطمئنان تام إلى حماية دولية شاملة ومطلقة على كل مستوى وصعيد توفرها له الولايات المتحدة الأميركية، بل أخذ يطالب بأطواق من الحماية الشعبية والمؤسساتية: المنظمات غير الحكومية والإعلامية والتربوية تتوفر له، بعد جدران القوة والعزل العنصري، وبأن يساهم في إقامتها العالم كي يستمر هو بالعدوان والتوسع والتدمير، ووضع نفسه فوق القانون والنقد والمساءلة والمعايير والناس والقيم الإنسانية؟!

 

وهاهي خمس وخمسون دولة و220 منظمة غير حكومية تضع نفسها في خدمة العنصرية اليهودية البغيضة في مؤتمر منظمة الأمن والتعاون في أوروبا الذي عقد في برلين يومي 28 و 29 أبريل 2004 ليناقش جدول أعمال يتناول: مكافحة العداء للسامية, وتشجيع التسامح, ودور التعليم, ودور وسائل الإعلام مع شبكة الإنترنت.. وقد افتتحه الرئيس الألماني (يوهانس راو) وحضره وزراء خارجية على رأسهم كولن باول وممثلون عن دول عربية وإسلامية تحت عنوان: الوقوف ضد معاداة السامية..؟!

 

ومن المفيد أن نذكر بأن موضوع هذا المؤتمر هو ثمرة من ثمرات المؤتمر اليهودي العالمي الذي عقد في القدس بعد مذبحة جنين ومخيمها وطالب فيه شارون بأن ينظَر إلى كل نقد لإسرائيل على أنه عداء لليهود ومن ثم عداء للسامية. وقد عجل في عقد هذا المؤتمر الغريب أو الفريد المؤتمر الذي عقده الاتحاد الأوروبي والمؤتمر اليهودي العالمي، الذي جاء بعد تحول الرأي العالم الأوروبي في نظرته للصراع في فلسطين، ونتيجة أيضاً للمؤتمر اليهودي الأوروبي الذي عقد في بروكسل في 19/2/2004 وقال رئيسه الصهيوني كوبي بيناتوف آنذاك: ما من شك في أن العداء لليهود يتزايد. الوحش القذر ظهر من جديد. نرى اليوم التاريخ يعيد نفسه. فتاريخ أوروبا هو عبارة عن سلسلة متصلة من الاضطهاد لليهود؟.. مؤكِّداً أن هذا سرطان أوروبا العتيـقة ولا يمكننا أن نتركه ينمو في أوروبا الجديدة التي نسعى إلى تأسيسها.

 

لقد خلص المؤتمرون في برلين إلى بيان وخطة عمل، وفي بيانهم ذاك قرنوا العداء للسامية بالعداء للديموقراطية؟ ومن عجب أن الإرهابي شارون زعيم الدولة الديموقراطية الصهيونية التي تقوم على العدوان والاحتلال والقرصنة والإرهاب - وتلك مقومات أميركية مستجدة للديموقراطية وصفات مؤثلة لمن يقوم بها - قرن ممارساته العنصرية الفظيعة ضد الشعب الفلسطيني بمحاربة الإرهاب على الطريقة الأميركية: أي بترسيخ الاحتلال والقهر والقتل تحت شعار الديموقراطية والحرية والتحرير وحقوق الإنسان!؟ وتلك معطيات أو وقائع مستجدة ينبغي أن يأخذها الناس بالاعتبار عند التفكير بأي حلول لأنها مثل الوضع السكاني المستجد في فلسطين الذي أقامته مساعدات الرئيس بوش لشارون وكيانه العنصري في الضفة الغربية وغزة بقوة المال والسلاح على الرغم من أن وقائع ذلك كُتبت بدم الأبرياء في فلسطين والعراق .. في غزة والفلوجة.. ثم أصبح أمراً واقعاً لا بد من مراعاته عن البحث عي أي حل؟!

 

عالم يعج بالعجائب التي تخرج من طاقية الحاويين العجائبيين شارون وبوش، ومن منطق غربي رسمي يعارض المنطق الغربي الشعبي ويقول بأن أي نقد لإسرائيل وممارساتها هو نوع من العداء للسامية؟ وأن أي تشكيك بالمحرقة أو أي مراجعة لوقائعها ولأرقام الذين ذهبوا ضحيتها هو نوع من العداء للسامية أيضاً يعاقب عليه القانون؟! حتى البحث العلمي في هذا المجال يحاسب عليه القانون.. أما التجسس والافتراء ونثر أحشاء الوطن العربي وتشويه نضاله وعقيدته وهوية أبنائه فذاك فعل مقدس ويحمى كل من يقوم به من القانون؟!.

 

هذا هو منطق الحرية والموضوعية والبحث العلمي والمراجعات التاريخية الرصينة الأمينة المطلوبة علمياً لوقائع ووثائق وتأريخ قُدِّم للناس على نحو ما وثبَّت في أذهانهم أكاذيب وأساطير يقوم على أساسها الأميركيون بالاحتلال والنهب والاستعمار واليهود بابتزاز العالم وتخويفه وباضطهاد العرب والمسلمين وتشويه صورتهم ونضالهم ومقاومتهم المشروعة؟!

 

وحين يذهب أوروبيون وأميركيون إلى هذا النوع من التفكير والتقرير والتوجه ويقرنون العداء للسامية بالديموقراطية ويتجاهلون معاناة الشعب الفلسطيني وآلامه وآماله ونضاله المستمر من أجل الحرية فإن المرء يتساءل: هل أصبح العالم يهودياً ومشوش التفكير والضمير والمعيار والتدبير إلى هذا الحد المغرق في البؤس؟!

 

قال الرئيس الألماني يوهانس راو الذي استضافت بلاده المؤتمر في برلين: أناشد باستمرار كل منتقدي سياسة "إسرائيل" بأن يفكروا أيضاً بوضعها الخاص, ذلك أن الناس يعيشون منذ تأسيس دولتهم في خطر على مصيرهم...إن انتقاد "إسرائيل" يتضمن أحياناً مشاعر عميقة من الكراهية لليهود. ومن عجب أن يتغاضى الرئيس الألماني عن الوضع الخاص لشعب بأكمله يعيش أقصى درجات الخطر والمحنة هو الشعب الفلسطيني الذي يتعرض منذ أكثر من سبعة وخمسين عاماً للتشريد والقتل والإبادة وتدمير مقومات الإرادة والحياة لديه، بسبب العدوان والاحتلال والإرهاب الصهيوني الفظيع الذي يمارسه الناس الذين يعيشون خطراً على مصيرهم كما قال؟! وهم يحتلون فلسطين وأراضي دول عربية أخرى منذ عام 1967 ولا تحترم دولتهم قانوناً ولا قراراً دولياً ولا قيمة خلقية أو إنسانية، بل تزدري الأخلاق والمنظمات الإنسانية والإرادة العامة لهيئة دولية هي الأمم المتحدة.. وتمنع لجنة دولية من دخول مخيم جنين لتقصي الحقائق؟! ترى ألا يعرف الرئيس الألماني ووزراء الخارجية من خمس وخمسين دولة في مؤتمر برلين الوضع الحقيقي للفلسطينيين وللكيان الصهيوني؟! بلى إن ذلك معروف ولكنه يقرأ من زاوية أخرى هي زاوية العداء للعرب وعدم الاكتراث بهم لضعفهم وتفرقهم وهزال موقفهم؟! ومن زاوية النفاق لليهود والتماهي مع عدوانهم وعنصريتهم البغيضة. والسؤال: هل ما زال الرئيس يعيش تحت تأثير العقدة النفسية الألمانية التي خلقها اليهود للألمان؟ وإلى متى يستمر ذلك؟ وما هو ثمن الشفاء منه والعودة إلى الصحة النفسية والرؤية العادلة والسليمة والشجاعة للأمور؟! وإذا كان التعاطف مع اليهود مستمراً بعد أكثر من نصف قرن بعد المحنة فلماذا يكون على العرب أن يدفعوا ثمنه وثمن جرائم هتلر وأوروبا بحق اليهود.. هذا إذا كانت كل تلك الجرائم بوقائعها وأرقامها ونتائجها صحيحة كما يحب ساسة الغرب وإعلاميوه أن يؤكدوا؟! إن دعوة إلى الفحص والتمحيص والتدقيق مطلوبة حتى يقوم العالم على قدمين ولو هزيلتين من العدالة والمنطق والموضوعية؟ لماذا يتم يا ترى نسيان خمسين مليوناً من البشر هم ضحايا الحرب العالمية الثانية ويُزالون من الذاكرة البشرية ليبقى فيها الضحايا اليهود فوق النسيان والشك والبحث والتمحيص والتدقيق، ويشكلون أسطورة المحرقة وأدوات ابتزاز للغرب وللبشرية كلها؟!

 

نحن لسنا مع معاداة السامية، تلك الوصمة ذات المنشأ الأوروبي والصهيوني أيضاً، ولسنا مع تجدّدها.. ونريد لليهود أن يعيشوا بأمان واستقرار في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية وفي أي مكان مع الآخرين ومثلهم.. من دون عجرفة وتعال فارغ بل تافه .. ومن دون عنجهية وادعاءات سخيفة بأنهم شعب مختار وأخلاقيون وفوق الآخرين ويعانون من الاضطهاد.. لأن الحقائق عندنا تشير إلى أن معظمهم، وليس فعنونو كما قال أحد كبار مثقفيهم عنه، حثالة البشرية، فهم خارجون على القانون يضطهدون الفلسطينيين على مدى عقود من الزمن في ظل دعم غربي مريب وعجيب وغريب لا يفسره سوى وجود تحالف صليبي يهودي دنس ضد العرب والمسلمين؟! وهذا ما لا نريده أن يكون وليس لنا مصلحة في أن يكون على الرغم من توفر قرائن ووقائع على وجوده في عقول اليمين الأميركي المتطرف والصهيوني بشكل مطلق، وتظهر نتائجه المباشرة كل يوم في فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها من الأماكن.

 

ونحن نسأل: لماذا يكون الساميون الأصلاء.. أي العرب أبناء إسماعيل هم الذين يدفعون ثمن ما وقع من عداء لساميين؟! على يدي أقوام غير سامية وفي بلدان ليست عربية ولا إسلامية.. ثم يحوَّل العداء للسامية على أيدي أولئك الساميين ومضطهديهم إلى عداء نحو العرب الساميين الأصليين الذين يقاومون الاحتلال الصهيوني اليهودي السامي لبلدانهم؟ ولماذا تغيب عن مؤتمر بهذا الحجم، مؤتمر برلين، حقيقة المشكلة التي يعاني منها السلم العالمي وهي قضية الشعب الفلسطيني وعداء اليهود واليمين المسيحي المتطرف في الولايات المتحدة الأميركية لهذا الشعب وللعروبة والإسلام؟

 

إن مؤتمر برلين يصبح محط الأنظار وموضع الاحترام إذا وفّر عودة آمنة وسريعة ومطمئنة لليهود الذين غزوا فلسطين وشردوا أهلها وما زالوا يعيثون فساداً فيها ويشكلون التهديد الأول للأمن والسلام الدوليين حسب استطلاع الرأي الذي أجراه الاتحاد الأوروبي ذاته.. وحين يتوجه نحو العدل والعقل وينهي محنة الشعب الفلسطيني، وإلا فهو مؤتمر النفاق ما في ذلك شك، ومؤتمر الانحياز الأشمل ضد العرب عامة والفلسطينيين خاصة، لا سيما وأنه دعا إلى: الاتفاق على وسائل وأدوات لمكافحة العداء للسامية في أوروبا وإلى أن النضال ضد العداء للسامية هو نضال من أجل الديموقراطية. ورفض فيه صاحب تلك الدعوة الوزير (توشكا فيشر) مجرد توجيه سؤال صحفي حول عدم مشروعية توجيه النقد لإسرائيل قائلاً للسائل بفجاجة لم أفهم سؤالك.. هل تريد نقداً لإسرائيل؟؟ كأنما هي جريمة كبرى أن يوجه مثل هذا السؤال، أو أن يوجه نقد لإسرائيل ولشارون نبي الكذب والجريمة والإرهاب الذي يرفعه شريكه الرئيس بوش إلى مرتبة رجل السلام والشخص الذي ينبغي أن .. يشكره العالم على مبادراته الطيبة بقتل الفلسطينيين بعد سرقة أرضهم والقضاء على آمالهم وطموحاتهم المشروعة بعودة إلى وطنهم صانها القرار 194 ودولة مستقلة فوق أرضه ثبتها الأمم كلها وتعارضها الصهيونية وحلفاؤها؟! ولكن المؤتمر، وفق توجهاته وبيانه وبرنامجه أو خطته للتنفيذ وحضوره الذين يرشح منهم الانحياز والعداء، يشير إلى أنه مؤتمر الإفلاس الروحي، والمعايير المزدوجة، والعداء للعرب، والمناصرة المطلقة للعنصرية والجريمة والإرهاب واغتصاب حق الشعوب، وانتهاك القوانين الدولية، واحتقار المؤسسات التي ترعى حقوق الأمم والدول. وتلك مأساة عصرية كبيرة.

 

لقد تفضل علينا رئيس المجلس المركزي لليهود في ألمانيا (باول شبيغل) بالقول إن كل انتقاد لإسرائيل مغلف بالعداء للسامية ولو كان خارجاً من أفواه مثقفين مرفوض مثل الكلام المحرّض الصادر عن اليمين المتطرف أو عن الإسلاميين العنفيين المحرّضين.

 

ودعا الكاتب اليهودي (ايلي فيزل) الذي أُنقذ من معسكرات الاعتقال النازية والحائز على جائزة نوبل للسلام إلى أن يقر المؤتمر بياناً ضد العداء لليهود والسامية يقرأ في المدارس مرة كل سنة وإلى سن قوانين تحرّمه وتعاقب في شدة عليه ولكن ماذا عن عداء اليهود للعرب وقتلهم واعتقالهم يا سيد فيزل؟ أم أنهم وبقية العرب والمسلمين بنظرك ونظر زميلك في العنصرية "إسرائيل سينغر" غير متعصرنين ولا يزالون متأخرين ويعيشون حياة عنف حيث يقابلون بلحمهم ودمهم الطائرات والدبابات والصواريخ وقوى الاحتلال الإسرائيلية والأميركية؟!.

 

مجرمون وإرهابيون ومحنطون في أساطير تعود إلى ما قبل العقل والتاريخ والعلم ومع ذلك يتعالون ويريدون أن يفرضوا على العالم رؤاهم وآراءهم المتهافتة، ويتهمون الآخرين بالتخلف وممارسة العنف وقد تجاوزت جرائمهم كل حد وكل وصف؟! فأي عالم جبان ومتواطئ نعيش فيه؟ وهل تصل القذارة الصهيونية إلى سد كل منافذ العقل والحياة والعلم والعمل والضمير والسلوك؟ إن هذا فظيع ومريع في آن معاً.. ويقرع الأجراس لمن لا يريدون أن يفوتهم قطار التاريخ بشكل نهائي؟

 

وتلك معادلة سقيمة صنعها شارون والحاخامات في القدس عام 2003 في المؤتمر اليهودي الذي عقد هناك.. ثم أصبحت معادلة أوروبية وستصبح عالمية؟: من يعادي "إسرائيل" وينتقدها يعادي اليهود وينتقدهم وهو معاد للسامية.. ومن ينتقد اليهود يعاديهم.. ومن ينتقدهم ويعاديهم ينتقد الرب ويعاديه؟ أي عقول مخيفة تلك التي يصل ضلالها إلى الناس والتربية والقوانين والقرارات والسلاح؟ إن هذا أشد خطراً على البشرية بكثير من أسلحة الدمار الشامل لأن هذا النوع من التفكير يجر إلى دمار العالم بكل أنواع الأسلحة وإلى اختراع أسلحة لدمار كل ما في العالم.

 

لمَ لا يضع اليهود الذين يدعون أنهم لا يعادون الناس ويريدون من الناس ألا يعادوهم.. لمَ لا يضعون حداً للإرهاب الصهيوني المستمر منذ عقود ضد الشعب الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال والمحتجز في معتقلات أسوأ من معتقلات أوشفيتز وبوخنفالد؟ وإذا كانوا لا يناصرون شارون، كما ادعى بعضهم، فلماذا أصبح خطاب شارون وطلبه أمام المؤتمر الصهيوني في القدس عام 2003 هو محور عمل المؤتمر في برلين ومحور اهتمام الدول الأوروبية والجاليات اليهودية؟ ولماذا لا يتردد الرئيس الأميركي في إلغاء حق شعب وقوانين دولية إرضاء لهذا الإرهابي المجرم الملطخ بدم الأبرياء الفلسطينيين؟

 

أي منطق في مؤتمر لا يرى الإجرام الصهيوني والألم الفلسطيني ويغمض عينيه عن الإرهاب الفظيع ويتهم المقاومة المشروعة ضد الاحتلال بأنها إرهاب؟

 

أي منطق وأي حضارية وأي قيم وراء هذا النوع من الأشخاص والمؤتمرات والدول يا ترى؟

 

* الأمين العام لاتحاد الأدباء والكتاب العرب