"إسرائيل" والنازيّة.. مفارقة غريبة
جيم براون*
صحيفة
الخليج الإماراتية 6/11/2004
أدلى جوزيف
لابيد، وزير العدل "الإسرائيلي" ببعض التعليقات المعبّرة. وكان قد
انتقد بشدّة تدمير حكومته المنازل الفلسطينية في غزة، ولكنه حين شاهد
على شاشة التلفزيون "الإسرائيلي" عجوزاً فلسطينية تحبو على يديها
وركبتيها باحثة بين الأنقاض عن أدويتها، تذكّر والدته التي كان قد
قتلها النازيون في المحرقة اليهودية. وقال: "نبدو مثل الوحوش في نظر
العالم".
وقد أثار
عاصفة ساخنة من الانتقاد في "إسرائيل" بطبيعة الحال، ولكنه لم يكن
أول من فتح هذا الموضوع الحساس على نحو ظاهر، ومن أعظم المفارقات في
القرن العشرين، والقرن الحادي والعشرين الآن، أن ضحايا أفظع إبادة
جماعية في التاريخ، ماضون منذ سنوات في تنفيذ سياسات مماثلة ضدّ
الفلسطينيين. ومن الصعب أن يكون "الإسرائيليون" نازيين، ولكن بالنسبة
إلى الفلسطينيين ومعظم بقية العالم، فإن أوجه الشبه بين
"الإسرائيليين" والنازيين مذهلة.
ولنتأمل بعض الممارسات:
العقاب
الجماعي: محظور بموجب معاهدة لاهاي الرابعة (1907) واتفاقية جنيف
الرابعة (1949) ولكنه علامة تجارية مميزة للرايخ الثالث و"إسرائيل".
جيتو وارسو:
في سنة 1940 حشر النازيون اليهود مثل قطعان الماشية في جزء صغير من
العاصمة البولندية المحتلة، حيث ظلّوا تحت ظروف مهولة حتى سنة 1943
عندما جرى تدمير الجيتو مما أودى بحياة ألوف اليهود. والظروف التي
حشرت فيها "إسرائيل" الفلسطينيين في المناطق المحتلة، وبخاصة في غزة،
هي في واقع الأمر حارات مغلقة مفروضة.
القيود
الصارمة على حرية الحركة: التفتيش والتدقيق المستمر على بطاقات
الهوية، والمضايقات والإذلال عند حواجز الطرق.
تجاهل
الاتفاقيات الدولية: سجلّ ألمانية النازية معروف جيداً، وكذلك سجلّ
"إسرائيل" التي ضربت عرض الحائط بما لا يُعدّ ولا يُحصى من قرارات
الأمم المتحدة.
دولة قائمة
على الحصرية: في حالة النازية، تقوم الدولة على تفوّق "آريّ" موهوم؛
وفي حالة "إسرائيل"، على الحصرية الدينية.
العنف
العشوائي: استخدم من قبل النازيين في السنوات الأول من أجل "تحريض"
اليهود على مغادرة ألمانيا. واستخدمه "الإسرائيليون" للغرض ذاته..
ومارسوه من خلال هدم الألوف من منازل الفلسطينيين، بقذائف الدبابات،
والصواريخ، والجرافات.
العمل
الاجباري: مثلما كانت ألمانيا النازية تعامل الشعوب المغلوبة، كذلك
تفعل "إسرائيل".
اعتبار
الأعداء دون مرتبة البشر: موقف ألمانيا النازية من اليهود (وغيرهم)،
وموقف العديد من "الإسرائيليين"، لا جميعهم بالتأكيد، إزاء
الفلسطينيين (جنادب، وصراصير).
بالنسبة إلى
النازيين، اعتقاد أعمى ب "قَدَرٍ" آري شمالي نابع من فولكلور العصور
الوسطى؛ وبالنسبة إلى "الإسرائيليين" أو المستوطنين ومؤيديهم على
الأقل، اعتقاد أعمى بأن إلههُمْ قد حباهم ملكية دائمة لأرضهم منذ
العصر البرونزي.
سياسة حكومية
واعية لجعل الحياة تعيسة إلى درجة تدفع إلى الرحيل "الطوعي": مرة
أخرى، قبل صياغة ال "حلّ النهائي" سنة 1942، كانت السياسة النازية
تتمثل في جعل الحياة جحيماً بالنسبة إلى اليهود في ألمانيا، لكي
يرحلوا. وقد فعل ذلك كثيرون، ولكنّ عددهم لم يكن ليرضي هتلر. وقد ذكر
مسؤولون "إسرائيليون" كثيرون أن هذه هي سياستهم إزاء الفلسطينيين،
ومن ذلك تدمير حقول الزيتون، وتسميم الآبار، ومنع الفلسطينيين المرضى
من الوصول إلى المستشفيات.
تجري الآن
علناً مناقشة حل نهائي "ليّن" من قبل اليمينيين في الحكومة
"الإسرائيلية". وسوف يتضمّن هذا ما يسمّى "ترحيل أو ترانسفير"
الفلسطينيين جميعهم من الضفة الغربية. وسوف يكون "ليّناً" لأن مصير
الفلسطينيين لن يكون إلى الأفران؛ بل سيكون فقط إلى "أي مكان ما عدا
المناطق "الإسرائيلية""، ولذلك سيظلون أحياء تماماً، لاحظوا وافهموا.
من الواضح أن
"الإسرائيليين" ليسوا نازيين. فالنازيون كانوا يريدون إبادة اليهود
على الصعيد الجسدي المادي؛ ولكن "الإسرائيليين" يريدون فقط أن يغادر
الفلسطينيون وطنهم التاريخي ويذهبوا إلى مكان آخر. وقد حشر النازيون
الناس في حظائر المواشي وحرقوهم أحياءً؛ أما "الإسرائيليون" فإنهم
"فقط" يطلقون قذائف الدبابات على حشود الجماهير. حلّ "قاسٍ"
بالمقارنة مع حلّ "لين".
آه، ولكنكم
تقولون إن الفلسطينيين يفجّرون "الإسرائيليين". إنهم يفعلون بطبيعة
الحال، ولكنْ، حتى أيهود باراك، رئيس الوزراء "الإسرائيلي" السابق،
قال إنه كان سيصبح مقاتلاً في صفوف المقاومة لو كان فلسطينياً.
وما هي
الحكومة الوحيدة والدولة الوحيدة التي تساند ذلك؟ لا بد أنكم
خمّنْتموها. ولكنّنا نحصل على شيء ما في المقابل؛ وعلى سبيل المثال،
ذُكر أن هناك "مستشارين" عسكريين "إسرائيليين" يساعدون جيشنا في
العراق. ذلك فريق جماعي الولايات المتحدة و"إسرائيل" الذي كسب احتقار
معظم سكان المعمورة.
*
رئيس دائرة العلوم السياسية في جامعة واشنطن
المركزية، وأستاذ فيها. والنص من "بالستاين كرونيكل"
|