موجة تجنيد
الأطفال الفلسطينيين
د. عبدالستار قاسم
صحيفة الخليج الإماراتية 6/4/2..4
تتوالى الأخبار حول نجاح القوات الصهيونية في
تتبع الراغبين في القيام بعمليات استشهادية ضد أهداف صهيونية والقبض
عليهم قبل التنفيذ. وتركز وسائل إعلام كثيرة، عربية وغير عربية، على
طفولة هؤلاء الراغبين الذين يبلغون الخامسة عشرة والرابعة عشرة
تقريباً. أسهبت وسائل الإعلام بخاصة الغربية منها في نشر صور هؤلاء
الأطفال متعمدة تشويه صورة الفلسطينيين بخاصة فصائل المقاومة المتهمة
بتجنيد الأطفال ودفعهم نحو القيام بعمليات استشهادية قبل أن يكونوا
قد نضجوا ليقرروا لأنفسهم بأنفسهم.
وقد رددت وسائل إعلام كثيرة بقيادة الإعلام
الصهيوني مقولة وحشية شعب فلسطين وهمجيته لأنه يرسل أطفاله للموت
بهدف قتل أبرياء آمنين. وقد تردد بأن هؤلاء الفلسطينيين لا يستحقون
التعاطف لأنه لا توجد لهم أكباد تحرص على أبنائهم وتعلمهم احترام
حياة الإنسان وقيمة هذه الحياة. فإذا كان الفلسطيني يدفع ابنه إلى
الموت، فإنه بالتأكيد غير حريص على حياة الغرباء أو الأقرباء.
لكن السؤال الذي لم أسمعه يتردد في وسائل الإعلام
هو: لماذا هذه الموجة الآن من تجنيد الأطفال؟ الفصائل الفلسطينية
تعمل منذ سنوات طويلة وتجند استشهاديين، فهل انتبهت الآن للأطفال
فسعت إلى تجنيدهم بهذه الكثافة؟ نسمع يومياً عن اعتقال أطفال هنا
وهناك وبخاصة في مدينة نابلس ومخيماتها والتي عرف عنها الصدارة في
العمل المقاوم. ونسمع يومياً إدانات لمثل هذا التجنيد، ليس على ألسنة
الغرباء فقط وإنما على ألسنة فلسطينيين مسؤولين رسميين وغير مسؤولين.
سبق حقيقة للمخابرات "الإسرائيلية" أن وظفت من
تقمصوا أدوارا نضالية، واستطاعوا تجنيد أشخاص وتحميلهم بالمتفجرات
سواء على أجسادهم أو في السيارات. وقد كانت تعمد المخابرات إلى تفجير
هؤلاء الاستشهاديين قبل وصولهم الهدف كما حصل مع اثنين من الأرض
المحتلة عام 1948، ومع آخرين في قطاع غزة. وفي أحيان كثيرة كانت تنصب
الكمائن لمن يحملون أحزمة ناسفة كما حصل ويحصل في الضفة الغربية.
الآلية تقوم على رصد بعض الشباب المتحمسين، ومن ثم توجيه عملاء نحوهم
يلعبون دور حماس أو الجهاد الإسلامي أو فتح أو أي فصيل فلسطيني مقاوم
ليقنعوهم بالعمل الاستشهادي. وبهذه الطريقة تكون المخابرات
"الإسرائيلية" قد ارتاحت من استشهاديين محتملين بضربات وقائية تحت
ستار عمليات فلسطينية فاشلة.
الموجة الحالية في تجنيد الأطفال لا تخرج عن
المخابرات "الإسرائيلية"، وبالتأكيد تجد من الفلسطينيين من يساعدها.
أعداد متزايدة من الأطفال يتم اعتقالها، وأعداد أخرى تتعرض بيوتها
للدهم وأولياء أمورها للمساءلة. السبب واضح وهو تشويه المقاومة
الفلسطينية بهدف كبح الرغبة في القيام بالعمل الاستشهادي وتوظيف
الرأي العام في الداخل والخارج ضده. "إسرائيل" تعيش حالة رعب
واستنفار منذ اغتيال الشيخ أحمد ياسين، وتحاول تجنب العمليات
الاستشهادية المرعبة بكافة الوسائل. إنها تعيش حالة منع تجول دون
وجود جيش فلسطيني في التجمعات السكانية اليهودية، وتنشر قوى الأمن
والحواجز والسواتر والجدر حفاظاً على أمنها، ولا مانع من استخدام
القوى الاستخبارية تعزيزاً لمختلف الإجراءات الأمنية.
المراقب لما يجري بخصوص تجنيد الأطفال والأخبار
التي تتوارد حول القبض عليهم لا يمكنه أن يصدق أن ذلك من عمل تنظيمات
فلسطينية. واضح أن هؤلاء الأطفال يجندون من أجل أن يقبض عليهم وليس
من أجل القيام بعمليات ناجحة. صحيح أن هناك اختراقات أمنية في
الفصائل الفلسطينية، لكنها لم تصل إلى هذا الحد من التسيب المذهل.
طبعاً هذا لا ينفي أن أطفالاً فلسطينيين لديهم
الرغبة والاستعداد للقيام بعمليات استشهادية. الإرهاب الصهيوني
والعنف والتدمير والقتل وسفك الدماء زرع في قلوب أطفال فلسطين صورة
قبيحة جداً لليهودي المجرم الذي يقتل الناس بالدبابات ويهدم البيوت
بالجرافات ويقصف المناضلين بالطائرات. الطفل الفلسطيني عبارة عن
بركان متحرك يتحرق للانتقام. إننا نسمع الأطفال يزمجرون ويزبدون
ويرعدون لقلة حيلتهم وعدم وجود الإمكانات التي تحول بينهم وبين تفجير
أنفسهم بهؤلاء الصهاينة الذين لا يحكمهم ضمير ولا يحركهم خلق. وللحق،
إنهم يلومون آباءهم وأمهاتهم وكبار السن ورجال التنظيمات على عدم
توفير الإمكانات اللازمة للأخذ بثأر شعب فلسطين.
يأتينا الكثير من رجال ونساء الإعلام العالمي
ويسألون بالتحديد عن العمليات الاستشهادية وعن الشباب والأطفال
واستعدادهم لتنفيذها. نحن لا نشرح لهم، وإنما نترك المجال للشباب
والأطفال للتعبير عن أنفسهم. إنني لا أذكر أبداً أن طفلاً أو شاباً
قال للعالم إنه يهوى القتل أو إن والديه يرسلانه في مهمة، وإنما كان
دائماً تحليلهم يتركز على ما تقوم به دولة الصهاينة من جرائم بحق
الشعب الفلسطيني. وطالما أكدوا أنهم إن لم يستطيعوا شن هجمات ضد
الصهاينة الآن فإنهم سيفعلون عندما يتمكنون.
إذا كان من بين الجيل الذي يتخذ القرار الآن من
يستمع إلى تشويهات الصهاينة والأمريكيين ويسارع إلى تبني مقولاتهم،
فإن الجيل القادم سيكون أعمق وعياً وأشد حماسة وأشحذ همة وأرقى
إبداعاً. وإذا كانت "إسرائيل" تعيش حالة رعب عند حد معين الآن، فإن
أيامها القادمة ستكون أكثر سواداً. ذلك ما تصنعه بيديها. تأخذها
العزة بالإثم متغطرسة وكأن التاريخ يقف تحت قدميها. انتهت تلك الأيام
التي كان القرار ملكاً لها فقط والتنفيذ وقتما تشاء، وعليها أن
تستقبل حصاد ما زرعت.
|