الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

مخطط شارون الثلاثي‏..‏ أبعاده ومخاطره‏..!‏

بقلم:‏ محمد باشا

صحيفة الأهرام 12/1/2004

 

هذا المخطط الإسرائيلي الواسع لابتلاع أكثر من نصف الأراضي الفلسطينية التي احتلتها عام‏67‏ بأبعاده الثلاثة المتمثلة أولاً في خطة شارون التي أطلق عليها خطة الفصل الكبرى الأحادية الجانب‏، وثانياً بناء الجدار الفاصل العنصري‏، وثالثاً استمرار وجود المستعمرات في الأراضي الفلسطينية‏، يكشف بوضوح كامل أهداف الحكومة الإسرائيلية في نسف جهود السلام‏، وضرب قرارات الشرعية الدولية في مقتل ابتداء من قرار التقسيم الصادر من الجمعية العمومية للأمم المتحدة عام ‏1947، ومروراً بقرار مجلس الأمن ‏242، وانتهاء بخريطة الطريق التي تعتبر هذا القرار العنصر الرئيسي للتسوية وقيام دولة فلسطينية بحدود ‏1967، واختزالها بهذا المخطط على مساحة تتراوح ما بين ‏50%‏ و‏58%‏ من الأراضي الفلسطينية‏..!‏

 

‏ما هي ملامح هذا المخطط الثلاثي الأبعاد‏..‏؟ وما هي المخاطر الناتجة عن تنفيذه‏..‏؟

 

ونبدأ أولاً بخطة شارون الأحادية التي أعلنها في الثامن عشر من ديسمير الماضي أمام المؤتمر السياسي لحزب الليكود بهرتزيليا وأطلق عليها خطة الفصل الكبرى الأحادية الجانب‏، وتستهدف الفصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين‏، وتتضمن إخلاء عدد من المستعمرات النائية القائمة في قلب التجمعات الفلسطينية وإزالة البؤر غير الشرعية التي أقيمت بدون ترخيص حكومي‏، مع تعزيز الوجود الإسرائيلي في بقية المستعمرات التي ستظل تحت السيطرة الإسرائيلية‏، كما تتضمن الإجراءات استكمال بناء الجدار العازل والانسحاب من المدن الفلسطينية‏، ثم السماح بعد ذلك للفلسطينيين بإعلان دولة مؤقتة داخل بقية المناطق على مساحة تقدر بما يتراوح بين ‏50%‏ و‏58%‏ من أراضي الضفة‏.‏

 

أما البعد الثاني من المخطط فهو استكمال بناء الجدار الفاصل‏، الذي يغتال مساره ‏45%‏ من مساحة أراضي الضفة‏، وبدأت "إسرائيل" في بنائه عام ‏2002‏ وانتهت بالفعل من تنفيذ المرحلة الأولى منه بطول ‏90‏ كيلو متراً من محافظة جنين إلى قلقيلية‏، ويلتهم الجزء الغربي منه ثلث مساحة الضفة خارج الخط الأخضر‏، مما ينذر بظهور مشكلة جديدة أمام المفاوض الفلسطيني بإلغاء "إسرائيل" لهذا الخط‏، مما يعني رفض الالتزام بحدود ‏1967‏ والتهرب من قرار مجلس الأمن ‏242..!‏

أما البعد الثالث فهو تكريس المستعمرات‏، وقد استبعدت خطة شارون الالتزام بتنفيذ عملية إخلاء المستعمرات التي نص عليها تقرير لجنة ميتشيل وخريطة الطريق‏، ولأنه المهندس الأول للاستيطان فإنه بدلاً من تفكيكها أقام نحو ‏60‏ موقعاً في الضفة منذ توليه السلطة منذ ثلاث سنوات‏، وارتفع عدد المستعمرات إلى 256‏ عام‏ 2003، بعد أن كانت ‏146‏ عام ‏1994، كما أجاز الكنيست ميزانية جديدة بلغت ‏30‏ مليون دولار بدعوى تعزيز الحراسة عليها‏، والإعلان خلال الشهرين الماضيين عن عطاء لإقامة ‏300‏ شقة سكنية جديدة بها‏، ويشير تقرير إلى أن مساحة المستعمرات بلغت ‏2%‏ من الأرض المحتلة بعد أن كانت‏1,5%‏ قبل تولي شارون السلطة‏.

 

والأمر المؤكد أن هذا المخطط الثلاثي الأبعاد يحمل مخاطر عديدة نلخصها في التالي‏:‏

 

ضم ما يزيد على ‏50%‏ من ذلك مساحة الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ ‏67‏ إلى مساحة "إسرائيل"‏، ويفرض نوعاً من الأمر الواقع على الأرض من شأنه التأثير السلبي على إقامة الدولة الفلسطينية المرتقبة عام ‏2005‏ عند التفاوض خلال المرحلة النهائية للخريطة‏، بحيث يجعل منها دولة غير متصلة وغير مترابطة الأجزاء‏، ولا علاقة لها بالقدس الشريف والمقدسات الإسلامية والمسيحية‏، حيث تتحول المدن والقرى الفلسطينية إلى كانتونات معزولة ويجعل حياة سكانها صعبة للغاية‏..!‏

 

إصرار "إسرائيل" واستماتتها في تنفيذ هذا المخطط تستهدف منه تجميد عملية السلام وخريطة الطريق‏، أمام الرفض الفلسطيني والعربي والعالمي له‏، مما يضع المنطقة على حافة الانفجار الذي يهدد الأمن والسلام بها ويطول العالم كله‏، ويساعد القوى الرافضة للتسوية من الطرفين على ممارسة العنف والعنف المضاد‏، وهو المناخ الذي يحرص شارون‏، مدمن العنف والإرهاب‏، على وجوده وإشعال فتيله دائماً لممارسة سياسة الاغتيالات والتدمير وارتكاب المذابح‏، واستمرار الحصار الخانق على الشعب الفلسطيني الأعزل‏، واتخاذ أي رد من المقاومة الفلسطينية عليه ذريعة لمواصلة وحشيته‏..!‏

 

‏ولأن هذا المخطط الشاروني يقابل بالرفض الكامل من الفلسطينيين والعرب ودول أوروبا وواشنطن والعالم كله‏، فإننا نجده يقفز كعادته على الحقائق بمزاعم وأكاذيب بأن الإجراءات أحادية الجانب للانفصال التي تتضمنها خطته تعود إلى عدم وجود شريك لتحقيق السلام على الجانب الفلسطيني‏، وتهديده بتنفيذها خلال بضعة أشهر ما لم تجر السلطة الفلسطينية إصلاحات ديمقراطية ووضع حد لما سماه بالإرهاب‏، متناسياً أن ممارسات حكومته الرافضة للسلام وعدم الالتزام بخريطة الطريق واستمرار بناء الجدار الفاصل ووجود المستعمرات هي السبب وراء تجميد الموقف‏، ورفض استئناف المفاوضات السياسية مع الجانب الفلسطيني وجنوحه إلى فرض الاحتلال وتكريس الاستعمار‏، وعلى حد تصريح الدكتور صائب عريقات وزير شئون المفاوضات الفلسطيني خلال لقائه مع عدد من أعضاء الكونجرس الأمريكي فإن الجانب الفلسطيني ليس ضد عقد لقاء مع الجانب الإسرائيلي وأنه يبذل كل جهد ممكن للتحضير الجيد له من أجل أن يكون ناجحاً وعلى أساس الالتزامات المستحقة على الجانبين التي وردت بخريطة الطريق‏.‏

 

‏وإذا كانت الإدارة الأمريكية على لسان وزير الخارجية باول قد أعلنت أن بلادها تتحفظ على خطة شارون الأحادية‏، مؤكداً أنها لا تسمح لأي طرف بفرض تسوية تمنع قيام دولتين‏، كما عبرت من قبل عن قلقها من إقامة الجدار الفاصل‏، إلا أن الواقع الذي يرصده المحللون أن إعلان شارون عن خطته الأحادية وتهديده بتنفيذها ما كان يحدث إلا إذا كان هناك تفهم أمريكي لها‏، ويؤكدون صحة هذا التحليل بما أعلنه شارون عند إعلان خطته بأنها سوف تحظى في نهاية المطاف بالتأييد الأمريكي‏، خاصة أن واشنطن - كما زعم - خاب أملها في حكومة قريع لعجزها عن القيام بأية مهمة‏، كما يشير المحللون إلى أنه رغم الرفض الأمريكي لمسار الجدار الفاصل فإن مساندة واشنطن لإسرائيل بالتصويت معها في مجلس الأمن ضد قراره بوقف بنائه‏، ورفضها أيضاً قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة لعرض قضيته على محكمة العدل الدولية‏، كل ذلك يمثل تشجيعاً لحكومة "إسرائيل" على استمرار ممارساتها‏، وهو ما يدعونا إلى حث الإدارة الأمريكية على تفعيل دور اللجنة الرباعية الدولية للسلام‏، وتحمل مسئولياتها لتنفيذ خريطة الطريق‏، وتوفير مراقبين دوليين لمتابعة تنفيذها وفق جداول زمنية والتزام تبادل بنودها ككل لا يتجزأ بعيداً عن أي اشتراطات أو إجراءات لفرض واقع جديد بالقوة على الأرض بهذا المخطط الثلاثي الأبعاد‏..!‏

 

‏ورغم أن هذا المخطط الشاروني الثلاثي قد قوبل بانتقادات واسعة من حزب الليكود سواء من فريق المتشددين الذين يبنون رصيدهم السياسي علي رفض مبدأ الانسحاب من المستوطنات‏، وتنفيذ خطة الفصل الأحادية‏، لأن ذلك يتعارض مع قرار المجلس المركزي للحزب بمقاومة فكرة إقامة الدولة الفلسطينية الذي اتخذه العام الماضي‏، ويتزعم هذا الفريق بنيامين نيتانياهو وزير المالية‏، فإن هناك أصواتاً أخرى داخل الليكود نفسه‏، ومن قوى اليسار والقوى الليبرالية وقيادات الجيش انتقدوا بشدة خطة الفصل ويرون أنها تعرقل عملية السلام‏، وتزيد من مساحة الصراع مع الفلسطينيين‏، مما يؤدي إلى تخريب العلاقات الإسرائيلية- الأمريكية‏.‏

 

‏وأمام هذا الحراك السياسي الذي يموج به المجتمع الإسرائيلي اضطر شارون إلى التهديد بورقة إجراء انتخابات جديدة إذا لم تحصل خطته على التأييد‏...!‏ فهل يفعلها شارون ويكرر موقف سلفه باراك الذي أتي به إلى السلطة منذ ثلاث سنوات‏..‏؟‏!‏

‏وسواء فعلها شارون أم استطاع تجاوز المعارضة فإن الأمر يبقى في النهاية منوطاً بعالمنا العربي الذي عليه مواصلة جهوده مع كل القوى السياسية في العالم لمساندة الموقف الفلسطيني لوقف هذا المخطط الشاروني ودعوة اللجنة الرباعية الدولية لتنفيذ خريطة الطريق ومتابعة ذلك‏..‏ قبل أن ينفجر الموقف‏...!‏