الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

المخيمات الفلسطينية.. شقاء يفرز فدائيين

 

بيتر هارت

 

صحيفة الوطن القطرية 22/5/2004

 

إذا ما وجدت نفسك يوماً في الأردن أو سوريا أو لبنان أو الأراضي الفلسطينية المحتلة اذهب لزيارة مخيم للاجئين الفلسطينيين وألق نظرة عليه وعلى ما حوله.

 

في جولتك ستجد الأزقة الضيقة إلى حد بعيد حيث يتم في بعض الأحيان نقل الميت عبرها وهو في وضع الوقوف لأن النعش أعرض من الطريق المتاحة للمشي.

 

ألق نظرة فاحصة على ما يقال إنها بيوت يقيم فيها لاجئون ستجد أن أسراً تتألف من 13 فرداً أو أكثر تقيم في غرفة واحدة ليست لها نوافذ وفي بعض البيوت ستقابل أمهات ينمن وأطفالهن في حجورهن من أجل حمايتهم من الجرذان.

 

وإذا ما قدر لك أن تتم هذه الزيارة في فصل الشتاء ستجد أن مياه المجاري الآسنة التي تزكم الأنوف صيفاً تفيض بكل ما بها من قاذورات إلى البيوت. الآن اذهب لزيارة المدارس في هذه المخيمات ستجد فصولاً دراسية آيلة للسقوط وجدراناً عارية من أي وسائل تعليمية في الوقت الذي يجلس فيه كل ثلاثة طلاب على مقعد دراسي واحد. انظر إلى هذه الفصول التي تكاد تفيض بالبشر الموجودين داخلها حيث يناضل المدرسون للتعامل مع أكثر من 50 طالباً في الفصل الواحد، انتظر قليلاً ستجد أن كامل المدرسة من مدرسين وطلاب سيتم اخلاؤها في وقت مبكر ليحل محلهم فوج جديد من الطلاب والمدرسين بعد الظهر. فكل مدرسة واحدة يتوجب عليها أن تستوعب ورديتين دراسيتين في اليوم الواحد.

 

الآن اذهب إلى العيادات الصحية التي تخدم هذه المخيمات المكتظة بالسكان وسط صراخ الأطفال وضجيج البالغين والمعاقين يتوجب على الطبيب الواحد أن يقدم العلاج لحوالي 115 مريضاً في اليوم. المريض الواحد لا يعطى حقه من الوقت ليفحص بل سيفحص ويكتب له العلاج خلال دقائق قليلة معدودة بالرغم من وجود مرضى يعانون من أمراض خطيرة في الرئة أو القلب وغيرها. تحدث مع الأطباء حول الخيارات الصعبة التي يتخذونها بسبب محدودية الموارد حول من سيحصل على المساعدة لتمويل عملية جراحية لانقاذ حياته وحول من لن يحصل. هذه الأوضاع المزرية ليست بالشيء الجديد بالنسبة للاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون هذه المحنة منذ 56 عاماً من الصراع والحرمان كبشر منفيين ومقطوعين لا دولة لهم يعيشون حالة أشبه ما تكون بانعدام الوزن. الأوضاع لم تكن سيئة على الدوام على هذا النحو فوكالة الأمم المتحدة التي تعتني بشؤون اللاجئين الفلسطينيين منذ عام 1950 (الاونروا) كانت تنفق في السابق 200 دولار سنوياً على كل لاجئ. في السابق كانت المدارس في مخيمات اللاجئين تماثل المقاييس الموجودة في مدارس الدول المضيفة لهم. وفيما يتعلق بتعليم الاناث والتطعيم الجماعي فإن ما تحقق يشكل قصة نجاح إقليمية.

 

والمحزن في هذا الشأن أنه منذ عقد أو نحوه فإن هذه القصة بدأت بالتراجع حيث تراجع انفاق الاونروا على اللاجئ إلى 70 دولاراً سنوياً ويعود السبب في ذلك إلى النمو السكاني حيث يصل عدد اللاجئين الفلسطينيين حالياً إلى أربعة ملايين وإلى تراجع التبرعات التي تقدمها الأسرة الدولية. وتسبب هذا الوضع في تآكل واهتراء كل المكاسب التي سبق تحقيقها. والآن فإن الخدمات تتراجع وتضيق الفرص المتاحة أكثر فأكثر.

من أجل تدارك هذا الوضع دعت الاونروا والحكومة السويسرية أكثر من 70 دولة للمشاركة في مؤتمر دولي كبير يعقد في جنيف في يونيو من أجل التخطيط لاستراتيجيات جديدة لتحسين حياة اللاجئين الفلسطينيين لمساعدة أنفسهم عبر تسهيل الوصول لفرص العمل والاسكان والتعليم والعناية الصحية.

 

وقد بدأ الخبراء من الدول المانحة ومن المنظمات الدولية بالعمل على وضع خطط محددة لمناقشتها في المؤتمر، وخلال الـ «56» عاماً الماضية لم يعقد مؤتمر مثل هذا يركز على المستقبل الإنساني للاجئين الفلسطينيين.

اذهب وتمشى في أحد المخيمات الـ «59» للاجئين أو زر إحدى عيادات الاونروا البالغ عددها 122 عيادة أو مدرسة من الـ «660» مدرسة وسترى بنفسك لماذا يعتبر النجاح مهماً.

إن الانتفاضة الفلسطينية تمر الآن بمرحلة جديدة تمثل ما يشبه نقطة تحول هامة في مسيرة العنف التي لم تتوقف في الصراع العربي – الإسرائيلي.

 

التطور الجديد هو ظهور جيل جديد من المراهقين المنضمين للمقاتلين الفدائيين.

في 24 مارس اعتقل الجنود الاسرائيليون في نقطة للتفتيش قرب نابلس صبياً فلسطينياً يبلغ من العمر 16 عاماً يدعى حسام عبدو كان يرتدي حزاماً ناسفاً لفه حول جسده به ثمانية كيلوغرامات من المتفجرات. الصبي ارتبك عندما رأى الجنود الإسرائيليين واستسلم لهم. ويعد هذا الصبي الأصغر الذي ينخرط في الاعمال الفدائية المخطط لها، تم تصوير الصبي الخائف عند استسلامه في الوقت الذي كانت توجه إليه فيه العشرات من البنادق وبعد أن ألقى الصبي الحزام الناسف سارع روبوت إسرائيلي لسحبه بعيداً عنه.

 

ميليشيا «التنظيم» في مخيم بلاطة في نابلس أصدرت بياناً بتحمل مسؤولية هذه العملية، ولكن تيسير نار الله قائد فتح في نابلس تعهد بقتل من أعطى الصبي المتفجرات وقال إن «إعطاء الصبية المتفجرات يظهرنا في عيون العالم كبرابرة ويلحق أفدح الضرر بقضيتنا».

شقيق الصبي قال إن أخاه شبه مختل عقلياً ومن السهل التلاعب به، والجيش الإسرائيلي من جانبه قال إن الصبي أبلغهم بأنه أراد أن يصبح بطلاً.

 

قبل اعتقال عبدو بأسبوع وجد الجنود الإسرائيليون في نفس نقطة التفتيش صبياً يبلغ من العمر 10 سنوات يجر خلفه حقيبة بها 10 كيلوغرامات من المتفجرات، والصبي يدعى عبدالله قوران من مخيم بلاطة، تم استجواب الصبي من قبل الجيش الإسرائيلي لساعات وأطلق سراحه بعد التأكد من أنه لم يكن يعرف ما في الحقيبة ويبدو أن من أعطى الحقيبة للصبي كان سيعمل على تفجيرها عن بعد من خلال استخدام تليفون نقال لدى مرورها عبر نقطة التفتيش.

 

بعد مرور ثلاث سنوات ونصف السنة على انطلاق الانتفاضة أصبح قتال الإسرائيليين مجرد طقس من الطقوس للشباب الفلسطيني حيث حرم هؤلاء الشباب من طفولتهم بإراقة الدماء وتقول الاحصاءات المتاحة إن حوالي 550 صبيا فلسطينياً قتلوا إلى جانب 103 من الصبية الإسرائيليين هذا عدا عن المئات الذين أصيبوا بعاهات دائمة وفقدوا أطرافهم.

 

ولا بد أن التأثير الناتج لهذه الإصابات كبير للغاية. وهناك مخاوف من أن تستخدم الجماعات المسلحة الأطفال كقنابل بشرية لتفادي نقاط التفتيش الإسرائيلية، وحسب مصادر الجيش الإسرائيلي فإن 29 فلسطينياً تقل أعمارهم عن 18 عاماً شنوا عمليات فدائية منذ إنطلاق الانتفاضة في سبتمبر 2000 كما شن 22 صبياً آخر هجمات شبه انتحارية تتمثل بإطلاق النار على الإسرائيليين في هجمات ليس لمن يقوم بها أي فرصة للنجاة تقريباً، وتم اعتقال 40 صبياً آخرين تقل أعمارهم عن 18 عاماً على خلفية الشك باعتزامهم شن هجمات. ويوجد هناك حوالي 300 قاصر فلسطيني في السجون الإسرائيلية.

 

كان عمر إياد المصري يبلغ 16 عاماً عندما قتل في هجوم فدائي حيث انفجر به الحزام الناسف قبل وقته مما تسبب بمقتله وحده، وكان هذا الصبي يريد الانتقام لمقتل أخيه أمجد (14 عاما) الذي قتل على يد الجنود الإسرائيليين كما ان ابن عمه أيضاً قتل لدى إطلاق الجيش الإسرائيلي النار على مشيعي جثمان أمجد.

في فبراير اعتقلت القوات الإسرائيلية ثلاثة صبية تتراوح أعمارهم ما بين 13 و15 عاماً وهم في طريقهم لشن هجوم بالرصاص على مدينة العفولة القريبة من شمال الضفة، ويقول الإسرائيليون إن من جند أولئك الصبية هم الجهاد الإسلامي أو كتائب شهداء الأقصى.

 

أما الهجوم على ميناء أشدود فقد شنه شابان يبلغان من العمر 18 عاماً خرجا من مخيم جباليا في قطاع غزة وذلك في 14 مارس وقد قتل في ذلك الهجوم 10 إسرائيليين وقد سبب ذلك الهجوم قلقاً بالغاً للسلطات الإسرائيلية بسبب الأهمية الاستراتيجية الخاصة لذلك الميناء.

كان ذلك الهجوم هو الشرارة التي دفعت "إسرائيل" لاغتيال الشيخ أحمد ياسين زعيم حماس ثم تبعه هجوم آخر اغتيل فيه عبدالعزيز الرنتيسي، ويبدو أن "إسرائيل" قررت إبادة قيادة حماس والتنظيمات الراديكالية الفلسطينية في غزة، ولا يعرف الإسرائيليون حتى الآن الطريقة التي دخل بها الفلسطينيان ذلك الميناء.

 

لقد أدت الانتفاضة الأخيرة ضد الاحتلال الإسرائيلي إلى خلق ثقافة العنف والتضحية كما أنها أدت إلى نشر الراديكالية في المجتمع الفلسطيني، معظم الفلسطينيين يؤيدون العمليات الفدائية ولكن الكثيرين منهم يثيرون التساؤلات حول تجنيد النساء والأطفال لمثل هذه المهمات.

إن استخدام الصبية في العمليات الفدائية أفزع الشعب الفلسطيني وأعطى "إسرائيل" مادة دسمة لتصوير الفلسطينيين على أنهم شعب يرسل الأطفال ليحاربوا بدلاً من البالغين.

 

يقول إياد السراج أحد نشطاء حقوق الإنسان في غزة إن استطلاعاً للرأي أجري في صيف 2003 أظهر أن 36% من الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 12 عاماً يؤمنون بالتضحية بالنفس من أجل القضية الفلسطينية وأن ذلك هو أفضل ما يفعلونه بحياتهم، ويقول السراج إن المجتمع الفلسطيني يمجد الشهيد وعليه يمكن القول بأنه يوجد مخزون لا ينضب من الشهداء المحتملين، إنهم يصطفون بانتظار دورهم وهذا يحدث لأن الأمل بحياة أفضل يتلاشى.